الرئيسية > خزامى الصحارى

فيما وصفه رئيس نادي أبها الأدبي.. بتاريخ يمشي على الأرض

( ابن عشقه) تاريخ الماضي وحاضر اليوم لأكثر من (120) عاماً خلت من تاريخ شعر عسير



أبها - رصد وتصوير - أحمد السلمي:

( ابن عشقه) رمز من رموز الشعر الشعبي في منطقة عسير.. غنى للأرض، وأطرب الليل بمزمار الأشواق.. ملأ عرسات عسير بأشعاره الخصبة ونغمات صوته العذب.. عرفته جبال السراة وسهول تهامة غيمة ماطرة.. عاشت معه الليالي الملاح أهازيج الفرح والطرب وجمال العشق وشجون الحياة .. وتراقصت على كلماته إيقاعات السلم الموسيقي الشعبي للكثير من الألحان والأناشيد الجنوبية.. ذلك هو الشاعر (علي بن محمد بن شاهر عسيري) الملقب ب (ابن عشقه) من أبناء منطقة عسير المولود عام (1306) ه00 والذي يسكن في جبل الأشقر بسودة عسير.. هذا الرجل المئوي الذي تجاوز العشرين عاما بعد المائة.. حاصرته (الخزامى) صدفة من الزمن في سوق (الثلاثاء) إحدى أشهر أسواق أبها الشعبية حاملا معه أرث الماضي يبحث وسط ضجيج عالم الفضائيات والانترنت ونغمات الحياة المتسارعة عن من يستأنس بوجودهم ويفرح بحبهم له .. حاولت جاهدا أن أتودد له حتى أحظى بموافقته النادرة جدا على التحدث معه.. وشأت الظروف أن استعين بأحد كبار السن، الذي أجاد التعامل مع هذا المعمر ووفقنا وبعد محاولات شاقة على أن يصحبني لبره من الزمن في سيارتي خارج أسوار السوق العتيق.. عندها استطعت أن أمعن النظر في وجه هذا المئوي لاستحضار ردحا من السنين المفعمة بالزخم الثقافي الفني لمنطقة استقرار حضاري تراثي مثل عسير.. حيث يعتبر (ابن عشقه) علماً من أعلام الشعر الشعبي بمنطقة عسير، تتلمذ على شعره العديد من شعراء عسير البارزين .. ولازال حتى هذا الوقت يتمتع بحافظة قوية (خزامى الصحارى) استنطقت عددا من الأدباء والمثقفين بعسير لاستطلاع جزء من شخصية هذا الشاعر..

عسيري/ يندر أن تسمع إيقاعا عسيريا راقصا لا يكون مركبا على حنجرة قال (ابن عشقه )

بداية تحدث مدير جمعية الثقافة والفنون بأبها، الأستاذ، أحمد بن عبد الله عسيري، قائلا أن الشاعر الشعبي (علي بن عشقه) قد حفر اسمه على امتداد قرن كامل على أوراق العشب وأغصان العرعر، وسفوح جبال تهامة والسراة، فسكنت لهجتها القروية العذبة مساحات صوته وحديثه حين يتكلم.. مؤكدا أنه يندر أن تسمع إيقاعا عسيريا راقصا لا يكون مركبا على حنجرة (قال ابن عشقه) باعتباره السلم الموسيقي الذي (يوزنون) عليه ألحانهم وإنشادهم ودفء أغاريدهم.. وأصف شعر (ابن عشقه) بأنه شديد الخصوبة موصول النغمات يقطر حسا وعذوبة تمجد الأرض والإنسان والعشق الجبلي الأخضر..

ابن حميد (ابن عشقه) تاريخ يمشي على الأرض

رئيس النادي الأدبي بأبها، الأستاذ محمد بن عبد الله بن حميد، أكد ل (خزامى الصحارى أن الشاعر الشعبي (ابن عشقه) تاريخ يمشي على الأرض.. واصفا هذا الرجل بالحاضر الغائب في كل المناسبات والأفراح واستطرد يقول: على الرغم من تجاوز عمره المديد القرن من الزمن فلازال يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. مؤكدا ابن حميد أن شاعرية (ابن عشقه) جديرة بالاهتمام لأنه بقية من الرعيل الأول الذي عايش أجيالا عديدة من أهل المنطقة وعاصر أحداثها بكل ظروفها وجاب مرابعها في السروات وتهامة.. معتبرا ما قامت به جمعية الثقافة والفنون في أبها من رصد وتوثيق لشعر (ابن عشقه) وما سُجل له بصوته ما أمكن من الأشرطة جهدا طيبا وعملا كبير يُشكر عليه القائمون على الجمعية.

التيهاني: جمال بن عشقه حين يروي شفاهية

فيما أكد الأستاذ الأكاديمي بجامعة الملك خالد، والشاعر المعروف، أحمد عبد الله التيهاني ان أهم ميزة فنية تميز بها الشاعر (ابن عشقه) هي تلك المحسنات المتراكمة، التي كان أصحاب البديع يعدونه من أهم المحسنات اللفظية في الشاعر العربي، فضلا عن قدرة ابن عشقه على تحويل لغة الحياة إلى لغة شعرية مما جعله قريبا من نفوس جميع المتلقين على اختلاف أذواقهم ومستوياتهم الثقافية، يضاف إلى ذلك تلك القصص الأسطورية التي تحيط بحياة الرجل.. مشيرا التيهاني في سياق حديثه إلى القدرة الهائلة التي يمتلكها الشاعر (ابن عشقه) وهي المعايشة ونقل الذات الجمعية إلى لغة شعرية بسيطة ويمكن أن نضيف إلى قدرة (ابن عشقه) على مواكبة التحولات حرصه الشديد على تسويق فنه على الرغم من تجاوزه المائة عام فما زال يؤمن بأن سوقه ما زالت رائجة..

يحيى بن عشقه: والدي يتوكأ على الماضي ويمشي على بساط الحاضر ليتني أستطيع أن أعرف ما في خلجات هذا المئوي حتى أكتبه لكم، بهذه الكلمات تحدث ل (خزامى الصحارى) يحيى بن علي بن عشقه) عن والده الشاعر الشعبي الكبير (ابن عشقه) واستطرد يقول واصفا والده إنه رجل صامت لا ينطق إلا حبا للجميع قلبه أبيض رغم كل شيء، يستحي حياء القدامى ويعاصر الحاضر رغم أنف الظروف جميعا يبقى شامخا شموخ الجبال لا يمد يده ولا لسانه لاستعطاف أحد، أثقلت كاهله السنين حتى نحل وما زال يحتمل منذُ حوالي مائة وعشرين عاما والشمس تراه والأرض تحس به وهو يبذل جهده ليعطر كلماته، يبتسم دائما يتذكر جيله فتخجل ابتسامته، يعيش على قاعدة القدماء يتوكأ الماضي ويمشي على بساط الحاضر، يحن إلى الخلوة هروبا من ضجيج المجتمع الذي يجهله تماما لا يجيد استعمال الآلات لكنه يشاهدها لا يعرف معنى الفضائيات ولا الانترنت ولكنه يمر بجانبها، عصريا تتلاحق عليه نغمات الحياة برتمها السريع فيندهش يلاحقه المستقبل المجهول كل هذا وهو لا يزال يمشي حاملا مظلته التي قد تكون الوحيدة تنقلا في هذا الزمن.

بقي لنا في (خزامى الصحارى) أن نقول أن الشاعر المبدع (علي بن عشقه) قد أبحر شعرا في العديد من المجالات الاجتماعية ومنها منظومة النصح التي يقول في بعض أبياتها

قارون لم ينفعه كنز ولا أخوان أخزاه ربي هو وجيرانه

فقد خسف به وجنده حيث ماكان

والكبر ما أنجا عدو الله هامان

أوصيك يا ابن آدم بدينك والإحسان

لجل إن ربي يحاسب كل إنسان

حاذرك لا تلقى الاله وهو غضبان

وفي مجال الرسائل يقول (ابن عشقه):

أحضر في الحفلات لو جانا الرجال

ولا أجي متمركز قبل أن يقال

تراك معزوما متى جانا الوفود

أساعد الشعار شيب والعوال

لجل أن صغر الزرع ياجي بالكمال

كم رحت فالدنيا جنوبا والشمال

وأميز الأوقات حال بعد حال

وإلى انشرح قلبي فقل سعد السعود

فيما ابن عشقه في أكثر الألوان الطربية رواجا في عسير وهي (الدمه) ومن ذلك يقول:

بديت ذا بأمره امور الدين تنعمر

ذاهب السما والأرض واهب الشمس

وارسل محمد

من تابعه في الدين حفظ الله مذاهبه

الثانية فالشعر له معنى وله خبر

من ضيع الأفكار فيوقف وينتظر

مبدأ الفوايدي

واللعب والدمات ما تقضي مطالبه

سبحان ذا يرزق وللمظلوم ينتصر

وله نحج البيت ونصلي ونعتمر

والليل والغدي

وفي فن الخطوة الطربي قال ابن عشقه (حارس أم زين لو صلى صلاته كلها وأحسن أبها

والله مانا من منه فان هذا خاين غدار سواس حيله

وقال ابن عشقه، يقول أهل الهوى كنهم شمتوا بنا يوم شبنا كنت أراقب على الثلاب ما كنت اخليها من الوعد ليلة

كلمة أخيرة (ونحن إذ قدمنا سيرة بسيطة لحياة شاعر شعبي مثل (ابن عشقه) الذي تجاوز من العمر الآن (120) عاما.. فإننا نأمل من دوائر الاختصاص في رصد ثقافة تراثنا الشعبي الكبير أن تمعن الاهتمام بأمثال هؤلاء الشعراء الذين لا زالوا يعيشون بين ظهرانينا. وخاصة ممن يحتفظون إلا الآن بذاكرتهم الحفيظة.. باتجاه استنطاق ذلك الماضي البعيد في حياة أمتهم أمنيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا وما هو الحال عليه الآن في ظل حكومتنا الرشيدة .. واستخراج الحكم والعبر والدروس وتوظيفها في عالمنا المعاصر حفظا لحقوق هذا الرعيل المتميز في أمتنا العربية المسلمة.. ووفاء لإيصال تاريخ هذا الجيل إلى أبنائنا اليوم وجيل الغد المشرق بإذن الله من أبناء المملكة العربية السعودية.. فهل من مجيب؟..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة