الخميس 16 صفر 1427هـ - 16 مارس 2006م - العدد 13779

فيلسوف الحرية

    نحت محاضرة(الرجولة عماد الخلق الفاضل) نحو الحفر المعرفي المفهومي في طبيعة ما يعتقد الناس بحسب ظاهره أنه فضيلة وأن نقيضه رذيلة. وراحت تقلب التصورات وتزحزح ما كان مسلَّمًا به أنه يقع في محيط الفضائل إلى منطقة أخرى.

عرض حمزة شحاتة الفضائل(ومثلها الرذائل) واحدةً بعد أخرى على مقياس الاختيار والضرورة، فما كان منها لا يثبت في حال الاختيار والطواعية والإيمان النابع من الذات لا بتأثير أجنبي خَرَجَ من الدائرة. ابتدأ الحديثَ عن مسعى الإنسان الأول، وكيف أنه في ذلك الطور ومن أجل تحقيق مطالب حياته «المملوءة بالمخاطر عرف الصبر والثبات والشجاعة وطائفة من هذه المحاسن المتصلة بضرورات عيشه. نحن ندعوها محاسن أو فضائل، وهو يراها ضرورات تتصل بحياته يأتيها طائعًا أو مكرهًا؛ لأنه يريد أن يعيش. وفي هذا الطور عرف الخوف واعتاد الفرار وأحس بالجبن وانعقال القوى. نحن ندعو هذه معايب أو رذائل، وهو يراها سبيل حياته وبقائه».(ص 39 -40). ويسير في فلسفة ظاهرتَي القوة والضعف في حياة الإنسان الأول وما يتصل بهما من خصال، ليصل إلى أن التجمع لمواجهة القوى اقتضى شيئًا اسمه «التعاطف» الذي نعده نحن فضيلة ومنشؤه في واقع الأمر الضعف والاحتماء، ولذلك هو من ضرورات الحياة. وكذا ما يسمى بفضيلة حب الوطن.(ينظر ص 40 - 41). وهكذا يصل إلى مقولة: «إن الفضائل أنانية مهذبة، والرذائل أنانية عارية. وإن الفضائل أدل على القوة وانطلاقها، والرذائل أدل على فتورها وضيقها».(ص 64).

تنقلب عنده في هذا السياق المفاهيمُ رأسًا على عقب. فتنقلب صفتا الشجاعة والجبن من حيث المفهوم في العمق إلى عكس المعنى الظاهر تمامًا. إذ «الشجاعة ليست خلقًا طبيعيًّا في الإنسان. فما يتصف بها الناس إلا اضطرارًا، أو فرارًا من عار، أو طمعًا في تحقيق غاية، أو منافسة لند، أو دفعًا لمسبة، أو خطأ في تقدير نتائج المخاطر. فبماذا من هذه الأسباب تستحق أن تدعى فضيلة؟ والجبن في منطق العقل السديد وليد الخوف. والخوف ليس منافاةً للعقل ولا للطبيعة الإنسانية. فهو أقوى غرائزِ الإنسان، وأداةُ شعوره بالأخطار وسبيل تجنبها».(ص 71). وكذا الكرم والبخل، ف«الكرم يعطي ليأخذ، والبخل اكتفاء. وما عاب الناسُ البخلَ إلا لما فيه من أثر الأنانيةِ الواضحة والاعتكاف في حدود الذات. ونحن نراه أنانيةً محدودة قانعة، ونرى الكرم أنانيةً واسعة جشعة».(ص 71). وبالمثل لا يُعَدُّ الحقدُ رذيلةً لأن النفس لا ينقصها أن تحقد على من أساء إليها. وبالمقابل لا يعد العفو القادر فضيلة؛ لأنه أبلغ الانتقام وأدهاه.(ص 73). والقناعةُ فضيلة الصابر المحروم. هي في الفقير تسليمٌ بالعجز وفي الغني دلالةُ الاستكفاء.(ص 74). والتواضعُ توكيدٌ للذات، في حين أن الكبرياءَ أنانيةٌ واضحة لا تعرف الدهاءَ والحذق.(ص 74 -75). والاعترافُ بالنقائص هدفُه الاتصافُ بالكمال.(ص 75). والعفَّةُ من مطالب الحياة الاكتفائيةِ الحريصةِ على أن تبقى لها ذخيرتها من النشاط والقوة. فضلا عن أنها قد تكون عجزًا وفتوراً حيوية.(ص 75). والكذبُ ضرورةٌ اجتماعية واقتصادية.(ص 76). والأمانةُ دليلُ سيطرةِ القُوى، وضرورةٌ لصيانة السمعة واستجلاب الثقة.(ص 77). فإذًا ليس أيٌّ من هذه الفضائل أو الرذائل «ما هو خليق بهذه التسمية. وإنما ندعوها محاسن ومعايب فردية يهبط بها العُرف أو يعلو على وِفاق المتصف بها من القوة والضعف، أو على نصيبها من الشيوع والخمول. وأساسُها الأنانيةُ والمصلحة».(ص 78).

وبعد أن يستبعد جميعَ هذه الصفات من أن تكون ضمن هذه الثنائية(ثنائية فضيلة ورذيلة) كما هي مستقرة في أذهان الناس يُبقي على فضيلة واحدة لا بد لكل صفة أخرى من الصفات أن تمتزج بها، وهي صفة الحياء. فالحياء «قوام الفضائل أو قوام جماعها».(ص 85). وإلا فليست من الفضائل في شيء. والسبب في ذلك هو أن الحياء ذاتي، أي: بين الإنسان وبين نفسه، وهو خياره الخاص غير المفروض عليه من الخارج. وهذا معناه أن الإنسان لا يكون متصفًا بشيء يستحق أن يوصف به إلا حين يكون مختارًا لهذه الصفة راضيًا بها لا يتحول عنها في كل شؤونه. فالكريم يكون كريمًا إذا كان دافعه إلى البذل الحياء، والعفيف عفيف إذا رده عن ارتكاب الجرم الحياء، وهكذا. «الحياء الذي جهلناه وأضعنا أثره... هو قانون الفطرة الإنسانية وقانون قوتها المطلقة. الحياء الذي هو القوة والرحمة والعدالة... هو الذي يبني الحياة الفاضلة».(ص 96).

الحياء الذي يجعل الفضيلةَ فضيلةً هو المقابل للاضطرار الذي ينفي عنها الفضلَ ويجعلها أنانيةً أو ضرورة حياة، فهو هنا مرادف للحرية والإرادة والاختيار. من هنا يمكن أن نزعم أن مبدأ الحرية هو المصفى الذي غربل به حمزة شحاته الفضائل. لكن لا بد من أن نسأل سؤالا هنا هو: ألسبب في هذا الأمر هو مجرد إيمان الرجل بالحرية والاختيار وبناء على ذلك فقط أقام موازين الفضائل والرذائل؟ أظن أن هذا ليس الأمر الوحيد في المسألة. بل يتجاوز الأمرُ ذلك إلى رؤية خاصة عند حمزة تتعلق باللغة ودلالاتها. ذلك لأننا نرى آثار هذه الفلسفة اللغوية في مواضع أخرى غير موضع الحديث عن الفضيلة والرذيلة. وهذا ما ستعرضه السطور القادمة.

بالتأمل في طريقة حمزة شحاته التي تلح على عرض الفضائل والرذائل على مقياس الحرية كما سلف في السطور السابقة نلحظ أنه في التحليل تنبه إلى إلباسات اللغة وتعمياتها في تسميتها للفضائل والرذائل، تلك الإلباسات والتعميات التي تضلل العقل وتصرفه عن رؤية الفرق بين ما هو ضروري وما هو اختياري منها. ولعل هذه الملحوظة هي التي تسوغ لنا أن نصف تأملاته ب«الفلسفية»؛ إذ الفلسفة في أبسط تعريفاتها كما يقول فتجنشتاين: «معركة ضد افتتان عقلنا باللغة».(فتجنشتين: بحوث فلسفية ص 106). وبعبارة أوليفيه ربول: «الفلسفة هي أولا السؤال عما نريد أن نقوله».(ربول: فلسفة التربية ص 9).

ولكي يحرر حمزة شحاته المفردةَ من إلباساتها، ويحرر العقولَ من استسلامها للإلباس اللغوي، مارس هو حريته أيضًا في التأويل، وحقه في أن يدير في المعنى الظاهر الشك، أو ما يسميه أيضًا ب«الوسواس». هذا مع ما في ذلك من المجازفة و«الخطورة في اعتراض عُرف متصلب» كما يقول. هي مجازفة وخطورة؛ لأن عدم الحرية الذي طالما اشتكى منه يجعلها كذلك. ويضيف:«ولكنا نرجو أن نصحح مقياسًا من مقاييسنا الفكرية ولو بالشك فيه. لأن الركود في تاريخ أمة تتطلع إلى ما وراء حدودها الجامدة شر من الخطأ. لهذا ستكون نظرتنا إلى الفضائل -على أن أساسها التجريد القاسي -نظرةَ من يريد أن ينطلق بها من حدودها الضيقة المتصلبة إلى حدود رحيبة من الشك والوسواس».(ص 24).

ولذا عُني بإعادة تعريف المفاهيم بصورة تبتعد -كثيرًا أو قليلا -عن الدلالة الظاهرة المتداولة، محرّرًا إياها من قيد الاستعمال الذي قد يكون سببًا لسوء التفاهم وحجب المعنى. ففي إطار الفضائل والرذائل التي سبق الحديث عنها نجده في مواضع من كتبه الأخرى يعيد فلسفتها بالطريقة نفسها بحيث تنقلب المفاهيم من الإيجاب إلى السلب وبالعكس أحيانًا، وأحيانًا أخرى يترادف ما يُظن أنه متضاد ويتضاد ما يُظن أنه مترادف، منبهًا على خطورة المغالطة والبلبلة اللغوية. يقول في إحدى شذرات رفات عقل: «التلاعب بالألفاظ قديم. وإلا فما هو الفرق بين الجشع والطموح، والتهور والشجاعة؟».(الرفات ص 86). و«كم كان الإنسان منافقًا عندما وضع للحب الشهواني أسماءً أخرى».(ص 42). و«البطولة هي الجريمة إذا كُتب لها النجاح».(ص 55). كما يعيد تعريف مفاهيم أخرى مألوفة قد يظن الناس أنها لألفتها لا تحتاج إلى تعريف، أو يعيد توصيف ما قد يُعتقد أنه ظاهر لا يحتاج إلى وصف. ف-«الحب والسعادة والحقيقة أقدم وأكبر وأخطر أوهام الإنسان».(ص 54). و«الحب والمال والزواج أقدم أسباب التعاسة في العالم».(ص 58). و«الغباء والتغابي حكمة وقدرة خارقة على ضبط النفس».(ص 58). وهكذا يسير في إعادة تعريف المعرفة والجهل، والحقيقة والواقع، والواقع والمنطق.. إلخ.

ينطلق شحاته في إعادة تعريف المفاهيم بعد هدم الظاهر المتداول منها من فلسفة لغوية خاصة تستند إلى عدم الوثوق باللغة وما تحيل عليه. إذ إنها في أكثر أحوالها تحول دون الفهم، وقد تتحول إلى أداة لسوء التفاهم أكثر من كونها وسيلة تفاهم. أو كما يقول هو بعبارته مؤكدًا هذه الصفة الملازمة للغة: «طالما سألت نفسي بحزن عميق: أفي وسع هذه اللغة التي نتخذها وسيلة لنقل أفكارنا أن تهيئ لنا جوًّا طبيعيًّا للتفاهم وتبادل الثقة والشعور؟».(رفات عقل ص 47). فإذًا حين أراد حمزة شحاته أنْ يبين أنَّ مفهومَ «الحرية» هو أساسُ الأخلاق وميزان الفضائل الإنسانية الذي توزن به رأى أن ما يحجب هذا التصوُّرَ -مع بساطته -هو اللغة التي تسمي الأشياءَ فتُعمي عن حقيقتها، وأن اللغة تحتاج إلى «تحريرها» من افتتان العقول بها مثلما تحتاج العقول أيضًا إلى «تحريرها» من عمى اللغة، فراح يمارس حريته هو في التأويل؛ ليتبين بعد ذلك مفهومُ الحرية بعيدًا عما تقوله اللغة وتكرّسه. وتتبينَ عندئذٍ منزلةُ الحريةِ الحقيقيةُ في الحياة. أفلا يستحق بعد هذا أن يوصف ب«فيلسوف الحرية»؟