كانت ناتاشا تظن أنها ظفرت بفارس أحلامها في أمريكا التي قدمت إليها من موسكو، فإذا بها تكتشف أنها ضحية كابوس رهيب جثم على صدرها فأفنت ست سنوات من عمرها في السعي الحثيث للتخلص منه!
وناتاشا هي امرأة روسية تعمل مدرسة موسيقى، وكانت هذه المرأة التي لا تتقن اللغة الإنجليزية قد اتفقت مع وكالة زواج (وكالة للبحث عن الزوجات عن طريق البريد) لمقابلة أمريكيين قدموا إلى بلادها بحثاً عن زوجات روسيات، وسرعان ما وقعت عيناها على أحد الرجال الذين وصلوا إلى موسكو بواسطة تلك الوكالة، وبرغم أن هذا الرجل يكبرها بست عشرة سنة، فقد كان برأيها وسيماً ومناسباً لا سيما وأنه أعرب عن رغبته في تكوين أسرة وإنجاب أطفال.
وكانت قصة أقرب للخيال إن لم تكن أغرب منه تلك التي انتهت فصولها في الولايات المتحدة بعد ثمانية أشهر من موعد اللقاء الأول مع ناتاشا التي تبين لها أنها لم تكن سوى لقمة سائغة وفريسة سهلة بين يدي زوج شرس درج على الاعتداء عليها وإيذائها بدنياً، وأخيراً وبعد عامين من العنف الجنسي والجسدي، أفادت ناتاشا بأنها وجدت نفسها وحيدة مهيضة الجناح مكسورة الخاطر وهي تحاول أن تدرأ عن نفسها الأخطار وتنشد الحماية داخل بلد غربة لا تمتلك فيه الحد الأدنى من المهارات المطلوبة وليس لديها أي مستندات ثبوتية رسمية أو أوراق نظامية تمكنها من العمل فضلاً عن أن إجراءات ترحيلها إلى بلادها قد بدأت.
وقد سردت ناتاشا فصول مأساتها ووصفت ذلك الرجل بقولها: «لقد أخبرني بأنني كنت دمية مرتفعة الثمن وباهظة التكلفة، ونعتني بأنني أغلى لعبة يشتريها، ومنذ ذلك الحين انفصلت عنه، وقد أعيد فتح قضية هجرتها بمساعدة مجموعة ناشطة في مجال الدفاع عن النساء.
وتشير مجموعات حقوق النساء إلى أن ناتاشا هذه واحدة من آلاف النساء الأجنبيات اللاتي يتم التغرير بهن ويجري إغواؤهن وإغراؤهن سنوياً وتنهال عليهن وعود السراب والأوهام والأحلام الوردية بالثراء والسعادة والهناء ورغد العيش من خلال القدوم إلى الولايات المتحدة كزوجات عن طريق الزواج بالبريد، بيد أنهن ما أن يقدمن وتطأ أقدامهن أرض أمريكا حتى يجدن أنفسهن في أغلب الأحوال والأحيان ضحايا العنف والإيذاء والمعاملة السيئة قبل أن يتم التخلص منهن.
وقد أشارت تقارير إخبارية إلى أن ثلاثة من العرائس اللاتي يتم الزواج منهن عن طريق البريد قد تعرضن للقتل على أيدي أزواجهن الأمريكيين في السنوات الأخيرة بينما اشتملت تقارير أخرى على حكايات وروايات خيالية عن الاعتداءات وحالات الاعتساف والمعاملة بالغة السوء والاسترقاق والسجن.
ويشار في هذا السياق إلى أنه يوجد حالياً حوالي 500 موقع على الإنترنت يتمثل دورها الوحيد في تسويق النساء الأجنبيات والترويج للزواج منهن.
وتشير تقديرات مسؤولي الهجرة إلى أن ما بين 20 ألف إلى 30 ألف امرأة دخلن البلاد في عام 1999م كعرائس تم استجلابهن عن طريق الزواج بالبريد.
ويعرب خبراء عن شكوكهم بأن هنالك عدد من مثل هذه الزيجات قد يكتب لها النجاح مفيدين بأن العديد من هؤلاء الأزواج يعيشون في سعادة، بيد أن المدافعين عن حقوق النساء وبعض الساسة يحذرون من أن العديد من هذه المواقع الإلكترونية يتم تصفحها على نحو متزايد من قبل من يجوسون ويطوفون خلسة للبحث عن فريسة يوقعونها في حبائلهم كما أنها عرضة للتصفح بكثرة من قبل من دأبوا على ارتكاب جرائم الاغتصاب التسلسلية ومن درجوا على العنف والإيذاء الجسدي.
وفي هذا الخصوص تتحدث ليلى ميلر مورو المدير التنفيذي لمركز تاهيريه للعدالة والذي يتخذ من فيرجينيا مقراً له ويتولى الدفاع عن العديد من الزوجات من ضحايا سوء المعاملة: «إن الطريقة التي تعمل بها وكالات الزواج الدولية في الوقت الحالي تجعل منها أداة طيعة في يدي من درجوا على اقتراف الجرائم الجنسية ضد النساء فيجدون ضالتهم في هذه المواقع للإيقاع بضحاياهم من هؤلاء النسوة اللاتي يعاملن مثل الرقيق أو كقطع الأثاث، وترأس ليلى إحدى مجموعات الضغط التي تسعى إلى استصدار تشريع حكومي لضبط هذه الممارسة ووضع التدابير اللازمة لتنظيمها وتقنينها.
أما الدكتورة لين فيسون، وهي كاتبة من نيويورك كانت تعمل في السابق أستاذة وظلت ترصد هذه الظاهرة المتنامية ذات التوجه المتزايد يوماً إثر يوم وتراقبها عن كثب، فقد أشارت إلى أن عدد الوكالات العاملة في هذا المجال قد ارتفع بسرعة صاروخية من حفنة لا تتجاوز أصابع اليدين إلى نحو ست مئة وكالة خلال العقد المنصرم، وأردفت تقول إن العثور على زوجة أجنبية أصبح أسهل بكثير في يوم الناس هذا حيث تسمح الإنترنت لكل من هب ودب بأن يفتتح له موقعاً على تلك الشبكة العنكبوتية العالمية لممارسة نشاط تظل السيطرة عليه صعبة إلى حد بعيد.
وتعد وكالة أفورين أفير (A Foreiqn Affair) التي تتخذ من فينيكس مقراً لها ويديرها رئيسها جون آدمز واحدة من أكبر وأشهر الوكالات العاملة في هذا المجال، ويقول جون وشركاؤه إن خدمة مقابلات الزواج الدولية ليس لها أضرار، وهي أشبه ما تكون «بحفل رقص في مدرسة ثانوية» وكانت هذه الوكالات تركز في وقت من الأوقات على الفلبين بصفة رئيسية ولكنها أقدمت مؤخراً على توسيع دائرة نشاطها لتشمل أمريكا اللاتينية ودول ما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي.
ويقول رعاة التشريع المقترح الذي من شأنه ضبط وتنظيم الممارسة في هذا المجال إن نحو 12 ألف رجل أمريكي يحصلون سنوياً على زوجاتهم عن طريق وكالات الزواج العالمية التي تهدف إلى تحقيق أرباح من نشاطها، وتقول ليزا سكوامكروغ التي تعمل في مجال المحاماة قد أصبحوا موهومين ويرون أن النساء الأمريكيات مشغولات بمستقبلهن المهني وأنهن لسن مطواعات وخاضعات مثل الأجنبيات، وتتولى ليزا الدفاع عن العديد من النساء الأجنبيات اللاتي يرفعن دعاوى التعرض لسوء المعاملة من قبل أزواجهن الأمريكيين.
وفقاً لما أورده روبرت سكولز، وهو مؤلف دراسة مرفوعة إلى الكونغرس حول الزواج عن طريق الوكالات، فإن جميع المتقدمين من الرجال ينبغي أن يخضعوا لغربلة دقيقة وأن يتم فحص طلباتهم بعناية لأن الكثيرين جداً منهم يتوقعون امرأة «خانعة وخاضعة تماماً لنزواتهم الجنسية».
أما الدكتورة فيسون، فقد أشارت إلى أن الرجال تتراوح أعمارهم من ناحية نموذجية بين 35 و 45 عاماً وهم إما ممن طلقوا زوجاتهم أو ممن لم يتزوجوا على الإطلاق، ويعملون بصفة رئيسية في مجال الحاسب الآلي ويتقاضون أجراً سنوياً يتراوح بين 50 ألف و 60 ألف دولار.
وقد استطردت تقول: «إن هؤلاء الرجال ظلوا منهمكين في أعمالهم التي كانت تستغرق جل وقتهم وتستنفذ كل جهدهم ففاتهم قطار الزواج بأن أصبحوا أكبر سناً مما ينبغي، وأفادت بأن الرجال الأمريكيين يميلون إلى النساء الأجنبيات، وخاصة الروسيات منهن، لأن الرجال يرغبون في تبني أطفالهم ولأن الرجال الأمريكيين أطول عمراً من الرجال الروس من حيث المتوسط.
يشار إلى أن الموقع الإلكتروني لوكالة (A Foreiqn Affair) يشتمل على بيانات لنحو 40 ألف امرأة من مختلف أنحاء العالم ممن يبحثن عن أزواج وأن هذا الموقع يبيع عناوينهن إلى الرجال كما أنه يضطلع برعاية الرحلات التي تسمح للأمريكيين بمقابلة زوجاتهم المحتملات، ويفاخر رئيس هذه الوكالة بأن نسبة النجاح وفي زيجات زبائن موقعه تصل إلى 80٪ بمقارنة بنسبة الطلاق العامة في أمريكا والتي تبلغ ما نسبته 50٪ من حالات الزواج.
وتقود النائبة ماريا كانتويل ممثلة ولاية واشنطن في مجلس الشيوخ الجهود الرامية إلى فرض ضوابط صارمة على الوكالات العاملة في هذا المجال، حيث تتبنى هذه النائبة مشروع قانون يسمى قانون تنظيم وكالات الزواج الدولية وقد اتخذ هذا القانون الصفة العاجلة التي تستوجب معالجته على جناح السرعة عندما أشارت بعض التقارير إلى أن امرأتين من ولاية واشنطن تعرضتا للقتل على يدي زوجيهن اللذين تزوجا منهما عبر هذه الوكالات. ومن المقرر أن يقضي القانون المطروح على بساط البحث إلى وجوب توفير المعلومات للنساء اللاتي يتزوجن عن طريق هذه الوكالات عن أزواجهن المرتقبين وعن تاريخهم وماضيهم في الحياة الزوجية وأي سجل لجرائم العنف إن وجدت.
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له