يشهد قطاع اخراج الصحف العالمية تحولات جذرية من نظام الصحف التقليدية العريضة الى شكل التابلويد الشعبي صغير الحجم الا ان هذا الامر لا يقتصر فقط على تغيير الحجم.
ويؤكد مارك ساندس مدير التسويق في صحيفة الجارديان البريطانية انه بالرغم من ان المعايير الصحفية تحتل مقدمة الاوليات في عالم الصحافة، الا انه لا يجب ان نغفل الاهتمام بتحليل العوامل التجارية التي تخضع للتكلفة. يذكر ان صحيفة الجارديان قد سارت في هذا الاتجاه بالتحول من الحجم التقليدي العريض للصحيفة الى المقاس الاصغر حجما المسمى «برلينير».
والجدير ذكره ان مارك ساندس يترأس اليوم ورشة عمل ضمن اليوم الاول لفعاليات مؤتمر النشر في دبي الذي يعقد حالياً في دبي، ليشرح تفصيليا فوائد ومضار تغيير حجم الصحف خاصة لصحف منطقة الشرق الاوسط.
ويضيف ساندس موضحا هذا التحول: «بالرغم من ان الصحف العريضة يتم تصنيفها على انها صحف ممتازة وعالية الجودة، الا ان التحول لصحف التابلويد الاصغر حجما في بريطانيا جاء اولاً بسبب النظام الضريبي المعقد. فقد جعل التشريع الضريبي في بريطانيا من الصحف العريضة الاسلوب الاكثر فعالية سعرياً بحيث تحول الى المعيار الرئيسي لغاية وصول الصحفة الشعبية التابلويد في بدايات القرن العشرين».
وفي هذا الصدد، يذكر ان اسم الصحيفة الشعبية التابلويد اشتق من التعبير «لوحي» او «تابلت» حيث تكون الاخبار كما لو كانت وجبة سهلة الهضم وبالرمز الى المثل القائل «ما قل ودل».
وعلى مر السنين، كانت صيغة الصحيفة الشعبية التابلويد تعني الصحافة الصفراء التي تعتمد على الاثارة لاجتذاب القراء في حين ارتبطت الصحف العريضة بمفهوم الصحافة المحترمة والمتوازنة بحيث صيغ كل من الاسلوبين طرح مختلف من حيث الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ومما ساعد على ترسيخ هذا المفهوم ما قامت به الصحف العريضة التي تحولت الى حجم التابلويد بل قامت في الكثير من الاحيان بتخفيض معايير محتواها التحريري لتتمكن من المنافسة مع صحف التابلويد بمفهومه التقليدي.
ولكن ذلك تغير للابد بعد تحول صحيفة «الأندبيندينت» البريطانية الى حجم التابلويد لتسير على نفس درب جريدة التايمز اللندنية والتي تعد بمثابة السيدة العجوز للمؤسسة الاعلامية البريطانية.
لقد نتج عن هذا القفز الرهيبة، ارتفاع هائل في مبيعات صحيفة الاندبيندينت بشكل ابطل التقليد الصحفي المعروف بأن الصحف العريضة هي المتحدث الرسمي بأسم الصحافة الجيدة.
ويشير ساندس قائلاً: «لم تسر الجارديان على نفس درب منافستيها الاثنتين اللواتي سبقنها، فلم تتعجل بقرار تحولها الى الصحيفة الشعبية التابلويد ولم تنفعل مع ضغوط التوزيع، بل اخذت قراراً مدروساً بعد استفتاء شامل مع القراء والمعلنين وبعد تحليل النتائج الخاصة بالاستفتاء جاء قرارها النهائي».
ويشرح ان النتجية كانت اعتماد الغارديان صيغة «برلينير» «Berliner» التي كانت منتشرة على نحو كبير في اوروبا الا انها لم تكن مألوفة في بريطانيا، وهو مقاس اكبر من التابلويد قليلا واصغر من الورقة العريضة قليلا، وما يمتاز به انه يقدم للقارئ الراحة البصرية والسهولة المتوفرة لدى اخبار الصحيفة الشعبية التابلويد ولكنه يحتفظ بمرونة اكبر في تخطيط وتقديم الصفحة.
ويتابع ساندس قائلاً: «انتظر هذا اليوم الذي تتغير فيه كل الصحف لمقاس التابلويد لانني لا اريد ان اخسر كل جهدي في الدفاع عن هذا الاتجاه، مع التأكيد على ان هذا التغير في المقاس لن يضر بالمعايير الصحفية بأي حال من الاحوال».
ويؤكد انه الصفحة الاولى للصحيفة ستبقى حاملة العديد من القصص الصغيرة المختصرة عن الاخبار دون وجود عنوان بارز وحيد اما الصفحات الداخلية ستكون مخصصة للتقديم الافضل والمفصل من حيث المحتوى والطباعة.
ويواصل ساندس حديثه: «حينما تغير الجارديان مقاس الصحيفة فإنها تستثمر قرابة 80 مليون درهما في شراء آلات طباعة جديدة، لكن هذا يعد بمثابة استثمار طويل الاجل يمتد لفترة 12 - 18 عاماً».
ومما لاشك فيه ان الجارديان قطفت ثمار هذا التغيير حينما تم التغيير وبدأ التوزيع يزداد الى نحو 30 او 35 ألف عدداً في اليوم الواحد.
وحول منطقة الشرق الاوسط، فيقول ساندس: «مازال الحجم العريض للصحف مسيطرا على اسواق الصحف في المنطقة، الا انني اثق بتحولها الى المقاس الاصغر حجما حينما يبدأ هذا الاتجاه في الانتشار عالمياً. فاستطلاعات الرأي تشير الى ان غالبية القراء يفضلون المقاس الاصغر لانها اكثر سهولة لحملها من قبل المسافرين في القطار او في حافلة عن الصحف العريضة، ليس هذا فحسب بل انه في عطلات نهاية الاسبوع والتي لا يكثر بها السفر تزداد مكاسب التوزيع».
ويختم ساندس حديثه قائلا: «اؤكد بأن من يهتمون بالصحف العريضة هم فقط الشريحة العمرية التي تتراوح ما بين 55 الى 65 عاما او اكثر قليلا، لكن الامر يختلف مع الاجيال الاصغر والذين يميلون الى قراءة الاخبار في محتوى بسيط وحجم سهل الطي والحمل.. لم تعد هذه ظاهرة بريطانية فقط بل حتما سيصل هذا الاتجاه الى منطقة الشرق الاوسط».