• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2165 أيام

ايزابيل/ قناصة الحكايات

د. عبدالله محمد الغذامي

    (حين كنت أقوم بكتابة باولا كانت مساعدتي تأتي الى المكتب وتجدني أبكي. كانت تحتضنني وتقول: لست مضطرة لكتابة هذا، وكنت أجيبها بقولي: انني أبكي لأنني أتداوى، ان الكتابة طريقتي في الحزن. كان ذلك الكتاب مكتوباً بالدموع، ولكنها كانت دموعاً علاجية، وبعد أن انتهيت منه شعرت بأن ابنتي كانت حية في قلبي وأن ذاكرتها لم تضع وما دام الأمر مكتوباً فسوف يتم تذكره).

هذا ما كانت تقوله ايزابيل الليندي الروائية التشيلية صاحبة رواية باولا وروايات أخرى كثيرة، وهي تتحدث في لقاء صحفي عن علاقتها بالحكايات والكتابة، حيث الحكاية صارت عندها حياة أخرى تحياها عوضاً عما فقدته في الواقع المعاشي وفي سبيل ابقاء رابطة مع اللواتي غبن وطواهن الموت، لكن النسيان لا يطويهن لأنهن أصبحن حكايات ونصوصاً تتحدث بالدمع والكلمات.

حينما كنت أكتب عن حمزة شحاتة كنت في كاليفورنيا، بعيداً عن كل شيء مغترباً وممتلئاً بالرغبة والمحبة، وكنت في أحد الأيام منهمكاً في الكتابة ومستغرقاً داخل النص، ومر علي ساعات وأنا في حال أشبه بالغيبوبة أو التجلي وكنت على مشارف الساعة الخامسة مساء بعد عمل ثماني ساعات دون انقطاع، أحسست انني لم أعد أنا ولم أعد في المكان أو الزمان، وأحسست أن حمزة شحاتة يقف بجانبي، ويملي علي، وكانت يدي متيبسة على القلم من طول الكتابة ونسيت ذاتي فعلاً والكلمات تتسابق فيما بين يدي والورقة، كان ذهني أسبق من يدي في صب الكلمات، ولحظتها أحسست بالدموع تنزل من عيني واختلطت الرؤى حتى غامت الصفحة أمامي، كنت أشعر انه معي وانه يملي علي، كان ذلك في صفحة ما من صفحات الفصل الثاني او الثالث من الكتاب، لم أعد أتذكر تلك الصفحة ولم أعد قادراً على النبش وسط الكتاب للتعرف ثانية على ذلك الموقع، لقد كانت لحظة خاصة جداً، ولم تتكرر وسمحت لها أن تبقى غائمة في ذهني وأن تظل في عالمها دون أن أحدد المكان، لقد تضافر التعب والارهاق مع الحب والاندماج في توليد تلك اللحظة، وهي لحظة حب ظلت بمثابة الحلم او الوهم الخاص والذاتي جداً.

وايزابيل مستمعة جيدة وقناصة حكايات، وهي تقول: ان كل حكاية بالدنيا هي بالضرورة نص مثير شريطة ان نقولها وان نكتبها بأسلوب مناسب، وايزابيل تقرأ الجرائد كثيراً وهي تكتشف دائماً أن الأخبار الصغيرة الضامرة داخل الصفحات تغريها بكتابة رواية كاملة، هي عين القناصة حينما تلمح طريدتها وتميزها من بين الجميع.

وتدخل ايزابيل في علاقة خاصة مع قرائها وقارئاتها، وتحكي عن هذه العلاقة وتقول: أشعر بالارتباط مع أولئك القراء الذين كتبوا لي: ان الالم كونني، كلنا نتعاطى مع الالم والفقدان والموت بنفس الطريقة، أتلقى رسائل من أطباء يحسون أنهم لن يستطيعوا أبداً أن ينظروا الى مرضاهم بنفس الطريقة التي كانوا ينظرون بها اليهم قبل قراءة الكتاب، ومن شبان يحسون بالتماثل مع باولا ويفكرون للمرة الاولى بفتاتهم. العديد من الرسائل جاءت من شابات صغيرات في السن لم يخضن تجربة خسران حقيقية ولكنهن يشعرن بأنهن لا يملكن حساً بالعائلة او الدعم المجتمعي، انهن يشعرن بالوحدة الشديدة، انهن يحلمن بعلاقة كريمة تربطهن بزوج ما تشبه تلك العلاقة التي كانت تربط باولا بزوجها، أتلقى رسائل من أمهات فقدن أطفالهن وظنن أنهن سوف يمتن من الحزن، ولكن المرء لا يموت لأنه فقد انساناً عزيزاً عليه.

هذا هو أكثر أحزان المرأة قدما وتجذرا، كل الأمهات لآلاف السنين فقدن أطفالهن وصرن حزينات.

هناك شيء سحري في سرد الحكايات، انك تتصلين بعالم آخر - هذا ما تقوله ايزابيل - وتصبح القصة كاملة حين تتواصلين مع الحكاية الجمعية، حيث تصبح قصص الآخرين جزءاً من الكتابة، وحين تعلمين أنها ليست قصتك وحدك فقط، يراودني شعور أنني لا أخترع أي شيء وأنني بطريقة ما اكتشفت أشياء موجودة في بعد آخر، إنها موجودة هناك، ووظيفتي هي العثور عليها واحضارها الى الورقة، ولكنني اختلقها. وخلال السنوات التي كنت أمتهن فيها الكتابة حدثت أشياء في حياتي وفي كتابتي أثبتت لي أن كل شيء ممكن، انني منفتحة على كل الأسرار وحين تمضي ساعات عديدة في الصمت وحيدة سيصبح بوسعك أن ترى العالم، أتخيل أن الناس الذين يصلون او يتأملون لساعات طويلة او الذين يبقون لوحدهم في مكان ما سينتهي بهم الأمر لسماع أصوات وابصار رؤى لأن الوحدة والصمت يخلقان الارضية لذلك.

أحياناً أكتب شيئاً ما وأكون مقتنعة بشكل عملي انه خيال محض وبعد شهور او سنين اكتشف انه كان حقيقياً، ودائماً ما أصاب بالذعر حين يحدث ذلك... ما هذا...؟ ماذا لو أن الاشياء تحدث لأنني أكتبها...؟ يتوجب علي أن أكون حذرة جداً مع كلماتي ولكن أمي تقول: كلا انها لا تحدث لأنك تكتبينها، انك لا تملكين تلك القوة، لا تكوني متعجرفة. ما يحدث هو أنك تستطيعين أن تريها على خلاف الآخرين من الناس لأنهم لا يملكون الوقت ولأنهم مشغولون في ضجيج العالم.

جدتي كانت مستبصرة وعلى الرغم من أنها لم تستطع الكتابة فقد كان بوسعها تخمين الأشياء وأن تتواصل مع تلك الأحداث والمشاعر غير المعروفة.

هل تتحدث ايزابيل عن جدتها أم أنها كانت تتحدث عن جداتنا كلنا...؟

نساء الحكايات تلك اللواتي ذهبن وتركن لنا الحكايات، وماذا لو أن جداتنا كن يكتبن وكتبن نصوصهن...؟ حتى شهرزاد لم تستطع كتابة حكاياتها وتولى الرجل تدوين تلك الحكايات وعبث بها لتتفق مع شروط النسق الفحولي، وماذا لو أن الاشياء تقع لأننا تخيلناها وكتبناها.

الحكاية أنثى، وهي ولود وخلاقة.

حينما ظهرت رواية بنات الرياض في معرض الكتاب في القاهرة توجهت النساء والفتيات لشراء الرواية بنهم لافت، وحينما توجهت الصحافة لسؤال البنات لم يشترين الرواية كانت اجابة احداهن مثيرة ودقيقة حيث قالت: انني لا أعرف كثيراً عن عالم النساء في السعودية وأتمنى أن تلقي هذه الرواية الضوء عن حياتهن، ثم ختمت كلامها بقولها: أنا واثقة بأنهن يشبهننا كثيراً (الحياة 24/1/2006).

الحكاية كشف للسر تحل اللغز وتفتح البصيرة، ونحن نقرأ بحثاً عمن يشبهنا وبحثاً عن حكايات تطمئننا الى نفوسنا، ألم يقولوا ان الامم تترجم الاعمال التي كانت تود أن لو كتبتها واكتشفت ان شخصاً ما سبقهم اليها. وكذا هي الحكاية، فهي نحن مقرؤون ومحكيون.

ملاحظة: اللقاء الصحفي مع ايزابيل الليندي نشر في مجلة البحرين الثقافية، مارس 2005.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 3
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    مقال اكثر من رائع يفتح مجالاً واسعاً وخصباً لمن هو في بداية خطواته الكتابية
    د.عبد الله..
    أنا لست كاتباً أو روائياً متخصص..لكن أعتبرها هواية..
    وأحياناً عندما أتجول في الشارع أو في السوق أو في أي دائرة حكومية..
    أحاول قراءة ماخلف الأعين وأتقمص كل شخصية من الشخصيات التي أواجهها..
    وأحدث نفسي بأن خلف كل شخصية حكاية مختلفة بإمكانها ان تكون مشروع رواية أو قصة لكن تحتاج لكاتب يجيد صياغتها..
    وهذا ماوجدته في كلمات الكاتبة الكبيرة..
    أتمنى أن يأتي اليوم الذي تكتب نقداً لرواية أو قصة من تأليفي..
    دعواتك لي د.عبد الله

    هادي (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:43 مساءً 2006/03/09

  • 2

    د/ عبد الله.. هو ما نحتاجه فعلا الغذاء الوجداني والعقلي والموجود دائما في طرحك المميز.. وفقت لكل دروب الخير.. والله معك.

    احمد حسين عسيري (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:50 مساءً 2006/03/09

  • 3

    منذ زمن طويل وانا اود ان اقول لك انك مكسب كبير لنا كقراء.. قرأت كل كتبك واتابع مقالاتك وحضرت للملتقى الثقافي الاول الذي كان من المفترض ان تلقي فيه بورقة في محور المرأه ولكنك لم تأت..! فحضرت كلماتك وثقافتك الغزيره وفكرك المتجدد.. وغبت انت لانشغالك في انتشال الناس من مستنقع النسق الثقافي التقليدي الموروث...
    رأيتك في ندوة التعليم في معرض الكتاب.. وكنت شامخا كعادتك..ولم يضرك نبحهم وصراخهم.. فالصراخ على قدر الالم...
    وكنت الضيف الاكثر حضورا والاهم في برنامج بين الاقواس في القناة الاولى.
    فلتستمر المسيره فكل يوم نرى اشياء جديده تضخها لنا مقالاتك وكلماتك.. فبمثلك نستطيع ان نتنفس.
    تحياتي لك..

    حنان ابراهيم (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:07 مساءً 2006/03/10




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


القبيلة والمجتمع

عبدالله محمد الغذامي

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (358) ثم الرسالة

إعلانات