
.. إن الهموم الغنائية التي من الممكن أن تستأثر ملحناً من الخليج في نهاية السبعينات الميلادية من القرن الماضي تابع خلالها كل الجهود المؤسساتية وغيرها، سواء في النتاج الغنائي الذي خرج من الخليج أو من المراكز العربية الأخرى: بغداد، بيروت والقاهرة، فلابد أن يأخذ في اعتباره خزينة التراث الغنائي، المحفوظ والمدون الآن، ويضاف إلى ذلك النتاج المعاصر، لكن لكل منطقة إشكالياتها الفنية التي تغذي تلك الهموم الغنائية عند الأجيال المتعاقبة التي تنطبع فيها سواء في موسيقى ملحن أو أداء مغن أو كتابة شعر غناء أو طريقة عزف إلى ما يتبع ذلك في الفنون الجماعية كالأغنية.
.. إن هذه المواهب الجديدة في نتاجها الأول أو المكرس فيما بعد لا بد أن تمس التراث الغنائي، للمثقافة بالسماع والتعلم والتدريب بالغناء أو التلحين، فلابد أن تجعل مثل هذه الحالة أي موهبة على المحك، كي تثبت جدارتها بين جدار التقليد أو فسحة الإبداع أما حالة اللاهوية تلك التي سيضيع فيها بعض آخرون، تكشف عن مأزق الموهبة وطريقة قراءتها أو علاقتها بتراثها الغنائي، فالذي يعرف من أي شيء يخرج يرحم نفسه على عكس من لا يعرف مدعياً أن طريق الوصول مدركة مسبقاً، فتنتفي حينها المغامرة والتقليد عن إضاءة التجربة.
.. إن الذي توقف عنده خالد الشيخ، كأحد متمكني الإبداع من الملحنين - المغنين منذ بداية الثمانينات الميلادية الذي نجح بصوته كما بأصوات غيره، ما أعطى تجربته اللحنية على اتساع فضاء الانتشار في البداية ثم التكريس الذي كشف عن ورشة عمل جاهدة لتتخطى الماضي نحو كثير من المغامرة التي تدهش نتاجاتها صاحبها قبل متلقيها، فأبرزها ما شغله عندما عمل في فن الصوت هو تعدد أشكال النصوص الشعرية في وصلة فن الصوت في التحريرة (زهيري) في الصوت سواء كان العربي (عمودي فصيح). أما توشيحته (شعر عامي ثلاثي الأشطر) أو الشامي (من الشعر الحميني). أما توشيحته (بيتان من شعر عمودي فصيح). جعله يدرك أنه أمام وصلة كاملة متعددة القوالب (الفورمات الموسيقية) لا قالباً واحداً، عندما وضع أمامه - أو ربما حضرت في ذهنه - تلك النصوص المتعددة تهيئة لأجل تلحين أغنية من فن الصوت قبض على تجربتي باقر والديكان، في حيرة الأول من أمر التوشيحة، والثاني في تحريره للإيقاع الذي سيجعله محط اهتمامه لاحقاً.
.. أخذ نص الزهيري من علي الشرقاوي: «جروح قلبي وتر - 1985»، ولحنه صوتاً بدل أن يختار نصاً شعرياً عمودياً أو من الشعر الحميني (20)، ثم كيف سينقذ حيرة أحمد باقر، بأمر التوشيحة؟.
.. كتب علي الشرقاوي، توشيحة من بحر البسيط لتكون توشيحة، لهذا اللحن حيث نسق خالد لغماً موسيقياً عندما دفع بفكرة أحمد باقر الذي نصف غناء توشيحة صوت: «يا دمعتي» بين علية والكورْس بدأت اللحن مشطراً في سؤال وجواب، إلى منطقة حرجة لوجود التوشيحة الطارئ في قالب فن الصوت، فجاء بلحن التوشيحة المأثور - لن أقول الكلاسيكي - مسلماً إياه إلى الكورْس فيما نسج على ذات المقام لحناً آخر يبدأ به (سأرتب الأشطر بحسب الدور بين خالد والكورْس):
«خالد: تعبَ المدى حُزْناً وما تعبَتْ قوافلنا/
الكورْس: تمشي كأنَّ الرُّوْحَ بالأفْرَاح تنسكبُ.
خالد: الملْحُ في الماء ونحْنُ البَحْرُ أجْمَعه/
الكورْس: إنْ جَفَّت القَطَراتُ مَاءً جَفَّت بنا السُّحُب».
.. لم يكتف بذلك بل أكمل لغمه الموسيقي في لجم فكرة التقاسيم من العود، على أنه عازف عود مقتدر وبارع معاً، فأعاد مطلع الأغنية من مذهبها محولاً إياها مرجعاً (أو لازمة غنائية كررها بين مقطع وآخر).
.. لن يكترث خالد الشيخ بالمحاولة البسيطة أو الساذجة التي جعلت من أحمد الجميري مواطنه يلحقه بأن سجل صوت: «عَزيزُ أسى - 1986» شعر: المتنبي، لحن: محمد بن فارس عائداً بنا إلى زمن سعود الراشد في الستينات يوم سجَّل بعض أعمال عبدالله الفرج. فخالد كان يفكر موسيقياً ليس بمعالجة النص الشعري ودوره في الأغنية كما يعالج الإيقاع الموسيقي في وفائه الغنائي إلى اللحن (أو اللَّحْن الموقَّع)، فهو أخذ نصاً رثائياً كتبه مالك بن الريب عن نفسه ولحَّنه على قالب إيقاع الصوت العربي في قصيدة اتخذت قالب المناجاة تعتمد السرد الموسيقي: «ولا تنسيا - 1988» (النظائر - الكويت)، فهو قسَّم القصيدة المكونة من أربعة عشر بيتاً إلى خمسة أقسام: الأول (المذهب) بيتان، الثاني (الغصن الأول) ثلاثة أبيات، الثالث (الغصن الثاني) بيتان، الرابع (الغصن الثالث) ثلاثة أبيات، الخامس (الغصن الأخير) أربعة أبيات. إذا أردنا تعليل تلك السردية الغنائية التي أبتنيت عليها موسيقى اللحن واللحن نفسه هي مفتاح النص الشعري الذي أعده خالد الشيخ حين يستفتح بإحدى أدوات القص الشهيرة العربية، وهي (لمَّا) ظرف زمان في أحد استخداماتها المتعددة كما تفجؤنا في مذهب القصيدة:
«ولمّا تراءتْ عندَ مرْوَمنيتي وحَلَّ بها سُقْمي وحَانَتْ وَفَاتيا
أقوْلُ لأصْحابي: أرْفَعُوني، فإنني يَقَرُّ بعيني أنْ سُهَيْلٌ بدا ليا»
.. يتلو هذا المذهب الغصن الأول الذي سيتكون من ثلاثة أبيات شعرية بلحن آخر:
«ويا صاحَبيْ رَحْلي دنا المَوْتُ، فانزلا برابية إني مُقيمٌ لياليا
خذاني فجُرَّاني ببُرْدي إليكما، فقد كُنْتُ قبْلَ اليوم صَعْباً قياديا
ولا تحْسُدَاني بارك الله فيكما، من الأرض ذات العَرْض أنْ تُوْسعَا ليا».
.. أما فيما سيتلو من المقاطع سوف يكرر لحن المذهب في الغصن الثالث المكون من بيتين، ولحن الغصن الأول (المقطع الثاني) في الغصن الرابع، وسيكرر بشكل ثنائي لحن المذهب والغصن الثالث في الغصن الخامس المكون من أربعة أبيات سوف يثنيهما باللحن، وهذه الخاصية ممكنة في لحن المناجاة مقيدة، لكن خالد الشيخ يتبع ذلك محاولاً السيطرة على سردية الرثاء الشعرية ومناخ الوقار المستمد من إيقاع فن الصوت لوقاره وجلاله، فكأنما المناخ جنائزي أدعى إلى دمج تلك العناصر حين تخلَّل حالات الدورة (أو التصعيد التصويري) تلوين الأداء من مقام: الحجاز، دعماً لذلك التضرع والتوسل الإلهي الذي كان أثره واضحاً في مطالع الأشطر التالية التي في الغصن الأول (المقطع الثاني)، والغصن الخامس (المقطع الأخير) البيت الثاني من كل بيتين فيه:
1 - «غداة غَد يا لهْفَ نفسي..».
2 - «وبالرَّمْل مني نسْوَةٌ لو شَهدْنَني..».
3 - «وَمَا كَانَ عَهْدُ الرَّمْل وأهْله..».
.. كان اللحن يستطلع شعوراً حاداً من الوجع في تعبير تمثل عبر فريق الكمنجات عن حالة نياحة والناي يحمل طابع الفقد. كأن خالداً لم يعد يواجه مشكلة صيغة التوشيحة بوجودها من عدمها أو مفهوم وصلة فن الصوت بضغط الذاكرة الشفوية. إذ أن خالداً يكشف لنا عن مقدرة ملفتة في نقل طقسية فن الصوت من حال المطرب الموجه نحو استحثاث الحسية انفلاتاً ودروشة جماعية في صيغة احتفائية إلى حال التعبير نحو تعميق الشعور العاطفي في تأمل ذات التصوير تمثلاً ذا تجاوب داخلي لا ينفلت ولا يتفوَّض، فما أنجزه خالد دفعة موفقة عبر اتجاهين الأول منهما هو تأكيد جذور هذا القالب الغناسيقي وعلاقته بالقصيدة العربية الفصحى، والثاني نقلته من حال الطرب الغرائزي إلى التعبير الدرامي.
.. ما كان لخالد الشيخ أن يقف عند هذا فهو يتجاوب لنزعة الشمولية الموسيقية لديه حين يقدَّم شريطاً يختبر قدراته اللحنية في الأنماط الإيقاعية البسيطة (كالعاشوري والقادري) عبر شريط «عطش النخيل - 1990» (أشعار: علي عبدالله خليفة) حيث قدم صوت: «أصحابنا»، لكنه بات واثقاً من خلال شعرية فن الزهيري في وعظيته موضوعاً ليست بحاجة لنص توشيحة، فقد استقدم الصيغة اللحنية لقالب التوشيحة ودفعها تواجه مصيرها مع تقاسيم كمنجة لا قانون أو عود ساخراً منها عندما قال لعازف الكمان: «هاه يا بو فهد عاشت روحك» مقلداً عبارات كانت تُقال للإيقاعيين في تسجيلات الصوت القديمة حيث لم يكُنْ يعترف بالعازفين ربما لم يكونوا موجودين حينها.
حُلم «أجراس» خاطف..
.. في التسعينات الميلادية من القرن الماضي عندما وصلت تجربة الأغنية في الخليج حالات قصوى عبر وجود جيل جديد (هو جيل نهاية السبعينات ومطالع الثمانينات) من المغنين كعبدالله الرويشد، نبيل شعيل، نوال وعبدالمجيد عبدالله سوف يقترح أعماله وفق معطيات صوته، واقعاً في صراع بين تطلعات صُنّاع الأغنية: شعراء وملحنين كذلك موزعين موسيقيين أو المدرسة الخامسة كما فات يوسف دوخي أن يرصدها (21)، إلى تأملات المنتجين في استعادة مصروفات التسجيل والطباعة، عبر التسويق التجاري، فإن فرقة من البحرين تدعى: «أجراس» اتخذت خطاً غنائياً مفارقاً، يتوسل ديموقراطية غنائية في صلب فريق جماعي تورط قليلاً على هامش الأدلجة الغنائية التي حفلت بها هوامش المراكز الغنائية في مصر بعد هزيمة 1967 مع فوزان الشيخ إمام واجتياح بيروت 1982 حيث تجاوب زياد رحباني، خالد الهبر ومرسيل خليفة، فقد كانت البداية عند «أجراس» عبر ملحنيها البارزين كخليفة زيمان ومحمد باقر وحناجرها كفوزي الشاعر وسلوى (وأخواتها: مريم وشريفة) كذلك المكانة الكبيرة لصوت السيدة هدى عبدالله، كانت تمر بأقصِى مراحل عَجْز استمرارها حيث إن فقد الدافع أو القضية كذلك المفاهيم الفنية المتضاربة في وسط أبقتها نموذجاً محتملاً في خليج الأغاني، لكن لا أعتقد أن ذلك يسلِّم التجربة الغنائية أو الموسيقية إلى النسيان، حيث إن ألحان خليفة زيمان وصوت هدِى عبدالله تجربة واعدة تنتظر إنجازاتها حتى الآن التي لم تثمر سوى أغنيات في أشرطة: «أجراس» للفرقة نفسها وأشرطة خاصة بهدى عبدالله، وسلمان زيمان.
.. ربما كان عمل خليفة زيمان ملحناً وصوت هدى عبدالله أقرب إلى التجربة الغنائية المدنية التي تريد أن تقدم اقتراحها صوب العالم العربي مروراً إلى العالم الإنساني مطلقاً، في الغناء الحداثي النسائي كامتداد للمدرسة الغناسيقية التي اختطاها باللحن محمد القصبجي وبالصوت أسمهان، وتبع ذلك محمد عبدالوهاب وليلى مراد، عاصي الرحباني وفيروز، ماجدة الرومي وملحنيها، جوليا بطرس وزياد بطرس.
.. إن ما قدمه خليفة في بعض أغنيات لهدى معتمداً بالدرجة على بعض الإيقاعات الموروثة على ألحان مبتكرة خارج مقاييس الموروث والكلاسيكي، فمن الأندلس في غناء الموشحات وضَّبَ في توزيعه إيقاع: الدارج، لقصيدة محمود درويش: «عندما يسقط القمر» لحن: جابر عبدالله ونوعي إيقاع القادري بحرية ورفاعية بين قصيدة: «أينما كنت خذيني» شعر: إبراهيم بوهندي، و«صابري»: شعر: أحمد الشملان (22)، إنما اقترح محمد باقر أن يعالج لحن التوشيحة ذاته بأن يجعله لحن صوت كامل في قطعة شعرية، من شعر التفعيلة لإبراهيم هندي، سُمِّيَتْ: «حالمٌ - 1993» (النظائر - الكويت) غناها فوزي الشاعر، بدأ الكورْس في الأغنية سيدها سواء في بدء الغناء أو حتى خصه بمقاطع دون المغني المنفرد كما سأرتب الأدوار الغنائية في عرض النص كاملاً:
«الكورْس:
حالمٌ والقمَرُ الناعسُ يدنو يشْعلُ الدَّرْبَ ويرميني..
فوزي:
أمضي إلى الغَرْس الذي يعدُ بالأفْرَاح منْ حيْن إلى حيْن..
(موسيقى + صفقات)
فوزي:
أخْطُو وَحيْدَاً ترْكُضُ الدُّنْيَا وعَيْناك تناديني..
يمتد خطوي نحوك أحْملُ عُمْري وَرْدَة لصَدْرك
تَرْتعشُ الشَّفَاهُ ثمَّ نخْتفي يَحْتَجبُ القَمَر..
وتُرْسلُ السَّمَاء منْ عَطَائه..
الكورْس:
تَرْتَعشُ الشِّفَاهُ وتَخْتَفي ويَرْقُصُ المَطَر..».
.. إنها أغنية ذات تحد وفريدة أيضاً توحي أن ثمار الأجيال تتراسل بين بعضها هدماً وبناءً كأنما هذه العناصر لعبة تتفكَّك فيعاد تركيبها وفق هندسة اللاعب والملعوب عليه!.
---------------
20 - كان خالد الشيخ في تلك الفترة يواجه هجوماً من بعض مأزومي الهوية، أعضاء الحزب اليمني في الصحافة السعودية (المنطقة الغربية)، حين إعادته تلحين بعض نصوص الشعر الحميني كذلك الأزجال الأندلسية، فتوهَّمُوها ذات الأغنيات القديمة التي أفلت في ذاكرتهم.
21 - إن الجيل الذي توقف عنده هو جيل الأسطوانة والإذاعة في منتصف القرن العشرين الأول، وأسماه: المدرسة الرابعة من سعود الراشد، يوسف دوخي وأحمد الزنجباري. الأغاني - دوخي، مرجع سابق، ص 389 - 394. وترك لنا المدرسة الخامسة التي سيتحول أفرادها إلى الكاسيت والتلفزيون كيوسف المهنا، غنام الديكان، خالد الزايد ومرزوق المرزوق ثم لدينا المدرسة السادسة في الجيل الذي سيتحوَّل أفراده إلى الأسطوانة والفضائيات كراشد الخضر، عبدالله الرميثان، سليمان الملا في الكويت. أما في البحرين خالد الشيخ، خليفة زيمان وعارف الزياني.
22 - نتناول هذه الأعمال في الفصل الرابع، وهو المتمم للكتاب المزمع إصداره قريباً.