لم تكن الإصلاحات الكبرى التي أعلن عنها في إمارة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤخراً إلا حدثاً متوقعاً من قبل كافة النخب السياسية والاقتصادية وحتى الناس العاديين. فعلى امتداد السنة الأخيرة كثرت التصريحات التي تبشر بأن أبوظبي قد اختارت طريق التحديث الاقتصادي الشامل، ولم يبق إلا الإعلان رسمياً عن التفاصيل، أو لنقل، عن خريطة لذلك الطريق. وقد جاءت قرارات رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان مفصلة بما يكفي لتعطي صورة مسبقة عن مستقبل الإمارة الأكبر في دولة الإمارات.
أبرز ملامح الخطة الإصلاحية تتضمن إنشاء جهاز للشؤون التنفيذية شبيه بالمكتب التنفيذي الذي يسيّر شؤون إمارة دبي، الذي يقول العديد من المراقبين إن له الفضل الأكبر في تخطي حواجز البيروقراطية والسير بدبي نحو ما هي عليه الآن من حداثة وديناميكية وتطور عمراني واقتصادي.
الملاحظة الثانية في هذا الشأن تكمن في تسليم ملف الإصلاح إلى ولي العهد الشاب محمد بن زايد، الذي صار يرأس كلاً من المجلس التنفيذي لأبو ظبي ولجنة إعادة هيكلة حكومة أبو ظبي. والمعروف عن محمد بن زايد أنه يؤمن بشدة بمبادئ القطاع الخاص وتخفيف قبضة الحكومة على الشؤون الاقتصادية وإعطاء فرص أوسع للاستثمار بشقيه الداخلي والخارجي كي يشارك في رسم مستقبل الإمارة. وقد اتضحت لمسات الرجل في هذا الصدد من خلال التشديد على أن الحقبة المقبلة ستشهد شراكة واسعة بين الحكومة والقطاع الخاص من أجل تقديم خدمات تتميز بالجودة والكفاءة، وإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة.
وتستمد التشريعات الجديدة التي أصدرها رئيس الإمارات صبغتها العامة من الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس نفسه لمناسبة العيد الوطني الرابع والثلاثين للدولة في شهر ديسمبر من العام الماضي، والذي اعتبر بحق نقطة تحول في تاريخ الإمارات ومنعطفاً نحو عهد من التنمية الحقيقية. ومع أن الخطاب المذكور كان معنياً بالشأن الاتحادي العام، وليس حصراً بشؤون أبو ظبي، فقد كان متوقعاً أن تبادر الإمارة الأم بإصلاح ذاتها من أجل توحيد إيقاع الحركة مع دبي التي سبقتها في الإصلاح، ومن أجل تلبية توقعات المستثمرين الذين ينظرون إلى الإمارة باعتبارها كنزاً استثمارياً هائلاً لكن تنقصه التشريعات والنظم.
وإذا كان الخطاب الشهير قد أعطى شارة البدء للانطلاق على مضمار الحداثة على مستوى الدولة ككل، فإن التشريعات الجديدة تعد في نظر الكثيرين أول إنجاز من العيار الثقيل. ويجدر بالذكر أن المزيد من القوانين ستصدر عما قريب حسب ما أكد أكثر من مسؤول من المعنيين بالأمر، مما يعزز مقولة تتردد بين الناس هنا في الإمارات، وهي أن محمد بن زايد يخوض ثورة تحديثية شبيهة إلى حد بعيد بتلك التي قادها محمد بن راشد في دبي على مدى السنوات الماضية.
وعلى خط مواز يبدو أن العمل جار بهدوء نحو إرساء مظهر آخر من مظاهر التحديث، على الجانب السياسي والاجتماعي هذه المرة، حيث شهدت أبوظبي قبل أيام ميلاد جمعية الإمارات لحقوق الإنسان. ولعل مضامين هذا الأمر لا تخفى على أحد، سيما بالنظر إلى وعود الديمقراطية التي أطلقت على أعلى مستوى، حيث ستشهد الإمارات عما قريب انتخابات جزئية لنصف أعضاء المجلس الاتحادي، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الشاملة في غضون سنوات.
اللافت للنظر في حدث إنشاء مجلس حقوق الإنسان هو أن مجلس إدارتها قد تم تعيينه بالانتخاب الحر ومن دون أي تدخل من الدولة. وكان للمداخلات الصاخبة التي شهدت عملية الانتخاب، وما رافقها من انسحاب بعض الأعضاء والدوي الإعلامي الذي رافق العملية، كان لكل ذلك مذاقاً ديمقراطياً بدأت تجلياته تلوح في الأفق لا كسراب الصحراء المترامية حول أبو ظبي، بل كمشروع يتم التأسيس له على الأرض، وعلى كل المستويات بما في ذلك أسفل الهرم الاجتماعي.
صحيح أن دبي سبقت أبوظبي بمراحل في طريق التحديث، لكن الإمارة الأم تمتلك من المؤهلات ما يجعلها قادرة على اختزال الزمن، فهي كنز الإمارات النفطي، ومساحتها الهائلة التي أهلتها لقيادة شقيقاتها الإمارات الست لأكثر من ثلاثة عقود تجعل منها حاضنة مثالية للاستثمارات السياحية والصناعية والعمرانية إلخ.
ومع أن النفط هو المصدر الرئيس للدخل العام في أبوظبي فإن الناتج المحلي للقطاعات غير النفطية بلغ في عام 2004 نحو 88 مليار درهم أي ما يعادل 53 في المئة من حجم الاقتصاد في أبو ظبي. وإذا كانت الاستثمارات الصناعية التي تعد الإمارة باستضافتها في المقبل من أيام تشبه المصنع الأكبر في العالم لصهر الألمنيوم الذي أعلن عن إنشائه قبل نحو شهر، فمن المؤكد أن العقد المقبل سينقل أبوظبي إلى مستوى اقتصادي يليق بثقلها السياسي والريادي ليس في الإمارات وحدها بل على مستوى المنطقة.