الحقيقة أن (بنات الرياض) لا تقدم شخصيات نسقية أو مهزومة بالثقافي الذكوري السائد فحسب، إنما تقدمهن في بنية سردية تخضعهن لسلطة وهيمنة الصوت الواحد وزاوية الرؤية الواحدة - صوت وزاوية رؤية الساردة التي تروي حكايات صديقاتها بصوت الساردة العليمة المنقحة. فإذا كانت الساردة تعلن مستعيرة صوت نزار قباني أنها تكتب عن النساء السجينات، وهذا دافع آخر للسرد أيضاً، فإن البنية السردية الكلية في الرواية بنية سردية ساجنة قمعية، أو بنية سردية غير ديمقراطية حسب يمنى العيد (الراوي: الموقع والشكل، 177)، بنية تتمتع فيها الساردة بامتياز الحرية المطلقة في الكلام وبامتياز التبئير، وتظل فرص الشخصيات الأخرى في التعبير عن أنفسهن مرتهنة برغبة ومزاج الساردة، التي لا تكتفي بالسرد فقط، ولكن ولكونها ساردة منقحة (editorial) فهي تملك أيضاً امتياز الشرح والتعليق والتفسير لما ترويه، إضافة إلى تمتعها بحرية التنقل من مكان إلى آخر بشكل يهدد بتفويض قدرة القارئ على التصديق، خاصة وأنه يقرأ حكاية متبنينة ومؤسسة على مفهوم الاحتمالية والمشاكلة (verisimilitude) للحياة الواقعية.
القول بديمقراطية رواية معينة وبديكتاتورية (لا ديمقراطية) رواية أخرى لا يعني بالضرورة وجود رواية ديمقراطية بشكل مطلق، فالديمقراطية هنا مسألة نسبية تتفاوت من خطاب سردي إلى آخر بناءً على تعدد زوايا الرؤية أو انعدامه وعلى درجة انسحاب، أو على نحو أدق، توليد الإبهام بانسحاب الوسيط (mediator) بين المسرود والمسرود له. ففي كل مشهد سردي ثمة وسيط، بدونه لا يكون هناك أي سرد، ليكن هذا الوسيط هو الراوي، أو المؤلف، أو المؤلف الضمني أو شخصية من الشخصيات في العمل السردي. تختلف الأسماء ويبقى الفعل واحد التوسط (mediation). ويحصل الإيهام بانسحاب أو محو الوسيط لذاته في روايات تيار الوعي القائمة على خلق الإيهام بأن القارئ يقرأ أفكار وهواجس الشخصية وكأنه يطل عبره كوة في رأسها أو يستمع للشخصية وهي تتحدث إلى نفسها في روايات المونولوج الداخلي. في هذا النوع من الروايات يتظاهر الوسيط بالانزواء بعيداً ليجلس يقلم أظافره كما يقول وين بوث، على النقيض من (بنات الرياض) حيث يلتقي القارئ بالساردة الشاهدة مرتدية قناع الساردة كلية الحضور وكلية المعرفة معاً، فلا صوت يعلو على صوتها، ويتشكل الخطاب السردي وفق رؤيتها.
عندما يشرع القارئ في قراءة الفضيحة الأولى يكتشف أن السرد يجري بضمير الغائب خلاف توقعاته بأن يلتقي بالساردة صديقة بنات الرياض وهي تقوم بدور الساردة الشاهدة. يترتب على هذا التحول من ضمير المتكلم إلى الغائب نتائج وتأثيرات تطال الساردة وموقفها من المسرود، وتطال قابلية الحكاية للتصديق في نظر القارئ، كما يتوقف عليه تحديد الخطاب السردي وما يترتب على ذلك التحديد من دلالات وتبعات. يلعب ضمير الغائب دور طاقية الإخفاء التي تعتمرها الساردة لتمحو نفسها من العالم المتخيل لتصبح ساردة عليمة تطل على الشخصيات من الخارج أو من فوق، فكأنه لا علاقة لها بما ترويه، ربما تعبيراً عن رغبتها في الابتعاد عن (الطالح والعيب) كما اقترحت سابقاً. ويؤدي هذا التحول أيضاً إلى اتساع مجال وحدود إدراكها ومعرفتها بشكل يتجاوز حدود معرفتها ومدركاتها لو أنها تسرد بصوت الساردة الشاهدة التي تسرد أو تعرض الأحداث التي تقع في مجال إدراكها أو تنقل ما يروى إليها من قبل آخرين.
تتحول الساردة من ضمير إلى ضمير دون التنبه إلى نتائج وتبعات التحول المحتملة، إلى أنه قد سيؤدي إلى احتمال مساءلة القارئ حكايتها من ناحية المعقولية والقابلية للتصديق عندما يراها تنفذ إلى أعماق الشخصيات لتروي عن اختلاجاتها وأفكارها وهواجسها ومخاوفها ووساوسها إلى درجة تهدد بتشتيت الإيهام باحتمالية واقعية الحكاية. وهذا ما تدركه بعد تقدمها في السرد كما يبدو في إشارتها إلى رسالة من أحد القراء يتساءل فيها عن موثوقية ما ترويه عن سديم الحريملي، وهذا أيضاً ما تحاول استدراكه في الخاتمة بتبرير معرفتها بالتفاصيل الدقيقة لحكاية سديم بقولها إن صديقتها زودتها بدفتر مذكراتها «السماوي الذي لم أكن لأعرف عنه لولا أهدتني إياه قبل عقد قرانها على ابن خالتها لأحتفظ به» (318)، وأن صديقة أخرى (ميشيل) كانت تساعدها على تذكر الأحداث التي نسيتها، واقترحت إجراء تعديلات في حكايتها. تقول الساردة هذا وكأنها تفشي سراً كما يستشف من عنونتها الخاتمة ب (بيني وبينكم).
حتى وإن أتى هذا التبرير لترميم (مصداقية) الحكاية وموثوقيتها كساردة استجابة لتساؤل القارئ المتخيل، فإن هنالك الكثير مما يصعب تبريره ومنطقته (من منطق)، من منطلق أن القارئ إزاء حكاية واقعية تقليدية ولا مناص عند قراءتها وتحليلها من موضعتها في سياق الرواية الواقعية. وسلوك الساردة في (بنات الرياض) يتجاوز حدود الممكن والمحتمل بطريقة تدفع القارئ إلى التشكيك في معرفتها بما ترويه وقابليته للتصديق عندما يراها تروي ما لا يتوقع أو لا يتخيل أن تعرفه ما لم يتضمن النص تبريراً يجعل ما ترويه متساوقاً ومتسقاً مع المنطق الذي تترابط وتتمفصل به الوحدات السردية التي تتشكل منها البنية الكلية للحكاية. وحتى لو حاول القارئ الالتزام بشرط إيقاف عدم التصديق على أن الساردة تعرف حكايات صديقاتها لكونها أولاً شاهدة عيان على الكثير من الأحداث، وأنه تم ملء الفجوات والثغرات في معرفتها بما روته صديقاتها من أحداث وقعت في غياباتها، أو بما يفشين من أسرارهن، أو على أساس أنها تملك ذاكرة قوية لدرجة تذكرها ما يحدث على مدى ست سنوات، فإنه يصعب إيقاف عدم التصديق عندما تروي المشاعر والعواطف وما يدور في أذهان من لم تربطهم بها علاقة، أو عندما يراها تفضح نفسها رغم طاقية الإخفاء للساردة العليمة التي ترتديها بالانتقال من ضمير الغائب إلى المتكلم في الحكاية نتيجة ما يشبه زلات قلمها أو أصابعها على (الكيبورد) وهي تكتب فصولها: «هذه هي الحال لدينا في الأسواق.. لا يمكن لفتاة أن تسير في أسواقنا بأمان الله» (25)، «مثلما يؤمن البعض بوجود علاقة طردية بين البدانة وخفة الدم؟ أنا شخصياً أؤمن بذلك» (55»، «لو أن أحداً أخبرني أن قمرة المسكينة» (95)، «إن مجتمعنا السعودي أشبه بكوكتيل الطبقات» (56)، «حتى نحن صديقاتها لم نعتقد أنها تسرعت في ذلك» (165)، «عندما نتحدث عن حب ماتي لميشيل» (188)، «وأتخيل أن رائحة سديم ظلت تدغدغ أنفه وتؤكد أنها ما زالت تحبه» (310).
اللافت للانتباه أن هذه الانتقالات أو العودات من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم تحدث عندما تقوم بدورها كساردة منقحة لتشرح وتطرح آراءها فيما ترويه، فكأن التحمس للتعليق والتعبير عن رأيها في المروي ينسيها طاقية الإخفاء التي تعتمرها لمحو نفسها من مكان الأحداث، مثلما تنسى أنها لا تزال الساردة الشاهدة وأن منطقية الحكاية تقتضي أن تسرد ما تكون معرفتها به ممكنة وقابلة للتصديق. فإذا سلم القارئ جدلاً بمنطقية وواقعية معرفتها وسردها للمكنون والمخفي في وعي ودواخل صديقاتها، يبدو عرضة للتشكيك والمساءلة ما ترويه عما يدور في أذهان الشخصيات الأخرى، مثل: «تؤمن أم قمرة بنظرية المرأة الزبدة والرجل الشمس، ولكن كل ذلك قد تغير فجأة بمجرد خطبة البنت» (21)، «أدرك الشباب بفراستهم أن في الأكس فايف صيداً ثميناً» (24)، «يدرك حمدان أن الكلام هو أفضل وسيلة للتعبير عما في العقل» (275)، «لا أحد يعرف ما دار في خيال فراس ليلتها بعد لقائه سديم، لكن الأكيد أنه فكر لساعات طويلة على مدار يومين» (310)، «لم يشعر فراس بكل هذه الأحاسيس الجميلة إلا مع سديم» (310)، «اتخذ فراس قراراً مفاجئاً وهو مندس في فراش الزوجية» (310).
هذا النفاذ إلى وعي هذه الشخصيات التي لا تربطها بها علاقة.. ويصعب من زاوية رؤية واقعية التسليم بمعرفة الساردة بها عن كثب كما هو الحال مع صديقاتها - لا تمارسه الساردة مع الآخر علي الشيعي رغم ارتباطه مع صديقاتها لميس بعلاقة قصّر أمدها رجال الهيئة. يؤدي ابتعاد الساردة عن علي إلى تعميق آخريته كما ذكرت سابقاً، بالإضافة إلى تدعيم فكرة الديكتاتورية في الرواية. فإذا كان علي يتميز على مستوى الأحداث بأنه الشاب المغامر الوحيد الذي ينفضح أمر اختراقه المركب للتابو الديني والطائفي معاً، فالخطاب (الساردة) يعمق تميزه وبالتالي آخريته بفرض حالة الخرس عليه. علي هو العاشق أو المغامر الوحيد الذي لا ينبس بكلمة واحدة خلال الرواية مقارنة بفيصل ونزار وفراس. ولقاؤه مع لميس هو اللقاء الوحيد أيضاً الذي لا تذهب الساردة إلى مكان حدوثه لتعرض تفاصيله كما تفعل مع لقاءات فيصل وميشيل في بيت أم نوير، ونزار مع لميس في المستشفى، وفراس وسديم في لندن وفي الطائرة ومحادثاتهما عبر الجوال. تكتفي الساردة بالنسبة لهذا اللقاء بسرد ما تسمعه عنه.
يستحضر قيام الساردة بالروي عن اللقاء، وليس عرضه مشهدياً/درامياً، في الذاكرة التقليد المعروف في التراجيديا الاغريقية القائم على عدم أداء وعرض الأحداث العنيفة والبشعة أمام أعين النظارة (مثل انتحار جوكاستا وفقء أوديب عينيه)، والاكتفاء بسردها على لسان الممثلين أو الجوقة. وهذا ما تفعله الساردة أمام الانتهاك المركب للتابو حينما تمتنع عن الانتقال إلى موقع الحدث لنقل تفاصيل لقاء لميس وعلي. وبعدم انتقالها يتحقق للقائهما على مستوى الخطاب المطابقة والتجسيد لمفهوم الخلوة مثلما هو خلوة على مستوى الأحداث/القصة. فإذا كان لقاء العاشقين انتهاكاً مركباً ومضاعفاً للتابو، فإن خلوتهما مضاعفة أيضاً بسبب امتناع الساردة عن لعب دور الطرف الثالث الذي يطل عليهما من فوق، أو يشاركهما الجلوس في المكان بفضل الخفاء الذي يتيحه لها ضمير الغائب/طاقية الإخفاء - تركت الساردة للشيطان أن يكون ثالثهما في الخطاب كما كان في القصة. ببقائها بعيدة عن مكان اللقاء يصبح غير ممكن للقارئ أن يرى (لميس)، الفتاة السنية، وهي تتجاذب أطراف الحديث مع علي الشيعي، وما قد يصاحب ذلك الحديث من أفعال وتصرفات. الساردة التي تتمتع بحرية الانتقال من مكان إلى مكان، وتتسلل حتى إلى غرف النوم، لا تنتقل إلى المطعم لتتلصص ويتلصص معها القارئ على الصديقين مقترفي الإثم المضاعف. لقد نفت الحدث إلى الخارج بنفس طريقة نفي الأحدث العنيفة والبشعة في التراجيديا الأغريقية إلى خارج مكان العرض (offstage)، واكتفت بالسرد عن اللقاء وانفضاح المغامرين على يد رجال الهيئة.
تبدو الساردة مصيبة في وصف العلاقة بين لميس وعلي بأنها مغامرة لا تنسى لأنها مغامرة الاختراق المركب للتابو، ولأنها العلاقة الوحيدة التي تتحقق فيها الفضيحة، ولأنها العلاقة التي عولجت سردياً بطريقة تختلف عن الطريقة التي عولجت بها العلاقات الأخرى، ولأن أحد طرفيها لم يسمع صوته في الرواية إطلاقاً، فآخرية علي الشيعي ضمنت له معاملة أخرى مختلفة أبرزت آخريته وأكدتها خطابياً بتعامل الساردة معه كموضوعة للتمثيل وعدم منحه الفرصة لتمثيل نفسه، وقد طال الإخراس شقيقته فاطمة أيضاً.
في تعامل الساردة مع علي الآخر يظهر تماهيها مع الثقافي السائد على أشده، كما تتجلى لا ديمقراطية الخطاب السردي في انصع صورها. وحين تقول الساردة «مسكين علي. لقد كان شاباً لطيفاً. وبصراحة، لو لم يكن شيعياً، لكانت أحبته!» (161)، فإنها تعبر عن وجهة نظرها وموقفها الذاتي منه لأنه ليس في النص ما يدل على أنها تنقل رأي صديقتها، والعبارة السابقة واحدة من تدخلاتها (intrusions) العديدة المتوزعة خلال نسيج الخطاب حين تتدخل للتعليق وإبداء وجهة نظرها إلى المروي كما في العبارات: «بالفعل كانت حياة لميس مع نزار مضرب المثل للسعادة» (277)، «انفصلت سديم عن فراس هذه المرة.. غير مأسوف عليه» (284)، «لم تكن هناك دموع أو صيام.. كانت أسخف من الواقع» (284). بهذه العبارات القصيرة، قصر العبارة عن علي الشيعي، تفصح صديقة بنات الرياض بمشاعرها وموقفها تجاه الأحداث المشار إليها. الساردة لا تمانع، على ما يبدو، قيام علاقة عابرة بين صديقتها وعلي، ولكنها تعبر - وبنبرة صوت خفيضة على غير عادتها - عن رفض تطورها إلى علاقة حب قد تؤدي حتى إلى مجرد التفكير في الزواج، فعلي الرافضي كما يسميه رجال الهيئة، يصلح أن يكون طرفاً في مغامرة عاطفية كما يفهم من ملوفظها، ولكنه لا يصلح لأن يكون حبيباً أو زوجاً لصديقتها لميس. علي شاب لطيف، ولكنه يظل علي الآخر، ولأنه كذلك ينبغي إبقاؤه على مسافة ذراع أو أكثر من ال (أنا)، لئلا يدنسها ويلوثها بتماسه واندماجه فيها وبها في علاة حب حميمية أو علاقة دائمة كزوج. يلمح في هذا تسلل (التابو) ذو الوجه الطائفي ليمارس تأثيره وفاعليته في موقف الساردة التي تصف نفسها بالجرأة والتطرق ل «مواضيع التابو» (113) التي يتفادى المجتمع مناقشتها حسب قولها. بمقابلة استلطاف الساردة علياً وقبولها للمغامرة السنية/الشيعية الطارئة مع رفضها علياً بدور المحب يتجلى ما يمكن اعتباره جزءاً من الصراع بين الشخصيات الموجبة والسالبة في داخل الساردة والذي لجأت إلى السرد سبيلاً للخلاص والتطهر منه.
وأخيراً، هل وفت هذه القراءة بما تعد به في العنوان؟ وهل تفادت التورط في اللعب في يدي صديقة بنات الرياض؟ سؤالان لا أستطيع الإجابة عن الأول منهما سوى ب (ربما)، وعن الثاني، بالقول هذا ما حاولته وحرصت عليه. وتبقى (بنات الرياض) تجربة أولى في الكتابة الإبداعية تستحق الاستقبال غير المسبوق الذي قوبلت به.