الجمعة 3 صفر 1427هـ - 3 مارس 2006م - العدد 13766

حديث الصورة

بعد أحداث الندوة المخزية.. هل فقدنا اللطف؟!

ممدوح المهيني

    ماحدث مؤخراً في ندوة (الرقابة الإعلامية ومتغيرات العصر) امر مقزز جداً. كل صفات الإنسان الهمجي يمكن أن تراها في التصرفات التي حدثت. اصوات عالية ومقاطعة للحوار وشتائم واقتراب من استخدام الأيدي. انه امر حزين جدا ان يكون هؤلاء ابناءنا ولكن مالذي صنعنا لنمنعهم لكي لايظهروا على هذا النحو السيء والمتخلف والفظ امام الضيوف الغرباء؟!. الجواب: لاشيء. منذ سنوات ونحن المشاهدين السيئين لأكثر المشاهد سوءا وهي على عكس طريقة افلام الإثارة لن تنتظرنا معها نهاية شاعرية.

نحتربينا في صغرنا ان نحترم ضيوفنا ولانتشاجر امام اولاد الجيران ونكون لبقين مع الغرباء ولكن في الحقيقة كل هذه التعاليم الذي كان يرددها علينا آباؤنا البسطاء لم يعد لها وجود عند اناس باتوا يعتمدون على ثقافة تطلب منك ان تتخذ اكثر الصفات قبحا وفظاظة مع الأشخاص الذين يختلفون معك حتى في الرأي. قبل سنوات كان هناك ربما درجة قليلة من الاحترام تجعل شخصاً غير مقتنع بطريقة تفكيرك يبتسم في وجهك ابتسامة صفراء ويتحدث معك بقليل من اللطف ولكن بات هذا أمراً قليلاً جداً ويمكن أن تواجه في جلسات عامة هجوماً شخصياً تحركها كراهية واضحة ولا تنتظر في النهاية أن يأتيك أي أحد ليربت على كتفك ويذكرك أنه مازال يحتفظ باللباقة القديمة. الذي حدث في السنوات الأخيرة هو أن السلوك المتطرف قد أصبح حاداً جداً حتى خلع عنه كل اغلفة المجاملة والاحترام. حتى العائلة السعودية التي اصبحت تعاني من بعض الاهتزاز لامكان للفرد المختلف فيها وهو عليه ان يسكت أو يختصر كلامه اذا ماراد أن يجعل الجو مريحاً في البيت. هناك شباب فضلوا ان يسكنوا خارج منازل اهلهم لأنهم فقدوا وجودهم الحقيقي والذي لن يتم إلا بوجود شجارات حول حرية الرأي. يقول احدهم: (اصبحت ادخل في خلاف مع اخوتي قبل كل وجبة. عندما شعرت ان الخلاف بدأ يحتد ويتحول إلى شتائم وزعل فضلت الاستقلال في سكن لوحدي. لو كانوا مؤمنين بحقي في التعبير لكنت بينهم). إن الشخص الذي يعتقد بأن شخصاً آخر يمارس بعض الأخطاء يمكن ان يشعر بالشفقة عليه ولكن هذا الشعور تحوَّل بشكل حاد ليقطع حتى روابط الأخوة لتتركز الكراهية العنيفة تجاه الشخص الذي لايتفق معه. لماذا يفعل ذلك؟ لانه يجزم بأن اخاه أو صديقه مخطئ تماما وهو ينصت لتعاليم تقول له بشكل واضح جدا وبدون أي غموض انت الذي تمثل معنى الخير في هذه الدنيا وانت تمسك الحقيقة بيدك وأي احد يبدي بعض المعارضة فيحق لك ان تكرهه وتحاول إلغاءه ومنعه من قول رأيه ومن المؤكد ان تعاليم هذا السلوك المتطرف ستتصاعد إلى حد الإيذاء اللفظي والجسدي كما حدث في الندوة. هل يوجد مكان آخر يمكن أن يسمع فيه الصغار للقليل من الكلام عن احترام الطرف الآخر مهما اختلفت معه؟!.

هل يوجد مدرس يقول لطلابه هذه الفكرة التي قد تبدو بديهية عند غالبية الشعوب وهي: (انت لاتملك الحقيقة ولا انا. ولكن دعنا نبحث عنها ولكن إلى أن يحصل ذلك فلنحترم بعضنا). انا لم اسمع بحياتي شخصاً يقول أمامي كلمة التسامح إلا بعد أن اصبح عمري 21 وقبل ذلك وخلال سنوات طويلة وبشكل يدعو للأسى فعلا كنت اظننا مركز الكون وأن كل احد يختلف معنا بأقل التفاصيل ينتمي إلى فصيل بشري يسلك مسارات خطيرة قد تفضي به إلى الهلاك. هذه النظرة التبسيطية يجب ان تخلق اناسها الشبيهين بها. مع كل تعقيد العالم مازال الكثيرون ينظرون إليه بالطريقة القديمة وهذا يعني انك لاتنسجم مع العالم وستتحول إلى كارثة وستتسبب في كارثة لغيرك. إن أي من الشباب الذين قاموا في الأحداث المخزية في الندوة (وغيرهم نماذج كثيراً) لم يقدموا على هذه الأفعال إلا وهم مدفوعون بيقين لايتزعزع ان مايفعلونه هو الصواب الذي سيؤجرون عليه وهم سيشعرون بمزيد من السرور لأنهم قاموا بهذا الأمر حيال إعلاميين. بالنسبة لهم فإن الإعلام الحالي شيء بغيض (هناك الكثير من مواقع الأنترنت التي تشتم الإعلاميين السعوديين بشكل متواصل وتنشر عنهم شائعات قذرة وتحرض عليهم وتهددهم بأعمال عنف. هناك أيضا الكثير من الناس الذين يتهمون بعض الأعلاميين بالإفساد ونشر المفاهيم الهدامة «كما يقولون») لأنه يستوعب وجهات نظر مختلفة وهذا أمر لايناسبهم فهم يريدون صحفاً ومحطات فضائية تشبههم.

إن ماحدث يمكن أن يمثِّل دعاية سيئة لنا وهو لايأتي بشيء جديد لأنه نتيجة طبيعية لعقلية تحسب عليك حتى انفاسك. ولكن الشيء السيء في الأمر انه يشير أننا بعد ماقفدنا التصور العقلاني لرؤية الحياة ها نحن نفقد حتى القليل من اللطف الذي كنا وحتى وقت قريب نملكه. ماذا يتبقى للإنسان إذا لم يكن عقلانيا ولطيفا؟!.

mamdoh@alriyadh.com