الوافد الحضاري والإعلامي والاجتماعي لا توجد أمامه بوابة جوازات تفحص ما إذا كان يملك فيزة دخول أو جهاز مراقبة عفش للتأكد من أن كل محتوياته فاضلة ونظيفة..
هناك شعوب عرفت كيف توقظ ثقافتها المحلية فتجعل منها تلك البوابة الذاتية التي تفحص وتدقق مثل ماليزيا وسنغافورة وإلى حد ما الصين والهند.. وهناك شعوب فشلت في ذلك بل توسلت بالتسهيلات والتنازلات لأن تكون تابعاً حضارياً لثقافات أرقى..
أصبحت الأنماط الحضارية عند الآخرين تأتي في مثل زيارات هبوب الرياح.. لا أقول إن أي دولة لا تستطيع حجب وصولها فقط بل إن مهمة أي دولة في مواجهتها صعبة وشاقة.. إذاً لابد من وعي محلي قادر على المواجهة.. الرفض والانكفاء أو العزلة ربما تكون حلولاً شخصية لمن يرغبونها لكنها ليست حلاً لإكساب المجتمع مناعة في عدم التورط في سلبياتها وخصوصاً الأجيال الجديدة..
مثلاً مئات الشباب الذين نشاهدهم في الأسواق التجارية أو في اللقاءات التلفزيونية جميعهم يتطلعون إلى جديد حضاري ولذا لابد أن نوفر لهم القناعة المحلية بانفتاح مشروع مقبول..
على المستوى الدولي لفت انتباهي خبر يقول بأن جزيرة إيطالية امتلأت فنادقها بزوار كثيرين عندما سمعوا أن الممثلة انجيلينا جولي والممثل براد بيت سوف يتزوجان هناك.. لكن تصريحاً بالنفي أفسد هذه المتعة.. ولم يهتم الزاحفون على الفنادق بخبر قديم يقول إن انجيلينا قطعت كذا شهر من مدة حملها بطفل دون أن تتزوج..
أما على المستوى العربي فإن فضائية عربية قبل أيام قليلة عرضت مقابلة مع مطربة اشتهرت بعرض الجسد أكثر مما اشتهرت بعرض الصوت والكلمة.. ظاهرة مناقضة تماماً لما في معلوماتنا عن أم كلثوم وفيروز ونجاة ووردة وأصالة السورية وأحلام الإماراتية.. وبلغ الابتذال مستوى عرض جسدها بلباس البحر في أكثر من صورة ثم اندفع عامل من خلف الكواليس يجر عربة بنطلوناتها وأخرى عليها أحذيتها وكانت تعابير وجه المذيع تتفاعل مع الإيقاعات الجنسية لملامحها وعيونها.. بعض المشاهدين أخذ يفرز مصاغاتها من حيث توقع مصادرها..
هذا الابتذال لن تمنعه بإقفال الجهاز.. هناك من يراه لكن يجب أن تكون هناك وسائل وعي وتعليم وتربية ترشح البديل الأخلاقي غير المتزمت الذي يرفض الابتذال لكنه لا ينكفئ بأسوار العزلة..
إن المهمة صعبة للغاية لأنها لا تعالج وضع شخص بالنسبة لرؤاه وأفكاره وما هو عنده حلال أو حرام.. المهمة صعبة لأنها مسؤولية إنقاذ مجتمعات تتردى فيها مستويات المعيشة ويتحول الارتزاق بالابتذال إلى مهمات إعلامية..
هل قيمة الجامعة العربية ومعها الحكومات العربية هو الإعداد لجداول أعمال القمم العربية؟.. أم يفترض أن تكون فيها إدارات تلزم بانتهاج سياسات إعلامية وثقافية ترفض مثل هذا الابتزاز وتؤسس لوعي اجتماعي تسانده مناهج تعليم قادرة على المواجهة؟..
إنني أتحدث عن إجماع عربي لأن الالتزام من قبل بعضنا سيكون منتهكاً من قبل البعض الآخر..