الرئيسية > مقالات اليوم

ممارسة السياسة شأن مدني خالص (2 - 2)


يوسف أبا الخيل

من نافلة القول أن مثل هذه الشمولية لا تختص بها قومية معينة أو دين بعينه، ولكن العبرة تكمن في النهاية في قدرة المجتمع من خلال تجاوز مرحلة تزييف وعيه ومن ثم عبور ذلك الوهم الأيديولوجي عبر الإيمان المطلق بنسبية السياسة ووضعيتها ومن ثم تعرضها للتغير والتبدل وفقاً لقوانين الاجتماع البشري وليس ثباتها المتوهم وفقاً لما يعرف بمفهوم الحق الإلهي في الحكم، الغرب مثلاً لم يتخلص من وهم الشمولية والأيديولوجيات الدينية إلا في عصر النهضة والإصلاح الديني عندما تم له موضعة السياسة داخل دائرة العمران البشري أو إنزالها من السماء إلى الأرض، ومن ثم أصبح أي زعيم أو متنافس سياسي في الغرب لا يمكن له أن يزعم أن ديناً بعينه هو الحل، لأنه يعرف أنه لن يكون ذلك مقبولاً من قبل عقلية آمنت بقوانين العقل المعتمدة على قوانين الاجتماع البشري كآلية لتقويم معطيات ونتائج البرامج السياسية بعيداً عن هلامية الشعارات البراقة - الدينية خاصة- التي ودعتها أوروبا والغرب عموماً مع توطن إفرازات عصر التنوير هناك على أكتاف فلاسفة ذلك العصر.

أما في ثقافتنا العربية - والممارسة السياسية جزءٌ منها - فلا زالت الأيديولوجية الشمولية - الدينية منها بالذات - تلعب دوراً رئيسياً في مفاصل السياسة، والمشكلة هنا تأتي من أن تضليل السياسة بعباءة الدين لا بد له وأن يلعب على إثارة العواطف الجياشة بالنهل من مكونات التراث البعيدة كل البعد عن قوانين العقل التي لا تمكنها العمل إلا مع ما يتفق مع قوانين العمران البشري، في القديم العربي لعب شعار «قميص عثمان» دوراً بارزاً ورئيسياً في بعث العصبية القبلية بكل محفزاتها وآثارها ضداً على حكم شوروي، أما في الراهن العربي فالوضع فيما يخص أدلجة السياسة بالاعتماد على عناصر تراثية ممعنة في اللاعقلانية تلهب عواطف البسطاء والديماغوغيين لا يختلف كثيراً عن ذلك الماضي السحيق الذي كان الناس فيه يضجون بالبكاء والنحيب فور تعليق ذلك القميص بجوار منبر الجمعة، استخدام العناصر التراثية الفضفاضة المغرية تم قبل أيام قليلة على يد زعيم التيار الصدري في العراق مؤخراً عندما صرح بأن «القوات الأمريكية لم تأت إلى العراق لتحرير السنة أو الشيعة من طغيان صدام حسين، بل من أجل الإمام المهدي لعلم الأمريكيين بأنه سيخرج من العراق» ولو أنه قال انهم جاءوا من أجل النفط أو من أجل تغيير موازين القوى في المنطقة أو من أجل مصالحهم الخاصة لكان له مصداقية من نوعٍ ما باعتبار أن تلك التبريرات تدخل في الوضعي الإجتماعي، ولكنها لا تكسبه دفعة سياسية يتمناها مثلما لو لعب على وتر التراثات الدينية المقدسة مهما كانت بعيدة عن ملامسة رباط العقل، نفس المنطق الشمولي استخدمه الإخوان المسلمون في الانتخابات المصرية الأخيرة عندما دخلوها مستظلين بشعارهم المعروف «الإسلام هو الحل» ولو سألتهم عن أي تأويل إسلامي يقصدون لما حصلت على إجابة مقنعة، ولو سألتهم أيضاً عن وضع الأقليات تحت هذا الشعار أوهل أن لتلك الأقليات الحق في استخدام مثل هذا الشعار الديني في حملاتها الانتخابية خاصة في بلد إسلامي مثل مصر لما رأيت إلا إجابات ديماغوغية لا يمكن أن يقتنع بها من يرفعها ناهيك عن من ترفع له، ويبقى القول بأنه لاخيار في مجال السياسة الإسلامية إلا استخدام المنطق الذي أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم في وجه مؤسلمي السياسة عندما أعلنها مدوية بقوله (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) وهو منطق مدني على أية حال لا يرتجى قميص عثمان من جهة كما لا يستدعي حضور المهدي من جهة أخرى.

AbalkheiL@alriyadh.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة