الرئيسية > ثقافة الخميس

شاعر هندي في البصرة


علي بدر

في سوق الهنود في البصرة، أمام دكاكين الصاغة، وباعة الأقمشة، ومحلات الحلاقين، عرفت أن الهند تعني البهارات باللغة السنسكريتية... حدث ذلك عصر يوم جمعة، وكنت جنديا في جبهة البصرة وقتها - أوان كانت الحرب العراقية الإيرانية على أشدها - وقبل السفر إلى بغداد كنت أمضي عصر أول يوم من كل إجازة في التسكع في المدينة والتجول في شوارعها وأسواقها وساحاتها وكورنيشها وسينماتها ومكتباتها، وإلى الآن لم أدرك سر هذا الشعور الطاغي الذي يغبطني حينما أتجول في سوق الهنود والتسكع أمام محلات التوابل والأعشاب، وقصاع الخضروات والفواكة، وبسطيات الحبوب والبقوليات، ودكاكين بيع البخور والعطور، وكنت أأسف لأن الهنود قد اختفوا من سوق الهنود كليا، إلا راجا تشاندران الذي كان يعمل في دكان عطارة يملكة أحد الآثوريين، وصار كل الباعة من العرب المسلمين والآثوريين والمعدان، وراجا من البحارة الهنود الذين جاءوا بالمراكب من الهند لجلب البهارات إلى سوق الهنود فاندلعت الحرب العراقية الإيرانية واحتجزت مراكبهم في شط العرب، لقد أصبحوا ميدان حرب بين مدافع العراقيين ومدافع الإيرانيين، ففي الوقت الذي رفضت فيه حكومتهم تسفيرهم بالطائرات على حسابها، رفضت الحكومة العراقية دفع أثمان سفرهم، ومنعت دخولهم إلى البصرة، واعتبرتهم مهاجرين غير شرعيين، وبقوا في مراكبهم حيث كانت المدافع تخطأ أحيانا أهدافها فيسقط منهم قتلى كثير، إلا أن سمحت الحكومة لبعضهم بدخول البصرة.

ومن بين هؤلاء الهنود الذين سمح لهم بدخول البصرة كان راجا تشاندران، الشاب الهندوسي الذي عمل صانعا في أحد دكاكين العطارة، وهو المثقف الوحيد بينهم، فقد كان يكتب شعرا رمزيا باللغة الأوردية، أما الباقون فلا أكثر من عاديتهم، وكانت مناسبة نسبة لي في التحدث معه عن ناريان وأنيتا ديساي وسلمان رشدي وكلهم يكتبون باللغة الإنكليزية بطبيعة الأمر، لكن اهتمامه بالقارة الهندية كان واضحا، ورغم معرفته السطحية ببعض الأفكار إلا أن هذه المعرفة كانت كافية لإدامة حديث بيننا ساعات عن الروايات والشعر والفلسفة وهو يبيع العطور الهندية والبخور والعنبر ويتحدث مع الزبائن بخليط من إنكليزية وأوردية يتقنها وعربية وآثورية تعلمهما هنا، غير أنه بعد سنوات أصبح يتحدث العامية البصرية بلكنه هندية، أما أنا فقد تعلمت منه الكثير، ففضلا عن إني كنت سمعت منه أن الهند تعني البهارات باللغة السنسكريتية وهي معلومة كانت مهمة نسبة لي، فقد تعلمت منه بعض الكلمات باللغة الأوردية، وسمعت منه عن شعراء أورديين من جميع القرون، وتعلمت منه بعض الأغاني، إذ كان يغني الأغاني الهندية الشائعة ولاسيما في أفلام شاشي كابور بصوت عذب في دكان العطارة والأعشاب، وهو بعمامته البيضاء ووزرته ولحيته الصاروخية الغزيرة الشعر.

قبل نهاية الحرب العراقية الإيرانية بعام كنت انتقلت من جبهة البصرة إلى جبهة السليمانية وقد تأثر راجا تشاندران كثيرا، وتوادعنا على الطريقة الهندية، وانقطعت أخباره عني، كما انقطعت أخباري عنه، ولكن بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية بشهر تقريبا وصلتني منه رسالة باكية ومتفجعة، يشكو بها أحواله التي تسوء، ومن عوزه وفقره، كما أن صاحب دكان العطارة قد طرده من عمله.

في تلك الفترة كنت تسرحت من الجيش وكانت لدي بعض العلاقات التي يمكنني أن استغلها، فأجريت اتصالات بأصدقاء كثيرين وبمعارف متعددين، حتى حصلت له على وظيفة في شركة بريطانية في السماوة كانت توافق على تشغيل الهنود في العراق، فلم تكن كل الشركات تقبلهم، وذهبت أنا وصديق لي - كان مولعا بكاتبة هندية كلاسيكية تكتب روايات ميلودرامية شهيرة هي أمالا كماندريا - إلى البصرة، وحملنا أغراضه وصراره وأدواته وكتبه الأوردية والإنكليزية ووضعناها في سيارة تاكسي وانطلقنا نحو مدينة السماوة، وفي الطريق أوقفتنا دورية الشرطة وطلبت جوازه أو كارت إقامته، فلم تكن الحكومة آنذاك تسمح للهنود المحتجزين في البصرة بالانتقال أو الحركة، وبعد محاولات وحيل كثيرة استطعنا أن ننقذه ونوصله إلى مكان الشركة، وقد حصل هناك على حجرة ومنضدة وكرسي وسرير، وقال إنه في هذه الحالة سيعود إلى كتابة الشعر، وبالفعل فقد أرسل لي رسائل عديدة متضمنة آخر قصائده بالأوردية مع ترجمتها الإنكليزية، فقد كان يترجمها بنفسه، وقمت أنا بترجمتها من الإنكليزية إلى العربية ونشرتها في الصحف في بغداد، وكنت أكتب له عن ذلك على الدوام، وأفصل له أخبار نشر قصائده المترجمة وأخترع له أسطورة تأثيره على الشعر العراقي المعاصر لعل هذا الشيء يفرحه ويريحه، وكان هو يطلب مني نسخا من الصحف التي أنشر بها قصائده، وعلى الرغم من أنه لايقرأ بالعربية مطلقا، إنما يتكلم العامية العراقية واللهجة البصراوية تحديدا، غير أنه كان يحرص كل الحرص على الحصول على نسخ من تلك الصحف التي تنشر له، وعندما لا أرسل له الصحيفة فقد كان يكتب رسائل طويلة يشرح لي كيف أنه اكتشف كذبتي وحيلتي وبأني لم أنشر قصيدته، فقد كان يتمتع بروح متشككة ومرتابة على الدوام.

فجأة انقطعت أخباره، ولم تصلني منه أية رسالة، وكانت رسائلي التي أرسلها له تعود لي بسبب تغير في العنوان، وفي يوم تعرفت على شابة تعمل في مجلة نسائية في بغداد، ويقطن أهلها في السماوة على مقربة من الشركة البريطانية التي كان تشاندران يعمل بها، فطلبت منها أن تجري تحرياتها واتصالاتها لمعرفة أخبار صديقي الشاعر الهندي، وبعد أسبوعين أخبرتني بأنه انتقل نهائياً إلى بريطانيا، وهو الآن في لندن، ولكن كيف؟ لم تستطع معرفة التفاصيل، وبقي الأمر برمته مجهولا نسبة لي حتى رأيته مرة أخرى في البصرة.

كان ذلك بعد الاحتلال مباشرة، ذهبت لكتابة تقرير عن وضع الصيادين العراقيين في خليج البصرة ومشاكلهم مع البحرية الإيرانية لصالح صحيفة فرنسية، فجأة ناداني شخص من الجيش البريطاني يرتدي بزة عسكرية، بلا لحية ولا شوارب، كان وجهه الهندي مألوفا لدي، قال لي إنه مترجم مع الجيش البريطاني واسمه راجا تشاندران.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    فعلا مقصة مؤثرة يااخي العزيز على البدر.
    نادرا مانسمع مثل هذه القصص التي اندثرت...
    اندمجت مع الحانها وايقاعها الهادي.شرقيه
    تشبه قصة سبع سنوات بالتيبت...ولكن هذه القصه يطغى عليها بهار الخليج
    فالهند والخليج وبريطانيا...سيناريوا كبير وله جذور من ايام الاستعمار الاولى
    والان عادت هذه الايام والاستعمار البريطاني يرجع للبصره.
    انا مااحزنني ان هذا الهندي لم يستطع العيش مع العرب في ارض العرب واستطاع ان يعيش مع البريطانيين في ارض العرب
    لك كل التقدير على هذه القصة التي لو ارسلتها لاذاعة البي بي سي لفازت بالجائزة الكبرى...بدون منافس

    تركي الشلاقي - زائر

    08:28 مساءً 2006/02/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة