
الحياة الزوجة تبنى سعادتها على طرفي العلاقة وهما الزوج والزوجية.. وديننا الحنيف قرر هذه الحقيقة اذ جعل الرجل راعياً ومسؤولاً عن رعيته وجعل المرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها.. وهو بذلك لم يجعل استقرار الأسرة يتحمله طرف دون الآخر.. حيث ترى معظم المجتمعات العربية ان استقرار الأسرة وسعادتها تتحمله المرأة دون عن الرجل.. مهما كانت عيوب ذلك الزوج او مفارقاته سواء كان سليما او عكس ذلك من الناحية النفسية والبدنية.. وإن كنا في هذا التحقيق سنركز على الجانب النفسي للزوج وأثره على سكينة الأسرة واستقرارها.
فهل ستتأثر الأسرة؟ وماهو حجم الضرر؟ وماهي السبل السليمة لاختيار رجل صحيح نفسيا في ظل عادات المجتمع وتقاليده.
التعالي والغرور
عهود خرجت من تجربة زواج فاشلة على حد وصفها جعلتها ترجيء فكرة الزواج مرة اخرى الى حين.. حيث تقول فوجئت منذ الأيام الأولى لزواجي من تصرفات زوجي معي كزوجة لدرجة انني تصورت انه لا يحبني او ربما اصبنا بالحسد! كان حازما وجافا في تعامله معي ولا يريدني ان اتناقش معه في اي موضوع ولا اسأله عن سبب تغيبه او تأخيره! لا يعبر عن عواطفه مهما كانت اجواء الزمان والمكان! وتضيف عهود.. بشيء من المرارة لقد كان قريبي ومنذ الطفولة وهناك ميل فطري بيننا لدرجة ان جميع افراد الأسرة توقعوا ارتباطنا بالزواج وفعلا تقدم لخطبتي وكانت سعادتي لا توصف فهو شاب محافظ وناجح في عمله واجتماعي من الدرجة الأولى وعلاقته ممتازة مع اقربائه وأصدقائه.. لكن علاقته معي يشوبها الغرور والتعالي وكلما حدث اي خلاف بيننا ذكرني بأنه يملك مقومات تتمناها جميع النساء ويرى الزوجة يجب ان تكون خاضعة خضوع الذل وعدم الكرامة لدرجة انه يطلب مني ان اجلس على الأرض وهو على مقعد وثير لأن ذلك من وجهة نظره هو الاحترام!! وفي ظل تلك القسوة والغرور فضلت الطلاق.
عدم التكافؤ
حنان لم تستطع تخطي حاجز عقدة النقص التي يعاني منها زوجها لأنها جامعية وهو يحمل الشهادة المتوسطة، هي موظفة براتب جيد وهو ذو دخل محدود.. تزوجته لسببين الأول لأنها تصورت بأن المودة والرحمة بين الأزواج ستكسر هذه الحواجز خاصة وأن زوجها يتمتع بالأخلاق الحسنة والدين والثاني ان فرص الزواج للفتاة في هذه الأيام محدودة جدا في ظل عزوف الشباب عن الزواج.
وتصف حنان مشكلتها قائلة كان يتعامل معي بندية مطلقة ويخالفني الرأي في كل شيء وكلما ابديت الرأي في موضوع يخصنا اعتبره تعالياً وغروراً مني لأنني جامعية! وحاولت مرارا كسر هذا الحاجز بشتى الطرق ولكني فشلت وكانت النتيجة الحتمية هي الانفصال بعد عام واحد من الزواج وحياة غير طبيعية، حيث كنت اتحدث معه بحذر وأتعامل معه بحذر حتى لا يفهمني خطأ او يحمل معنى حديثي اكثر مما يحتمل.. وقد زرت عيادات نفسية لبحث هذه المشكلة.. ولكن في النهاية لم استطع الصمود.
علاج نفسي
الأستاذ سلمان طلقت ابنته بعد ثلاثة اشهر من الزواج وذلك بعد اكتشافها ان زوجها يخضع لعلاج نفسي عند احد مراكز الطب النفسي وعندما اخبرته بذلك رفض استمرارها معه لأنه اعتبر ذلك غشاً وتدليساً من الزوج وأسرته التي اخفت هذا الموضوع عنه.. وهو ينصح الآباء بضرورة السؤال عن المتقدم لبناتهم وتحري الدقة وعدم الاستعجال لأن الأب يطمح لابنته بزواج مستقر وحياة آمنة بعد توفيق الله في ظل زوج صحيح صحيا ونفسيا.
أم عبدالله رغم مركزها الاجتماعي المرموق وثقافتها الواسعة ونجاحها في عملها الا ان حياتها الأسرية غير مستقرة تماما وذلك بسبب الخلافات المستمرة مع زوجها والتي اثرت بشكل مباشر على ابنائها نفسيا بعد تجربة زواج امتدت لعشرين عاما تجد نفسها غير قادرة على الاستمرار بل تتساءل.. لماذا لم ابتعد منذ السنة الأولى للزواج؟
زوجي مكتئب
تقول ام عبدالمحسن زوجي رجل مكتئب طوال العام لا يفرح مطلقا لكل خبر سعيد ولا يتفاعل مع الأحزان يرى جميع الناس اوفر حظا منه وبذلك لا يشعر بنعم الله عليه ابدا دائم الشكوى والسخط والانتقاد لكل شيء! يفكر في الغد والمصائب قبل حلولها، يهتز لكل مشكلة ويضخمها بشكل كبير جدا ويثور لأتفه الأسباب فلا يتحمل حديث ابنائه وبناته وينهرهم ويضربهم غير مبال ان كان ذلك امام الآخرين ام لا!.
وتضيف بحزن انعكس على محياها وعلاقته بي كرفيقة درب وزوجة لم تخل من الكآبة.. قليل الكلام والمبادرات التي تسعد الزوجة ليست لديه اية ردود فعل ايجابية لتزينها له او اهتمامها به!! وببيتها وأسرتها. وكانت النتيجة نفور ابنائه من الحديث معه او الجلوس معه او طلب اي شيء منه وغياب التوجيه والمصارحة بينه وبين ابنائه الذين هم الآن في مرحلة المراهقة.. فأصبحت المسؤولية ملقاة بأكملها علي.
وتستطرد أم عبدالمحسن قائلة ان ظروفه الاقتصادية جيدة وناجح في عمله ولا يوجد اي مبرر لهذه الكآبة وقد حاولت اقناعه بالعلاج النفسي ولكنه رفض وبشدة قائلا انه ليس بمجنون!!.
وبسؤال ابنتها عبير التي تدرس في المرحلة الجامعية الآن والتي بادرت بالمشاركة وإبداء الرأي فاجأتني بحقيقة اختيارها للدراسة في مجال علم النفس وذلك بسبب شخصية والدها التي كانت سببا في حدوث خلافات مستمرة بين والديها كادت اكثر من مرة ان تؤدي الى انفصالهما.. حيث شرحت انعكاس اجواء البيت المكتئبة على نفسيتها ونفسية اشقائها فتقول نادرا ما يبتسم والدي او يضحك ولو فعل سرعان ما يعود الى التجهم! لا نشعر بحنانه او بقربه منا الا في ظروف المرض فقط، كثير التأنيب والعقاب لنا حتى اصبحنا لا نحب الجلوس او الحديث معه امام الناس لأنه لا يتوانى عن انتقادنا غير مهتم لمشاعرنا لا يبادرنا بنزهة او هدية او سفر دون ان يكون لوالدتي دور في ذلك في الوقت الذي نجد من والدتنا كل الاهتمام والحنان والتفهم ورغم ذلك اشعر في احيان كثيرة بتأثير شخصية والدي عليها فنراها مكتئبة حزينة وسريعة الغضب.. وأعذرها كثيرا لأن سلبية والدي واكتئابه المستمر لا يتحملهما بشر.(رجل فاشل)
راشد رجل لديه أسرة وأبناء تتعجب عندما تسمعه يبكي كالأطفال عندما يتحدث عن والده الذي كان حاد الطباع جاد يثور ويضرب لأتفه الأسباب يقول راشد.. كبرت وأنا أشعر بأن والدي يكرهني لكثرة لعبي وعبثي كبعض الأطفال فكان يقع علي عقاب شديد يصل إلى الضرب المبرح وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري.. كان لا يمضي يوم إلا وأنال فيه عقاباً مبالغاً فيه بسبب إخفاقي الدراسي أو ضربي لشقيقتي أو إتلاف شيء من محتويات المنزل.. كنت أخاف منه كثيراً ولا أنسى ما حييت ضربه لوالدتي عندما كنت في الرابعة من عمري فقد رأيته مرة يصفعها ويشدها من شعرها لخلاف نشأ بينهما وأمي مستسلمة لا تبدي أية مقاومة..! وأنا عاجز عن مساعدة أمي من شدة الخوف.. وما زال ذلك المنظر لا يفارق ذاكرتي.
ويضيف راشد كنت في داخلي عندما بلغت سن المراهقة أقارن بينه وبين آباء أصدقائي وهم يتقدمون في دراستهم وأنا حبيس الفشل وكنت أعاقب دوما على التعثر الدراسي إلى أن هربت من المنزل وعشت عند جدتي وبقيت بلا مؤهل دراسي أو عمل وعشت على مصروف يبعثه والدي لجدتي التي احتوتني وساعدتني على الحصول على وظيفة بعد الضغط على والدي وتزوجت بإحدى قريباتي وأنجبت ولكني محطم من الداخل وأشعر بأن قسوة والدي دمرت حياتي وقضت على طموحي فأصبحت أشعر بعقدة النقص وأنا أرى أصدقائي حققوا نجاحاً كبيراً في حياتهم العلمية والعملية وأنا رجل فاشل.
نوال تقول زوجي رجل شكاك لأبعد درجة وهو العيب الوحيدوالخطير في نفس الوقت. وفي بداية زواجنا كنت سعيدة لهذه الصفة على اعتبار أنها نوع من الغيرة والغيرة تعني الحب ولكن مع مرور الأيام أدركت غير ذلك.. ففي عمله دائما تحدث خلافات بينه وبين زملائه بسبب شكه في أنهم يتحدثون عنه ومع أهله يدخل في نقاشات حادة تنتهي بالخلافات لشكه في نوايا شقيقاته تجاه موضوع يخصهم كأسرة ومعي يسألني عن سبب انشغال الهاتف أويثور إذا جاء من محارمي بالنسب أو الرضاعة وهو غير موجود في البيت، يحاسبني على تصرفاتي العفوية معه إذا كنا خارج البيت في المستشفى أو السوق أو السيارة.. حتى سلوكه مع بناته وأبنائه بنفس الشكل فهو يدخل فجأة على ولده المراهق في حجرته! ويفتش في حاجيات بناته أمام أعينهن! وكلما حاولت النقاش معه قال إنك لا تسمعين ما نسمع والحرص واجب وتستطرد نوال صبرت على الحياة معه من أجل أبنائي وأنا ربة بيت لا أعمل ووالداي متوفيان ولم يتركا لي شيئا.
(الرأي النفسي)
وبعرض هذه الحالات على الدكتور أحمد خيري أستاذ علم النفس الأكلينيكي واستشاري العلاج النفسي أكد في مستهل حديثه على أن العلاقة الزوجية محكومة بقواعد أهمها الصحة النفسية بين الزوجين فإذا توفرت قاعدة من الصحة النفسية للزوجين توفر للأسرة استقرار وهدوء تام أما إذا كان أحد الزوجين مضطربا نفسيا أو يعاني من نفسية غير صحيحة فلا بد أن ينعكس على أفراد الأسرة. كما يضيف مؤكداً أيضا أن المرض النفسي معد قد يعدي أحد أفراد الأسرة تماما مثل الأمراض العضوية الأخرى.
ويستعرض د. أحمد خيري عددا من السمات الشخصية التي يكون عليها الأزواج وبالتالي تشكل ركيزة أساسية في المشاكل الأسرية منها:
الزوج المصاب بجنون الشك أو بمعنى آخر (الشكاك) وهذا النوع يكون متسلطاً على الزوجة يثير شكوكه كل شيء.. والشك غالبا ما ينتهي إلى جرائم قتل وعنف غير محدود. ولا يمكن أن ينجح زواج كهذا لأن المشاكل التي تحدث لا علاقة لها بالزوجة بل بالزوج، حيث كل سلوك من الزوجة يثير شكوك الزوج.
الزوج إذا كان وسواسيا فالحياة معه جحيم لا تطاق لأنه سيتحرك وفق أفكاره ولذلك فإن من يعيش مع إنسان مصاب بالوسواس القهري قد يعاني من المتاعب النفسية أكثر من المريض نفسه.
أما إذا كانت شخصية الزوج (سيكوباتية) لا تحكمه قيم ولا قواعد ولا يؤثر فيه ضمير فسوف ينعكس بالضرورة على زوجته التي سوف يستغلها ويخرج عدوانه عليها باستمرار.
الزوج المصاب بجنون العظمة فسوف يتعامل مع الزوجة على أنها خادمة وأن عليها امتداحه دائما وتسجل إعجابها بمواقفه.
الزوج إذا كانت شخصيته حادية فهذه الشخصية يحكمها التقلب المزاجي فإذا كان سعيدا سعدت الأسرة وإذا كان تعيسا انتقم من الأسرة كي تعيش التعاسة أما الشخصية الإكتئابية فيريد أن يكون العالم مكتئبا مثله فلا يتحمل لعب الأطفال ولا يهتم بتزين الزوجة يرفض الحياة المرفهة ويكثر من الانتقادات.
ويوضح د. أحمد جانبا هاما هو أن الأساس في نجاح العلاقة الزوجية خلو طرفي العلاقة (الزوج أو الزوجة) من هذه الشخصيات. ولكن انعكاس أو تأثير شخصية الزوج على الأسرة أكبر من المرأة في حالة لو كان أن الزوج هو المتصف بمثل هذه الشخصيات. وبحكم قوامة الزوج الذي يتولى قيادة الأسرة فتأثيره النفسي على استقرار الأسرة يبلغ 75٪ بينما تصل نسبته على الزوجة إلى 25٪.
أما عن الوسائل التي يمكن من خلالها وقاية المرأة من ارتباط اسري بمثل هذه الشخصيات في ظل ظروف عادات وتقاليد المجتمع يراها د. أحمد من خلال المصادر التالية:
المصدر الأول هو التأكد ممن يعيشون مع هذا الشخص المتقدم للزواج على طبيعة شخصيته وتعامله معهم ومن خلال تكرار السؤال لا بد وأنهم سيتوصلون للهدف.
المصدر الثاني الملاحظة الدقيقة وهي متاحة لأهل الفتاة كالوالد أو الولي وهي تكشف بسهولة شخصية المتقدم خاصة إذا توفرت في الولي دقة الملاحظة والخبرة وغالبا ما يلعب الأب دوراً كبيرا في تقييم الخاطب؟
ويضيف أن وسائل تطبيق هذه المصادر عن طريق اتساع دائرة الذين يتم أخذ المعلومات منهم عن الخاطب كالجيران وأصدقاء العمل وزملاء العمل أو من خلال دعوة لوليمة مثلا يمكن من خلاله التوصل لمعرفة شخصية المتقدم كونه اجتماعياً أو متسلطاً، جامداً أو مرناً في تفكيره.. الخ.