الرئيسية > ثقافة الخميس

موت الأدب في بلاد العرب


فاطمة المحسن

في معرض تعليقه على موت العلامة، يشير أمبرتو إيكو على نحو ساخر إلى مواكب تشييع الأدب والفكر والفلسفة وعلم النفس التي تقام كل يوم، تيمنا بما ابتكره مزاج نيتشه السوداوي من موت اصبح إمثولة للدارسين.

ومع أن المناهج الكتابية الجديدة انطوت على بدعة موت الأدب، غير ان مافُسّر على هذا المعنى، يأخذ الجزء بجريرة الكل، فجماليات التلقي والبنيوية والتفكيكية ونظريات التأويل والنقد النسوي، التي أفضت إلى هذه البدعة، كانت تحاول في جانب من مهمتها، إنهاء أو تقليل زخم الوظيفة الاجتماعية للأدب، أو وضع غايات غير تلك التي عرفتها المدارس القديمة. المفارقة ان تلك الموجات ظهرت لسبب إجتماعي، ونتيجة انقلاب مزاجي في الذائقة ووجهات النظر الاجتماعية. ولكن الثورة الحقيقية التي نقلت الأدب إلى عصر جديد، هي تقنية الانترنيت، والمكتبة الالكترونية، حيث يمكن القول ان بدعة موت الادب القديم أضحت قابلة للتصديق. هذا موضوع يطول، غير أن الذي يهمنا منه انعكاسه على عالم الكتابة بالعربية، فهناك كما هو معروف، تواتر في نمو المواقع الإلكترونية التي تنشر النتاج الأدبي الجديد، وهو نتاج شبابي لايدخل في الغالب، ضمن منافسة منظورة او قراءات نقدية، إنه أقرب إلى واقع افتراضي، يمكن أن يمحى أو يحّور في الذاكرة الالكترونية، وهناك بالمقابل تبدل في المزاج الجماهيري لصالح الثقافة الدينية والجانب المحافظ منها، او ثقافة التسليات وهي في الغالب سمعية بصرية.

في عالم التقاسم هذا يزداد حصار الكتاب المطبوع ويصبح الأدباء معزولين يكافحون من أجل أن لايتسرب الوهن إلى كتاباتهم.

هل نستطيع أن نقول ان احتضار الأدب في العالم العربي يبدو حقيقة ملموسة أكثر من أي مكان آخر؟ ربما تشير واقعة الطبعة «الشرعية» لرواية أولاد حارتنا إلى نهاية حقبة تاريخية، ولكن المؤكد ان صرامة محاسبة وملاحقة الكتاّب العرب توشك أن تستكمل بصعود الاسلام السياسي إلى مراكز القرار في غير دولة عربية، وهو أمر لايدرك المرء نوع الثقافة التي تنبثق عنه، ولكن حربه مع الغرب والفكر والفن الغربي سيكون نهجه المقبل. على هذا يبدو من المنطقي أن يبدأ حربا على الثقافة العربية المعاصرة، فهي بالبداهة نتاج التأثر بالغرب، على مستوى الكتابة والافكار وأنماط السلوك والأمزجة. ولعل دراما التصارع داخل الأدب العربي بين النقل عن الغرب والإبتكار، قد أنتج كل اتجاهاته الجمالية وبرمج وجهات نظر الكتّاب وتقانتهم الفنية.كما تشكل الشعر العربي الحديث والرواية والنقد في حاضنة التمردات الإجتماعية، وكان على الأدباء الافتخار بإغترابهم عن مجتمعاتهم، أو القول بأنهم ممثلون طليعيون لجماهيرهم، فهل بمقدورهم اليوم البحث عن قرّاء خارج هذه المجتمعات، أو عن غربة جديدة تعيدهم إلى صراع بدائي من أجل البقاء والاحتفاظ بحق التعبير؟.

ليس بمقدورنا التكهن بطبيعة الأدب العربي في المستقبل، ولا الجزم بموته أو إزدهاره، ولكن التعارض بين نفور الجماهير من الغرب الذي يتزايد بحكم سهولة الخطاب التحريضي وبساطته، وبين زخم دخول الغرب إلى حياة القارئين عبر شبكة الاتصالات الحديثة، وانتشار لغاته ومفردات عيشه وثقافته، سيضاعف من احتمال تبدل صيغ التفاعل في الأدب نفسه، وستبرز بالحتم مركّبات إشكالية غير التي نعرفها.

العالم العربي المرصود غربيا، باعتباره منطقة ساخنة، يبدو وكأنه قابل للتمدد على مساحة إعلامية واسعة، عبر دخول الكاميرا التلفزيونية وشبكات الانترنيت إلى كل أماكنه بما فيها التي كانت مجهولة في السابق. انه الآن منظور ومرئي، ولم تعد زواريب الفقر التي تهيمن على مساحة كبيرة من أراضيه، محجوبة بخيال كاتب او سينمائي، فهي حقيقة لاتضاهيها سوى لغة أدبية تتجه كل يوم إلى اللهجات المحلية والمناطقية عبر فن الرواية الذي يسابق كل الفنون الأدبية. العالم العربي اليوم، يذهب فنيا إلى أماكن قصية في الغرب، ويعود منها مثقلا بمزيد من التعب والغربة والاضطراب، .فهو يكاد يقطع مع فكرة «الالتحاق بركب الحضارة» الذي رفعه المستقبليون منذ النهضة الاولى، ويدخل عصر الجماهير على نحو يختلف عن السابق، فهذه الجماهير مغتربة عن زمنها، لعدم قدرتها على الإعتراف بزمنية وتاريخية الحضارة، فهي تنتمي إلى حضارة وتواريخ ثابتة وترفض العيش في سواها. على المستوى الروحي لهذه الجماهير، هناك عودة مؤكدة إلى عصر رومانسي مكتئب، ولكنه يختلف عن رومانسية السابق بخلوه من فكرة الجمال الأرضي. هذه الجموع لاتحتاج خيال الكاتب والأديب ومعرفته الغربية، فهي تملك من المعارف مايكفيها كفاف يومها الحزين، ففكرة الخلاص والفداء والموت تسكنها. هي تتعامل وفق ثقافة ترى في الإمثولة التاريخية حقيقة تعايشها وتقاسمها خبزها.

العصب الناشط والشاب والمتعلم في الكتلة الشعبية للناس، هو الذي كان في السابق جمهور الأدب، وهو ينكمش اليوم، ان لم يتحول عند الطلب إلى عدو لايمكن صد جموحه، فقد مزق طلبة الجامعة في مصر رواية لأديب سوري، قبل أن يقرأوها. ولو ظهرت فتوى ضد أية رواية أو كتاب او ديوان شعر لن يخرج الشيوخ للمناداة بقتل الكاتب المارق، بل جماهير الشباب وطلبة الجامعة، أي القراء المفترضون لهذا الكاتب.

ولكن هذا الواقع الذي يبدو وكأنه يشيع جنازة الأدب في بلاد العرب، يبدو واقعا هشا لأنه مخترق بتكنلوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة، أي الفضاء الحر الذي ينتج المعنى الاستعاري ونقيضه. فقد خرج الأدب عالميا وعربيا من حدود الرقابات القديمة، ولم تعد ثمة حاجة إلى الاستعانة بفرضيات الاخلاق، فأديب المستقبل لن يكون بمقدوره تقديم صورة حقيقية او زائفة عن نفسه، كي يمتلك أفئدة القراء، فصورته ستتبدل وقصصه تختلف، وربما تصنع له قصص الكترونية. ستسقط الأقنعة عن وجوه الزاهدين والمتبتلين من الأدباء، والمناضلين في سوح الحروب من أجل الأمة، وستنبثق من مثالية الجماهير إمثولات جديدة، ولعل تلك الامثولات ستفضي إلى واقع أكثر اغترابا عن ذاته ومحيطه العالمي، ولكن من يخمن نوع الأدب الجديد الذي ينتجه، ربما سيكون أفضل من أدبنا هذا.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة