لا يوجد برلمان .. في البحر!
لم أزعم، يوماً، أن البحر المضياف، الواسع بلا قياس، عقد صفقة مع أحد، أو قايض، على كريم عطائه، زرقته بالشكر! البحر أنف إلى حدّ الحدّ، فهو يمنح سمكه والدراري، لمن هو بحاجة إليها، ثم يصلّي، في وداعة الصيف، لأجل الشتاء، رحمة بالذين على متنه، طالباً السماح إذا ما اصطخبت أمواجه، من الذين تبتلعهم لجّته، لأنهم اجترؤوا عليها!
ومن عادتي، أنا المجنون على طريقتي، أن أهرب في الصيف من دمشق، إلى مكان ما، ومنذ ودعت البحر، وكتبت رواية «الرحيل عند الغروب» في وداعه، تنأى المسافات بيني وبينه، حتى لتتحيّر الدمعة في عيني، وأنا أراه أزرق، حلواً، واسعاً إلى لا حدّ، يقوم الأفق، في مغرب الشمس، سداً بيني وبين مداه، المترامي في اللانهاية.
سأل الولد أمه: «لماذا تبكين كلما رأيت البحر؟» أجابت الأم: «أبكي على التائهين فيه»، قال الولد: «ولماذا دمعك مالح؟» قالت: «لأن ماء البحر في عيني!».
وفي اللاذقية جاءتني هذه القصيدة منذ أعوام، بغير توقيع: «لا يوجد «برلمان» في البحر، لكنه يرقص باستمرار، فخوراً بأبطال بحّار من بلدنا، وكذلك فخوراً بالأساطيل، بالقراصنة، بالمسافرين البسطاء، بالمراكب المنتشية، بدماء القبائل، بالصدف والمحار، ومن يعرف إذاً، كيف يجد البحر، كل هذا الوقت الكافي، للمزاح مع تماثيل الشاطئ، بلا برلمان، ولا حكومات، ينام على ساعد الأرض، كي يراها الصباح، حلوة، رشيقة، باستمرار».
ومن دبي، في الإمارات العربية المتحدة، جاءتني قصيدة، من دون توقيع أيضاً: «يا بلادي، هو ذا قلبي يبكي، فوق أطلال هواه، وينادي، يا بلادي، والبحر، في أنق زرقته، ينادي يا بلادي، ومن للبحر إذا سكت البحَّار، يا بلادي؟ البحر لن يسكت، والبحر لن ينضب، والمدى البعيد، في بهاء المغيب، لي موعد معه، ولي في لجّته الزرقاء، ألف حبيب».
ومن أبوظبي، جاءتني في البريد، لوحة للبحر، وموجُه يشرئب على الصخور، والرذاذ يتناثر، والسماء، من فوقه، فيها رقاق من السحب، بلون برتقالي فاتح، توشّح الفضاء، تجعله يقول ولا يقول، تاركاً للبوح أن يكون، في اللون، رسول مودّات، ولانعكاس زبد الزرقة، على الشاطئ، ظلال مموّهة، منداحة، متناغمة مع أشعة ساطعة، لشمس تُرى ولا تُرى، لكنها موجودة، تحسها من خلال اللون المتوهج، على مدى أديم اللوحة الكبيرة، الباهرة في مزج الألوان، ما بين أزرق، وأبيض، ونهديّ، وفستقي، يخترقها، طولانياً، وعمودياً، شعاع بلون السحب البيضاء، الشفافة، وبها يكون اللقاء ما بين أرض وسماء، وما بينهما البحر في اصطخاب زرقته، مع توقيع أليف، يتشهّى به شوق صامت: عطاف نصري العظمة!
وفي رسالة من طنجة، في المغرب العربي، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط مع البحر الأطلسي، ورقة صغيرة، منمنمة، موجهة إلي، وبغير توقيع أيضاً، فيها هذه الكلمات ل«غي دي موباسان»: إن عروقي يجري فيها دم الجائلين في البحر، وأبهج ما يبهجني أن أبحر بقاربي، ذات يوم، ذات صباح ربيعي، إلى موانئ مجهولة».
اقرأ الآن، وأنا في الواحد والثمانين عاماً، من رحلة العمر التي أخاف ألا تنتهي، اقرأ هذه الأشعار، والرسائل، وأتأمل لوحة البحر، وأتحسّر ندماً، على أيام كنت فيها بحّاراً على المراكب الشراعية، أعيش العواصف، والمركب يضطرب، كطاسة بين أحداق الموج والبحّارة يتلون، ركّعاً، آية الكرسي، هذه التي ينسونها إذا مرّت العاصفة، أو صاروا إلى البر، ولكل بحّار، في سريرته، لحظةٌ يحاول أن ينساها، أن يمحوها من ذاكرته، وهي اللحظة التي كان فيها جباناً!
عرفتم، إذاً، الحسْرة في لحمي، وأنا أرى إلى البحر الذي كنت فارسه وترجلت؟ وأدركتم، بعد ثماني روايات عن البحر، لماذا لا أرغب في رؤية البحر، الذي ودعته، ذات يوم، عند الغروب؟ وكيف أسدي الشكر، جزيلاً مطيّباً بالعنبر، ممسّكاً بالغالية، لكل هؤلاء الأعزاء من قرائي، ومن الذين لهم يدٌ بيضاء، سمحاء، في عنقي، لأنهم لا يزالون يذكْرون، ويذكّرونني، بأنني كنت بحّاراً وأنا فتى!؟ وماذا أقول لزكريا المرسنلي، الذي ربط الحوت، في ميناء اسكندرونة، وقتل زخريادس الخمّار، في نوبة نزق، وهرب إلى الغابات، ليبقى إلى جوار البحر؟ ومع البحر حولته شكيبة الراعية من وحش إلى إنسان، ومع ذلك اغتصبها على الشاطئ، دون مبرر، قائلاً في ذاته: «الحق ليس علي، الحق على القمر!؟».