الرئيسية > أدب الجمعة

قصة قصيرة

أحداث حلم غريب


شموع الزويهري

نحن لا نختار طريقنا ولا كيف نرسم خطانا.. ولكنها أقدار توزع علينا بقدرولكل منا كويكب خاص نجد أنفسنا به رغماً عنا فاللهم لا اعتراض.كممت فوهة القلم واستقر بجانب صفحة الحياة ليستعرض أيامها بل ولياليها بجانب من قدر لها أن يكون عالمها الذي لا تستطيع الخلاص منه..

فها هي تسترجع شريط ذكرياتها..

فتاة في مقتبل العمر تتخطى سنوات نجاحها بعفوية تامة وبشخصية مسالمة طيبة لا يشوب طيبتها نفاق الحياة أو غرورها لفت الدنيا بجانب والد لها اختار طريق الأسفار نقطة لكسبه فدارت وكأنها بحلقة مفرغة حول كثير من ثقافات العالم ولم تكتسب منها سوى لغة ربما ساعدتها على الخوض في غمار الحياة لتختتم علمها بشهادة جامعية وبتخصص كثيراً ما يلاغي أو جاع القلوب فنجحت به وهي لا تعلم بأنها تسير نحو هاوية كثيراً ما حاولت الخروج منها..

أفاقت «فلوة» ذات يوم على رحيل الوالد وارتباطها بشخص كثيراً ما تردد عليها حتى وافقت وهي تقول بقرارة نفسها ربما أنه طريق سعادتي ونصيبي في هذه الحياة ولكن.. انكشف القناع واتضح لها ما هو فيه من ظلم لنفسه ولها حيث اصطدمت به ذات ليلة وفي أول شهر لها معه بقسمات يتخبطها الذهول وعينان تكاد تغيب وقد اصطبغت بلون الحمرة..

بكت وهي ترجوه بأن يفيق.. بأن يقلع فالحياة لا تتسع لوجودها بجانبه مع هذا الداء اللعين.

ولكن تطورت الأمور إلى ماهو أكبر من ذلك حيث الإصرار.. والتصميم على الانتقام منها ومن نفسه وكأنه قد فقد جانب الحق في ذاته المتلاطمة!!

قلبت صفحات الحياة في مخيلتها وهي تتأمل حالها فلاح في ذاكرتها رحلة السفر تلك وملبورن.. ومحطة القطارات وهي تنتظره لقطع التذاكر الذي استغرق الساعات الطوال.. راعها ما مرت به وهي تشحذ الأمل من وجوه العابرين من أمامها لعل من بينهم من يسمع لصدى جراحها ولكن..

كان كل من حولها يفتقد للغة السمع، كان كل المارين من أمامها لايفهمون تعابير الخوف التي ارتسمت عبر عينيها الغريقة فليس بينهم من يحمل هويتها ولغتها..

ورجاءها..

أراعتها تلك الساعات التي أخذت من عمرها دهراً كاملاً قبل أن يظهر في حيزها من جديد بعد عشر ساعات من الانتظار المر..!!

كأن في تلك الحالة المريضة عندما وقعت عيناها عليه وفي نفسها ألم.. صرخات مكبوته تحاول الخروج.. الانفلات نحو الخارج... عبر المجهول... وليكن ما يكن..

عادا إلى الوطن.. تشبثت به بكل أوصالها.. لمست البعد الشاسع بين رحلتها مع أبيها ومعه.. أقسمت بألا تفعلها معه مرة أخرى وصممت على الانفصال..

ولكن..

كان متهورا... عنيدا... قاسيا... وكأن خطوط الخطأ والشر قد كبرت معه لتشكل قسمات وجهه الصارم..

وشيء آخر.. وقف أمامها ليقول لها لا توقفي ففي أحشائك طفل يبكي.. عمراً يستنجد!! وكانت هي حين وضعتها طفلة بريئة..

حزمت أمتعتها الجميلة الماضية في متاهات الزمن الغادي وصممت على الكفاح!! وكان ذات يوم حين أتاها يطلب الولد فأشارت له بأن يبحث عن حياة أخرى عله ينسل من حياتها!!

وصار ما تمنت وكأن بعضا من الاستقرار بدأ يغزو حياتها يجانب طفلتها الجميلة.. حتى كان فجر ذلك اليوم 21 من شهر ذو القعدة.. كانت تتقلب بين أحداث حلم غريب يسكن أهدابها.. تسلسله فظيع.. وله مواقف كثيرة.. ثقيلة في كل لحظة تشعر بأن هناك من يتسلق فوق أجفانها وينسل.. يتدحرج عبر مقلتيها ليسكن صدرها ويتغلغل قلبها الخائف فيرضع الأمان وينام في نعيم..

لم تكن تلك القطرة غير طفل بائس حذفت به الأقدار في منتصف الطريق بلا هوية..

فبكى وكان لبكائه صدى في عالم ذاتها المتلاطم...

حتى كان ذلك الخميس عندما سمعت طرقات قوية على الباب فقامت على وجل تتلبسها حالات فزع تتخبطها الهواجس من جميع الجهات وتلعب الظنون برأسها الساخن وفتحت الباب كان هو... كان هو...

ليس لوحده بالطبع فبين يديه طفل باك لم تتعد أيامه الستين يوماِ ألقى به بين ذراعيها وقال هذا ولدك فليس لديه أم وهرب؟؟؟

كان لبكاء الطفل في أعماقها حيرة أخرى وجرح آخر لا يستطيع تلمسه أي شخص كان..

بصوته استجداء.. خوف.. وأشياء أخرى!!

ضمته على صدرها فسكنت نظراته قليلاً وهدأت أنفاسه الثائرة وتوقف دمعه فنام وهو يرضع إحدى أنامله خوف الفقد..

حارت.. ومع طفلتها دارت المنزل وهي تريد تفسيراً لكل ذلك ولكن الطفل عاد يبكي .. عاد يطلب اللبن وهذه سنة الحياة..

حملته بعدما مضت الساعة تلو الاخرى وهو لم يحضر وتوجهت الى اقرب مستوصف ليصف له الحليب وهي لا تعلم بأنه منذ هذا اليوم سيلتصق بقلبها..

بوجدانها وهو ابن لها وهي ليست أمه..

كانت تضطجع على يمينها وتحتويه بجسدها حتى لا يخاف.. حتى لا يبرد ويغزو الجفاف أشهر عمره الصغيرة.. فكان يرضع الحب.. والحنان والطمأنينة برائحتها الزكية فيطبق أجفانه بنعيم..

مضت الأيام وكبر الطفل وصار يحمل عامين من الحنان..

صار لها طفلا وطفلة، وكل واحد منهما يطلب الرعاية والحنان..

قلبت صفحات الألم..

قرأت تعابير الخوف التي تلبستها حين أصر على السفر.. حين قادها وحملها إلى المركبة وهو في حالة من الذهول.. فقدان الذات والبصيرة..

ركبت مرغمة يتخبطها الخوف من بطشه..

سار وسار وتهادت المركبة يميناً وشمالاً حتى دخلت جانب الصحراء لترتطم بمقهى بائس يكتظ بأصناف... بنوعيات غير آمنة من البشر..

دخل إحدى الغرف.. تبعته بذهول.. تحتضن طفلا وتمسك بيد طفلة.. هوى على إحدى الأسرة وراح في سبات عميق كأنه الموت الأبدي..

تذكرت كيف كانت تقفل باب الغرفة المهترئ وتردمه بما وجد من أثاث متهالك..

تترقب في فزع.. تخيفها أي حركة.. يتلف أعصابها أي صوت بالخارج..

لم تنم حتى انشق ثغر الصباح وأفاق يتمطى.. يتثاءب بكسل... وهو يستعجب وصوله إلى هنا.. أشار عليها أن تركب.. أن تلم أشياءها..

بل حتى أوجاعها بصمت...

تابعاً السير حتى وصلت وهي تدعو اللّه بأن يكون هذا آخر المطاف في رحلته معها..

ولكن..

هناك.. هناك في حجرات القلب عضلتان لا تستطيع إهمالهما فيتوقف نبضها..

هما سلوتاها.. تلك الطفولات التي تشبعت أعماقها بوجودهما..

أصناف من العذاب.. أيام من القهر..

كالقطعة البالية يقتحم حياتها حتى بعد وصولها بر الأمان.. حتى وإن كان لهيب الهم يأكل أحشاءها..

ستحمل عناءهما كشجرة وارفة.. ستجنو عليهما.. مثمرة خضراء تمنع لهيب الشمس أن تسقط على رؤوسهم الصغيرة.. وترسم أجمل لوحة من التضحية.. الحب.. وتثبت لكل من تشبعت نفسه بالجفاء والقسوة بأن هناك قلوبا تتنفس الحب..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة