زرت طهران مرتين خلال السنوات القليلة الماضية، الأولى كانت عام 2000م والثانية بعدها بعامين وكانت في فبراير من عام 2002، وكانتا الزيارتان ضمن الوفد السعودي المشارك في اجتماعات اللجنة السعودية الإيرانية المشتركة. كانت العلاقات السعودية الإيرانية آنذاك تشهد تحسناً وانفتاحاً في كافة المجالات بعد مرحلة من التأزم والشكوك نتجت عن محاولات تصدير الثورة الإيرانية بعد قيامها عام 1979م ونشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م إضافة إلى استمرار احتلال إيران للجزر التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة في الخليج. ولكن مرحلة التأزم انقشعت بعد أن انتخب الرئيس محمد خاتمي وانتهج سياسة إصلاحية منفتحة على العالم. كانت الأوضاع في تلك الفترة توحي للمراقبين من الخارج بأن حركة الإصلاح والانفتاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي تسير إلى الأمام وأن الشعب الإيراني قد تجاوز مرحلة الشعارات الثورية والخطابات الهوجاء ودخل مرحلة التعمير والتنمية وأنه أصبح أكثر ميلاً نحو الاستفادة من خيرات البلاد ومكتسباتها بدلاً من تصديرها إلى الخارج لدعم الحركات الثورية الراديكالية في العالم.
على الرغم من أن الزيارتين كانتا ضمن وفد رسمي وكان الوفد يحظى باستقبال و اهتمام على مستوى رفيع، إلا أن ذلك لم يحجب محاولة التأمل في وضع الناس في الشارع وفي المؤسسات الاقتصادية والتجارية، إضافة إلى تبادل الأحاديث مع المرافقين لمحاولة التقاط مؤشرات عن توجهات الشعب وأحوالهم ومستوى معيشتهم. لقد كان برنامج الوفد حافلاً بالمقابلات والمفاوضات والزيارات العامة إضافة إلى حفلات الغداء والعشاء التي أقامتها بعض المؤسسات الحكومية والخاصة للوفد السعودي الكبير.
لقد تمت الزيارتان في فصل الشتاء فبدا بعض أجزاء مدينة طهران وبخاصة المناطق الشمالية من العاصمة تكسوها الثلوج البيضاء على سفوح الجبال وكانت الأشجار جرداء في معظمها. المدينة في ظاهرها لا تختلف عن عواصم العالم العربي والإسلامي الكبيرة فالفوضى المرورية لا تختلف كثيراً والأسواق تعج بالباعة في محلات تقليدية مزدحمة والمقاهي تنتشر هنا وهناك. كانت مظاهر الالتزام بقيم الثورة الإسلامية وشعاراتها بادياً على السطح، وكانت أبرز مظاهر الالتزام الخارجي هو اللحى الخفيفة التي يحرص الرجال على الاحتفاظ بها، إضافة إلى عدم لبس (الكرافتة) حتى من قبل المسؤولين الرسميين وذلك في إشارة إلى رفض واحد من مظاهر اللباس الغربي، أما بالنسبة للنساء فكان الالتزام بالحجاب (دون تغطية الوجه) والملابس السوداء الساترة فرض واجب سواء أكانت النسوة في الشوارع أو في قاعات الاجتماعات أو في الحافلات، ومع ذلك فإن محاولات التخفف من ذلك التشدد كانت واضحة أيضاً في الشارع من قبل بعض النساء. ويمكن القول إن التدين الإيراني لم يمنع المرأة من المشاركة مع الرجل جنباً إلى جنب في الاجتماعات وفي ميدان العمل وفي قاعات الدراسة.
كان واضحاً أيضاً أن الحكومة الإيرانية تخطط للنهوض بالبلاد اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً بعد سنوات من العزلة.. فكانت هناك حركة لا تهدأ من البناء والعمل، فالمصانع على الرغم من افتقارها للتقنيات الحديثة، إلا أنها تعمل بطاقة جبارة، فقد أتيح للوفد زيارة مصنع للسيارات والحافلات في طهران ينتج كافة أجزاء المركبات، وكان مصنع الحديد والصلب في أصفهان يعمل بكامل طاقته لتلبية احتياجات البناء والتعمير، وكانت مصانع السجاد الإيراني تعتبر مفخرة بدقة صناعاتها وجودتها المعروفة. الناس مشغولون بحياتهم المعيشية في الأسواق والمطاعم والشوارع المكتظة، فالنمو السكاني يعتبر مرتفعاً في إيران بشكل عام وتستقطب طهران نسبة كبيرة من الإيرانيين الباحثين عن فرص العمل والتعليم، والبطالة كانت مرتفعة أيضاً وتسبب مشكلات كثيرة اقتصادياً واجتماعياً، وكان ذلك واضحاً عندما طرح وزير العمل الإيراني آنذاك بإصرار كبير موضوع تسهيل استقدام العمالة الإيرانية إلى المملكة للعمل في شتى المجالات.
وعلى الرغم من عدم إمكانية تقديم رصد دقيق للتطورات على الناحية الاجتماعية وحياة السكان، إلا أن مظاهر الرغبة في الاستمتاع بالحياة كان واضحاً من خلال السماح باقتناء وسائل الاستقبال التلفزيوني الفضائي، وكذلك البذخ الواضح في واحد من احتفالات الزواج الذي أقيم في الفندق الذي كان ينزل فيه الوفد، إضافة إلى استمتاع الشباب بالجلوس في المقاهي وتدخين النارجيلة. وعند مشاهدة واحد من تلك المظاهر ونحن نتجول مساء في مدينة أصفهان بالقرب من أحد الجسور القديمة على النهر الذي يقسم المدينة الى قسمين، سألت أحد المرافقين الإيرانيين الذي كان يتحدث العربية بطلاقة عن الفرق بين حياة الناس في بدايات الثورة وعن حياتهم الآن، قال لي على الرغم من أن الثورة كانت تمثل انقلاباً ليس سياسياً فحسب بل ثقافياً واجتماعياً، إلا أن الناس هم الناس، فغالبية الشعب الإيراني يريد أن يعيش حياة طبيعية هانئة وسعيدة بعيداً عن تعقيدات السياسة والشعارات التي لا تطعم طفلاً ولا شاباً..قلت: ولكن الثورة فرضت على الشعب مظاهر خارجية قاسية ويصعب على الناس مخالفتها. أجاب: كما قلت لك الناس هم الناس ومن الصعب حتى على الثورات العميقة كالتي حصلت في إيران أن تغير طبيعة الناس ويمكن أن ألخص الفرق في حياة الناس قبل الثورة وبعدها بمايلي: كان الناس قبل الثورة يؤدون صلواتهم في منازلهم ويرقصون في الخارج، أما الآن فالعكس.. فالناس يؤدون صلواتهم في الخارج ويرقصون في المنازل..
وعلى الرغم من ازدحام برنامج الوفد الرسمي إلا أن الفرصة أتيحت لبعض الأعضاء للقيام بزيارات خاصة حسب اهتماماتهم، فرجال الأعمال تمكنوا من زيارة بعض المؤسسات الاقتصادية والتجارية وأقامت لهم غرفة تجارة طهران برنامجاً حافلاً أما أنا فقد حرصت مع بعض الأعضاء لزيارة بعض المؤسسات التعليمية والبحثية، منها زيارة لمركز متقدم لتعليم تقنيات الحاسب الآلي في قلب العاصمة، ومنها زيارة جامعة طهران التي رافقني إليها أحد زملائي من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية حيث اطلعنا على بعض مرافق الجامعة، وقمنا بزيارة لمركز الأبحاث النووية في الجامعة، الذي يضم منشآت لمفاعل نووي انشئ في عصر الشاه ولم يستكمل تجهيزه بسبب الحظر الذي فرض على ايران بعد قيام الثورة، ولكن المفاعل جرى تشغيله لصناعة منتجات تقنية تستخدم في مجال الطب النووي. وعلى الرغم من عدم معرفتي بتفاصيل تلك التقنيات المعقدة، إلا أنه سمح لنا بالدخول إلى الأماكن التي تشرف على مياه التبريد للمفاعل بعد أن ارتدينا ملابس خاصة ورأينا كيف أن العلماء الإيرانيين الذين تعلم معظمهم في الغرب يجتهدون في الاستفادة من تلك التقنيات وتطويرها وتدريب الباحثين والدارسين في تلك التخصصات. وتحدثنا مع بعض المسؤولين الذين كانوا حريصين على التأكيد على أهمية تمكن العلماء المسلمين من تطوير واستخدام تلك التقنيات لأغراض سلمية.
بعد تلك الزيارتين أصبحت أتابع ما يتعلق بالشأن الإيراني كلما لاح في الأفق أزمة جديدة للعلاقات الإيرانية مع العالم الخارجي. وكان السؤال الأهم الذي طرح نفسه في الشهور الماضية هو: لماذا اتجهت إيران من جديد نحو المحافظين؟ هل المسألة تتعلق بتوجه شعبي عميق رأى أن مسيرة الإصلاح والتغيير تجاوزت خطوط الثورة وقيم المجتمع، أم أن المسألة لا تتجاوز اقتناص المحافظين الأقوياء للظروف الإقليمية والدولية فقفزوا إلى السلطة عبر بوابة الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟والأسئلة الأخرى المهمة أيضاً تتوالى: هل يستطيع المحافظون الجدد أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء وتعود شعارات تصدير الثورة، وإيران القوية إقليمياً لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة؟ وكيف سيكون وضع المنطقة في ظل التصعيد لمواجهة الملف النووي الإيراني الخطير، في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين وعزلة سوريا والخناق على حزب الله في لبنان والتطورات المهمة في الأراضي الفلسطينية؟ والسؤال المهم لنا في دول الخليج: هل نملك استراتيجية للتعامل مع إيران نووية إذا تمكنت حكومة المحافظين الجدد في طهران من خداع المجتمع الدولي وأعلنت فجأة امتلاكها للسلاح النووي؟