الرئيسية > نوافذ

مي زيادة ماتت في شبابها وحيدة بلا أهل

سيرتها لم تكتمل مادام مخطوط ليالي العصفورية مفقودا



تعتبر الكاتبة الأدبية مي زيادة من أبرز شخصيات المجتمع العربي، ومن الرائدات الأوائل اللائي مهدن لوجود أدب نسائي في البلاد العربية، وفقد المجتمع العربي بوفاتها منذ سنوات طوال ركنا ركينا من أركانه، ورغم أن مي انتقلت إلى رحمة الله منذ سنوات إلا أن كتبها لاتزال من أمتع الكتب الأدبية. ولمي بحث شيق عن عائشة التيمورية الشاعرة أعادت إحدى دور النشر طبعه منذ شهور، كما كتبت فصولا عدة من المقالات تحلل فيها مشاكل المجتمع العربي، وتدعو المرأة العربية إلى التحرر من التقاليد البالية، والعادات العتيقة دون أن تفرط في حق نفسها وحق وطنها وحق دينها.

إن سيرة مي زيادة لن تكتمل مادام مخطوط «ليالي العصفورية» مفقودا ولاتزال الأسرار التي اكتنفت السنوات الأخيرة من حياة الأديبة مي زيادة (18861941 ) لاسيما مرحلة دخولها المصح العقلي في لبنان تثير شغف الباحثين والقراء على السواء، وكلما صدر كتاب جديد عنها توقع القراء أن يلقى ضوءا على تلك المرحلة القاتمة التي انتهت بموتها في القاهرة عن خمس وخمسين سنة إلا أن هذه الأسرار ستظل مجهولة وغامضة مادام مخطوطها الذي يحمل عنوان «ليالي العصفورية» مفقودا، وهي تروي فيه وقائع أو «يوميات» حجزها في المصح العقلي اللبناني الذي كان يسمى «العصفورية» والمخطوط المفقود هذا، قد يحدث انقلابا في سيرتها المكتوبة إن عثر عليه أحد، ناهيك بالمخطوطات الأخرى التي فقدت ومنها مخطوط عنوانه «في بيتي اللبناني» وفيه تتحدث عن فترة خروجها من المصح ولقائها أمين الريحاني في بلدة «الفريكة» اللبناني، وكذلك مخطوط «مذكراتي» و «رسالة إلى هتلر».

قضية المخطوطات المفقودة أثارها الباحث اللبناني فاروق سعد في كتابه عن مي زيادة وعنوانه «السر الموزع للأنسة مي (دار الثقافة)، بل جعلها ذريعة لإعادة قراءة «ظاهرة» هذه الأديبة التي ولدت في فلسطين ونشأت في لبنان وعاشت وماتت في القاهرة، وإن كان سعد وضع عنها سابقاً كتابا ضخما عنوانه «باقات من حدائق مي» (1973 ) ضم سيرتها ومنتخبات من نتاجها، فهو هنا يحاول أن يجلو النواحي السرية من حياتها الشخصية والعاطفية. ويعتبر فاروق سعد ان ماكتب عنها حتى الآن لم يكشف إلا الجزء المعروف من سيرتها ، انطلاقا من الرسائل التي تبادلتها مع أدباء عصرها ومن الأخبار عن صالونها الأدبي في منزلها القاهري (28 شارع المغربي - عدلي اليوم) والذي جعلته ملتقى الأدباء والشعراء المصريين والعرب.

قد تكون حياة مي وشخصيتها أهم من أدبها وأعمق منه فالكتب التي وضعتها أو ترجمتها (بتصرف) لاتشكل نتاجا أدبيا عظيما كنتاج جبران خليل جبران مثلا أو طه حسين أو زكي مبارك وعباس محمود العقاد وولي الدين يكن، وسواهم ممن راسلتهم أو اقبلوا على صالونها الأدبي. وقد احبها بعضهم وأعجب بها وكتب لها وعنها امرأة ساحر ة شاعرة رومانسية ومصلحة اجتماعية وخطيبة جريئة ومثقفة تجيد الفرنسية والانكليزية والالمانية وتهوى القراءة وتكتب بجرأة وتشارك في السجلات التي كانت تشهدها الصحف والمجلات المصرية ك«المقطم» و «الهلال» و «المقتطف» و «المحروسة» وسواها. وكانت نشرت فيها معظم نتاجها قبل صدوره في كتب منفردة تصف مي نفسها في رسالة وجهتها في 1932 إلى الأديبة جوليا طعمة دمشقية ب«الفتاة السمراء» كالتين أو التمر الهندي.. مع طابع سديمي من وجد وشوق وذهول وجوع فكرى .. وعطش روحي لايرتوي واستعداد كبير للطرب والسرور واستعداد أكبر للسجن والألم..» وبلغت مثاليتها أو ربما رومانسيتها شأوها عندما وقعت في حب جبران عبر المراسلة. وراح هذا الحب يقوى ويستعر روحيا حتى أصبح أشبه بالتجربة الأليمة التي تجمع بين الا ثنين. تراسلا أكثر من خمس عشرة سنة ولم يجرؤ أحدهما على أن يسعى إلى لقاء الآخر. وكانت المواعيد التي طالما منيا نفسيهما بها ضربا من الهباء.

في احدى صورها الأخيرة بعد خروجها من المصح العقلي، تبدو مي زيادة اشبه بامرأة عجوز بيضاء الشعر وعلى محياها المتغضن ترتسم ملامح حزن عميق هذه الإطلالة تتكرر أيضا في الصورة التي التقطت لها مع أمين الريحاني. إنها تجربة «الحجز» النفسي جعلتها تفقد تالقها وجمالها الخاص. حينذاك في 1936 تآمر عليها اقرباؤها في لبنان طمعا بالممتلكات القروية التي ورثتها عن والدها وأدخلوها «العصفورية» لكنها مالبثت أن خرجت بعد سبعة أو ثمانية أشهر، وكان وكيلها في دعواها لإبطال وصاية أقربائها عليها الوزير الراحل بهيج تقي الدين ربحت مي الدعوى بعد أن أثبتت لجنة طبية سلامة عقلها لكن محنتها تلك دمرتها نفسيا وجسديا.

مي والعقاد

تحت عنوان «غرام مي وجبران بين الحقيقة والخيال» يعرض أحمد حسين الطهطاوي لقصتها التي صارت معروفة جدا، لكنه يلاحظ في اثناء رسائلها الغرامية إلى جبران انها كانت ايضا تعيش ما يصوره الطهطاوي بانه شبه حاله حب مع عباس محمود العقاد انطلاقا من رسائل اكتشفها طاهر الطناجي، وتقول في احداها، مؤرخة في 30 آب 1925 مايلي: «.. انني لااستطيع ان اصف لك شعوري حين قرأت القصيدة التي ارسلتها لي، وحسبي ان اقول لك ان ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها اليك وأنت في بلدتك التاريخية اسوان.

بل أنني خشيت ان افاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة «المحروسة» - ان الحياء منعني، وظننت ان اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك. والان عرفت شعورك وعرفت لماذا لاتميل إلى جبران خليل جبران ... لاتحسب انني اتهمك بالغيرة من جبران، فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني، كما انني لم أره الا في تلك الصور التي تنشرها الصحف.

ساعود قريبا إلى مصر وستجمعنا زيارات وجلسات افضى فيها لك بما تدخره نفسي، ويضمه وجداني، فعندي اشياء كثيرة أقولها لك في خلوة من خلوات مصر الجديدة».

جدل ونقاش

يقول الطهطهاوي، ان العقاد بعد عودة مي من المانيا، توقف عن ندوتها الأسبوعية يوم الثلاثاء، كما الجميع، وكان لقاؤه معها يوم الأحد من كل اسبوع، ويذهبان في بعض الأحيان إلى كنسية الظاهر حي تعلن افلام «الفانوس السحري».

الانوثة معرفة بالجدل ويكاد مقال الدكتورة نوال السعداوي يكون جوابا عن تساؤلات الطهطاوي تقول:

«عاشت تكتب. وكان هذا غريبا في عصرها. فالمرأة كانت للأحساس وليس للتفكير. وكانت جميلة،. وهذا ايضا غريب فالجميلة لاتمسك القلم الا لتلون شفتيها، وكانت ايضا ذكية. وهذا هو الأغرب. فالعقل يفسد الانوثة وهي كما تبدو لهم انثى. وكل ثلثاء يذهبون اليها ويحدث الجدل والنقاش. كان غرامها الجدل. وكان غرامهم المرأة بغير جدل. القد الممشوق بغير جدل. لم يستطع أحدهم ان يراها كما كانت ترى نفسها. وفشل الجميع في حبها. وماتت في شبابها وحيدة بلا اهل وملايين النساء يحوطهن الاهل. لكننا نذكرها ولانذكرهن. اليس هذا عزاء لها ولكل امرأة تفكر مثلها؟

وأشار الكاتب جمال الدين في بحث له ان عددا كبيرا من الشعراء تدلهوا الكاتبة مي زيادة، ويذكر الكاتب بأن قابله الأستاذ الصحفي الكبير على أمين فسأله عمن كانت تحب مي. فيرد عليه الكاتب على أنها لم تكن تحب أحدا معينا، إنما كانت توزع حبها على الناس جميعا، وكانت اشبه بالزهرة العبقة التي تنشر أريجها في كل مكان، ويحاول كل من يدنو منها أن يشرح صدره بعبيرها، وكان صالونها الذي تعقده في جريدة الأهرام كل يوم ثلاثاء مجتمعا أنيقا من المجتمعات العربية الحديثة، يلتقي فيه أقطاب الفكر والأدب أمثال اسماعيل صبري، طه حسين، خليل مطران، وأحمد حسن الزيات، وأنطون الجميل وغيرهم، وكان كل واحد منهم يتمنى أن يظفر بعطفها ولطفها في مجاذبة الحديث معها، منا قشتها في شتى الموضوعات الاجتماعية والأدبية، ولم يكن أقطاب الأدب فحسب من رواد مجتمع مي، إنما كان من رواد مجتمعها كذلك أقطاب العلم والفلسفة ونذكر منهم الدكتور الجراح علي ابراهيم، والدكتور محجوب ثابت، والدكتور شبلي شميل صاحب البحوث المستفيضة في النشوء والارتقاء وكثيرا ماكان يخفف الشيخ عبدالعزيز البشري روح الإجتماع بنكتة طريفة، أو نادرة عذبة، وكان ينتقد تقاليد المجتمع ونظم الزواج والخاطبة، وتحضير الجهاز، ومواكب الأثاث على «عربات الكارو» فيثير في الاجتماع الفكاهة والسخرية ويخرج أحد الكتاب لينشر في الصباح مقالا شديد اللهجة ينتقد فيه هذه النظم السقيمة في الزواج.

ألوان جديدة

وكان أستاذ الجيل حينذاك لطفي السيد يحضر اجتماعات مي في صالونها الأدبي المشهور ونصحها ذات مرة أن تقرأ القرأن الكريم لتستوعب مافيه من الحكمة والجمال والجلال فلم. تجد مي غضاضة في قبول نصيحته وعكفت على قراءة القرآن قراءة الباحث المتمعن، وتعترف مي بأنها منذ ذلك الوقت وضعت يديها على آلوان جديدة من البيان العربي لم تتح لها قبل هذه التلاوة. وساعدتها هذه الألوان على تطعيم كتاباتها بغذاء نافع مفيد.

ولم تكن مي زيادة تحب أن تكون ملكا لرجل واحد، تكرس له حياتها، إنما أرادت أن تكون كشمعة العباس بن الأحنف تضئ للناس، ولاتحفل بنفسها حتى تذوي وتذوب، وتركت من ورائها صرعى كثيرين من الأدباء والشعراء تدلهوا بحبها وبثوا إليها مشاعرهم وأحاسيسهم، ونذكر منهم يعقوب صروف وأنطوان الجميل، وجبران خليل جبران، وصدر في بيروت كتاب يتضمن الرسائل بين جبران ومي، كما نشر الأستاذ أنور الجندي بحثا عن غرام الأدباء وحياتهم الخاصة، وتبعه الأستاذ عباس خضر ببحث آخر، وتعرضا في كتابيهما لحياة مي زيادة، الخاصة، وكتب أنطوان الجميل إلى مي يقول:

«يلذ لي يامي أن أخاطبك باسمك مجردا من الوصف واللقب. لأن كل وصف قليل إذا ما قيس لصفاتك، وكل لقب ضئيل إذا ما اقترن باسمك، الساعة الآن متأخرة من الليل، ولايسعني إلا الانتقال بالفكر إلى تلك الشرفة الشاهقة ذات الفضل العميم على في مثل هذه الساعة، فأقف طويلا عن الكتابة ضائعا في بحار الذكريات بل إن الكلمات تعصاني فأبحث عنها فلا أجدها..».

وكتم أنطوان الجميل حبه بين جوانح صدره، وإن كان يبدو في محضرها زائغ الفكر متقلب النظرات، مشتت البال، ويظهر أنه انصراف عن الزواج لفشله في إرضائها. ولم يشتعل قلب أديب من الأدباء بحب مي كما اشتعل قلب مصطفى صادق الرافعي، وكتب إليها مجموعة كبيرة من رسائله وردت عليه ذات مرة بقولها:

«سأدعوك أبي وأمي متهيبة فيك سطوة الكبيرة وتأثير الآمر.. وسأدعوك قومي وعشيرتي.. أنا التي أعلم أن هؤلاء، ليسوا دواما محبين، وسأدعوك أخي وصديقي أنا التي لا أخ لي ولاصديق، وسأطلعك على ضعفي وأحتياجي إلى المعونة، أنا التي تتخيل فيك قوة الأبطال ومناعة الصناديد..».

وكان بين الرافعي وبينها حريق من الحب على حد تعبيره.. وكان وجهها هو الابتسام وروح الابتسام، وفكرها هو العقل وروح العقل، وجسمها هو الإغراء وروح الإغراء، وهو الفتنة وروح الفتنة وهي بهذا كله الحب وروح الحب وكانت وجوههما تتلاقى من نظرة تصافح نظرة، وابتسامة تعانق ابتسامة وقلب يضم قلبا.

وهكذا أرسل الرافعي الدموع لمي كما سكب غيره الدموع لها.. ولكنها كانت لا تؤمن بالقيد الحديدي للرجل... ورفضت أن تتزوج الرافعي عندما طلب الزواج منها .. وتركت قلبه يتحطم .. وروحه تتناثر كالنسيم في يد الرياح...

كما كتب إليها أحمد لطفي السيد من قريته يقول:

«ما أسعد حظ الشعراء، ما زال طيفك يسري معي وكلانا تغمرة أشعة القمر الباهتة، ويظرفه السكون الشامل حتى وصلت البيت، وكأن الطريق قد انطوى تحتى فلم أحس طوله، والوقت قصر فلم أشعر بإجزائه، بل ندمت على أنى اتبعت الطريق المستقيم وكان أولى أن أقطع المسافة خطا منكسرا يطول به وقت الائتناس بك.

أشكرك وأرجوك ألا تظني أن طيفك الرقيق الحاشية، الجرئ القلب الذي ينزل على ليسايرني وسط الخلاء المخيف في الليل، لاتظني أنه يغني غناء قلمك فتتباطئين في رد كتابي كما عودتني بعض الأحيان، فإن فعلت، فما أنا ممن يسكت على هضمه حقه، وأنا أعرف كيف أخذ حقي وزيادة..».

وإن انطوت أسرار مي زيادة بموتها في القاهرة 11 تشرين الأول (اكتوبر) 1941 فإن بعضا من تلك الأسرار انطوى أيضا برحيل بهيج تقي الدين سليل العائلة الأدبية الشهيرة، وقد يكون من المجدي البحث عن ملف مي زيادة ضمن الملفات التي تركها الوزير عسى ملفها يحوي بعض الوقائع أو المستندات التي تلقى ضوءا على قضية مي زيادة.

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة