يبدو مهرجان (أفلام من الإمارات) أكثر حميمية من غيره من المهرجانات فالضيوف امتزجوا ببعضهم البعض وأصبحت اللقاءات والنقاشات الجماعية بين المنظمين بقيادة الأستاذ (مسعود أمر الله علي) وبين بقية الحضور أمراً مألوفاً تشاهده في مقر المجمع الثقافي وأيضاً في بهو الفندق المخصص للضيوف حيث تجري كل ليلة ندوة حوارية سينمائية يقودها الضيوف يناقشون فيها أعمالهم المشاركة ويتبادلون من خلالها الآراء والتجارب والأفكار في استفادة حقيقية من هذه التظاهرة السينمائية المميزة. ومن خلال متابعة حجم الحضور في هذه اللقاءات الجماعية يظهر الحرص والاهتمام الكبير الذي يوليه الشباب لها إذ يصورها بعضهم بمثابة الهدف والثمرة الحقيقية التي كان يتوخاها منذ البدء حيث يلتقي بواسطتها شركاء الاهتمام ويدرك من مخالطتهم البعد الذي وصلته الحركة السينمائية الشابة في الخليج العربي.
والسعوديون بصفتهم الأغزر حضوراً بعد الإماراتيين والبحرينيين كان لهم تواجد في هذه اللقاءات سواء من خلال المداخلات والتعليقات على الأفلام التي شاهدوها لزملائهم أو من خلال تصدرهم لمجلس النقاش حين يحتفى بأفلامهم وتكون هي محور النقاش. وكثير منهم سبق له حضور الدورات السابقة كضيف ومشاهد فقط لكنه الآن يأتي بصفته صانع فيلم. ومنهم من يعزو اتجاهه الجاد نحو صناعة الأفلام مثل المخرج عبدالله العياف الذي نشأت فكرة فيلمه (السينما 500 كلم) أثناء حضوره للدورة السابقة للمهرجان. حيث يقول: (فكرة صناعة فيلم - أي فيلم - كانت في ذهني منذ أن بدأت بمتابعتي الجادة للسينما العالمية قبل سنوات لكنها تحولت إلى مستوى الجدية والإلحاح عند رؤيتي واحتكاكي بالمخرجين الخليجيين في الدورة الماضية. في ذلك الحين - قبل سنة من الآن - شعرت بأن الوقت قد حان فعلاً لأن أصنع فيلمي الخاص والذي أردته أن يكون ذاتياً خالصاً. بمعنى أن يعبر عن همومي كعاشق للسينما وأن يشرح كذلك سر افتتاني بها.. وأعتقد أنه لولا الجو السينمائي وروح النقاشات الجادة التي كان لي شرف حضورها في الدورة الماضية من خلال لقاءات المخرجين وصناع السينما الخليجيين لما تجرأت على البدء بتصوير فيلمي ولربما أرجأت الأمر إلى سنوات لاحقة. إن مثل هذه اللقاءات هدف رئيس ومطلب مهم لابد أن يحرص عليه كل مهتم بالسينما لأنها ستمده بالإلهام والحماس والدفعة المعنوية ذات الأثر الأكيد والنهائي).
هذه اللقاءات السينمائية تعتبر من الناحية التنظيمية لقاءات عفوية تماماً ينظمها الشباب الضيوف بأنفسهم. وهو هدف ينشده الأستاذ (مسعود أمر الله علي) الذي يشعرك في كل لحظة بحميمية الأجواء وبساطتها وعفويتها المطلقة التي تخلق بينك وبين هذه التظاهرة علاقة وجدانية من نوع خاص تشعر معها بأنك جزء لا يتجزأ من هذا المكان. هو لك وأنت له. مكانتك فيه كمكانة الرئيس تماماً. وما يلفت الانتباه هو ترسب هذا الشعور تحديداً وتغلغله في الجميع. فهم يذهبون صباحاً من الفندق سوياً إلى المجمع الثقافي لحضور عروض الأفلام التي تنتهي في المساء. ثم يعودون إلى الفندق ليبدأوا جلساتهم السينمائية الممتعة والتي لا تخلو من رؤى نقدية تشي بمستوى عال من الوعي والإدراك السينمائي. يصف محمد بازيد هذه اللقاءات بأنها (غاية في ذاتها) ويضيف قائلاً (أصبحت أتلهف لها منذ أن عاينتها عن قرب في الدورة السابقة. ورغم أني في الدورة الحالية أشارك كمخرج إلا أني أحرص على حضورها كمتابع فقط لأستفيد من مختلف الأفكار التي ينثرها الزملاء الخليجيون). محمد بازيد يشارك في هذه الدورة بفيلمه القصير الأول (القطعة الأخيرة) وكان أحد ضيوف هذه اللقاءات حيث تم طرح فيلمه للنقاش في ندوة يوم الجمعة بعد أن شاهده الضيوف. وكانت أغلب التعليقات تتفق على براعة خلقه لأجواء السينما الكلاسكية. فيما ذهبت الأسئلة لموضوعات مثل (لماذا شارلي شابلن تحديداً؟ ولماذا لجأت إلى مثل هذه الفكرة شائعة الانتشار؟) وغيرها من الأسئلة.
محمد الباشا وهو أحد المخرجين السعوديين المشاركين في المهرجان يشكر الإمارات كثيراً على خلقها لهذا التجمع السينمائي الرائد خليجياً والذي من خلاله تتلاقح أفكار السينمائيين الخليجيين. يقول محمد الباشا: (أنا معجب بهذه اللقاءات. وأعتقد أننا في السعودية قادرون على صنع مثيل لها. فالثقافة موجودة والمثقفون والسينمائيون موجودون بكثافة. ولا أعتقد أننا بحاجة إلى شيء سوى دفعة قليلة من الجهات الرسمية. نحن أتينا هنا بجهدنا الفردي وبإمكاننا إتمام كثير من المسائل في السعودية أيضاً بجهد فردي ولكن كي تأخذ جهودنا الاعتبار والتقدير نحتاج إلى غطاء رسمي يمنحنا الجرأة والدعم للإقامة مثل هذه العروض والندوات). ومعه يتفق محمد بازيد الذي يقول: (فعلاً أنا لا أدري ما الذي ينقصنا فكل شيء متوفر لدينا لكن لا نملك حركة ثقافية توازي الموجودة في أبوظبي وحدها ناهيك عن الإمارات بكاملها. إن إعجابي بهذه اللقاءات وأيضاً بنشاطات المجمع الثقافي في أبوظبي يزرع في نفسي إحباطاً من الوضع لدينا ففي هذا المجمع وفي الوقت الذي تقام فيه مسابقة (أفلام الإمارات) هناك عدة فعاليات أخرى كمسابقة التصوير الفوتوغرافي ودورة مجانية لتعليم الموسيقى وعدة محاضرات فكرية تجري في عدد من قاعاته. أنا أتمنى أن يكون لدينا نشاط كهذا يستمر على مدار السنة. أعتقد أننا نملك كافة المؤهلات لخلق واحد مثله). أما الرسام السعودي خالد الدخيل صاحب الفيلم الرسومي (سدا) فيقول: (في البدء كان سبب مشاركتي هي سمعة المهرجان وأيضاً رغبتي في أن يشاهد فيلمي أكبر قدر من الجمهور. لكن ما وجدته هنا من تفنيد وتحليل ورأي ونقاش حول الأفلام المشاركة أعجبني للغاية وأضاف إلى رصيدي المعرفي الشيء الكثير).
عند قراءتك لهذا السطر يكون قد عرض سبعة أفلام سعودية ويتبقى ثلاثة ستعرض هذا اليوم. والأفلام التي سبق أن عرضت كانت ضيفة الندوات الحوارية يوم عرضها. نضال الدمشقي بفيلميه التسجيليين، محمد الباشا، خالد الدخيل، محمد بازيد.. جميعهم مروا ليس فقط بتجربة عرض أفلامهم على جمع كبير من الجمهور -والتي هي في ذاتها تجربة مهمة وغاية ينشدها أي مخرج شاب - إنما أيضاً خاضوا تجربة النقاش والحوار حول هذه الأعمال. وهي تجربة ممتعة تضاهي تجربة المشاركة إن لم تفقها. وقد أبدوا جميعهم سعادتهم وإعجابهم الشديد بمثل هذه الندوات.. وتمنوا في النهاية أن يجدوا في بلدهم شيئاً منها.. خاصة وأنهم كما يؤكدون يملكون كافة المؤهلات لصنع مثيل لها.. وهم يضعون الكرة في ملعب المسئولين.. فأفلامهم موجودة ولم يبق سوى عرضها على الجمهور السعودي واستقبال الآراء حولها..