ليس غريباً ان تزدهر الخطابة في صدر الإسلام حيث عوامل ازدهارها موفورة.. فالمعروف عن العرب انهم يتميزون بالقدرة على الارتجال والبيان ولهم حظ عظيم من البديهة المسعفة والفصاحة المتوارثة والقول البليغ يجيدون القول إذا تكلموا ويقدرون على الايجاز وعلى الاطناب إذا خطبوا.
ومع نزول القرآن ازدادت الخطابة والكتابة علاءً وشرفاً تمتاز خطابة صدر الإسلام بالعناية بإعدادها والتأني في صوغها، والتدبر في ترتيب اجزائها وتنسيق أفكارها والتأنق في أسلوبها..
لقد تحدث عمر بن الخطاب عن يوم السقيفة بقوله: «كنت قد زوَّرت كلاماً لأقوله، فقال لي أبوبكر: على رسلك وتكلم هو فلم يترك شيئاً مما كنت أريد أن أقوله وكان يشعر عمر بأن لخطبة النكاح بخاصة مشقة بقوله:
ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح.
وروي أن عثمان بن عفان صعد المنبر فارتج عليه فقال: ان أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى خطيب وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون إن شاء الله.
وكان الخطيب يبدأ خطبته بحمد الله والثناء عليه وتعظيمه ثم يصلي على النبي وآله.
وقد بلغ الحرص على البدء بالحمد والثناء أن احدى خطب زياد لما خلت منه سميت بتراء.
ولم يكن هناك ما يمنع المحكوم من أن يرد على الحاكم.. والتاريخ يذكر لنا تلك الحكاية مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي خطب الناس يوماً فاستنكر التغالي في المهور وعزم ان يجعل لها حداً، فصاحت امرأة في آخر المسجد قائلة: ليس لك ذلك يا عمر، والله تعالى يقول: {وآتيتم احداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً}.
فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر.