الرئيسية > مقالات اليوم

على هامش فوز حماس الإسلام السياسي والأمن القومي من منظور مختلف (2)


محـمـد محــفــوظ

وبإمكاننا أن نحدد بعض الآثار المترتبة على سيادة هذا النهج في الواقع العربي في النقاط التالية :

1) سيادة ثقافة الأنا المتعالية على غيرها، والتي لا ترى في الوجود إلا مصالحها وتطلعاتها الخاصة . فداء الاختزال يؤدي إلى طغيان الأنا وجعل تصوراتها وتطلعاتها هي المشروعة، وما عداها خارج هذا النطاق .

ولعل نهج الاختزال على المستوى التاريخي والحضاري، هو الذي دفع بالعالم الأوروبي، إلى بلورة نظرية المركزية الأوروبية، التي تزرع لدى الأوروبي شعورا متضخما في حب الذات ومصالحها، وأن الأوروبي على حد تعبير (فيصل دراج) يعتمد على تقدمه ويلغي ماعداه أي يبدأ بخلق الآخر خلقا زائفا، يستند على تقدمه، ويخلق التخلف ويتكئ على حضارته وينجب البربرية، يخلق الظواهر كلها، عن طريق التسمية واللغة المسلحة، وعندها فإن المدافع الأوروبية، لا تؤمن مصالح التمدن .

فلا مكان للمتعدد والاختلاف، إلا إذا كان الأخير وسيلة للإذعان والخضوع فيتم اختزال التاريخ الإنساني إلى تاريخ المشروع الأوروبي المنتصر .

وكتب مؤلف (تصفية استعمار العقل) : الادعاءات الاستعمارية بتحرير الأفريقي من الخرافة والجهل وروع الطبيعة، كانت نتيجتها في الغالب تعميق جهله وزيادة معتقداته الخرافية ومضاعفة روعه إزاء السيد الجديد ذي السوط والبندقية، الأفريقي وخاصة خريج المدرسة الكولونية هو أكثر انتسابا إلى الإنجيل بتفسيره الفانتازي لخلق الكون ورؤاه عن القيامة وصوره المفزعة عن الجحيم واللعنة بحق الخاطئين تجاه النظام الاستعماري منه إلى الرواية بتحليلها الدقيق للدافع في الشخصية والحدث وافتراضها العام : أن العالم الذي نعيشه ممكن الفهم، فالاختزالية في الإطار الثقافي، تؤدي إلى سيادة النزعة الفردية الضيقة، التي لا ترى إلا مسلماتها العقدية والفكرية وتسعى (إن كانت لها الغلبة) إلى نفي وإقصاء الثقافات الأخرى .

2) أن الحيوية الاجتماعية القائمة على التنوع المحمود في الدائرة الاجتماعية، تبدأ بالأفول والتقلص، حينما يطغى خطاب الاختزال، وتسود آلياته في المحيط الاجتماعي .

وذلك لأن الحيوية والفاعلية الاجتماعية، وحتى تستمر في حركتها التصاعدية، هي بحاجة إلى خطاب راشد، يتعاطى بشكل إيجابي مع تنوعات المجتمع الطبيعية، والتي تشكل ثروة إنسانية حقيقية .

ولكن حينما يسود خطاب الاختزال وآلياته، يتم القضاء التدريجي على هذه الثروة، وتحل الرتابة والسكون، محل الحيوية والفاعلية .

ولعل هذا ما يفسر لنا سكونية المجتمع العربي في العصر الحديث، وعدم تفاعله الخلاق مع كل موجبات التطوير والإصلاح، لأنه لم ينفتح على رحابة التنوع، الذي تتضمنه جغرافيته الإنسانية .

3) إن داء الاختزال، يؤدي إلى شيوع حالة الشيزوفرينيا والازدواجية في حياة الإنسان الفرد والمجتمع، لأن الاختزال كنمط قسري في تغييب الفروقات الإنسانية الطبيعية، لا يؤدي إلى إنهائها التام من الوجود والتأثير . وإنما يؤدي إلى ضمورها واختفائها، مما يجعلها تتحين الفرص المؤاتية، لإبراز مكنونها ومضمونها . وهذا هو بداية سيادة حالة الفصام والازدواجية في الحياة الخاصة والعامة .

وجماع القول في هذه المسألة : أن الاختزال وتداعياته الشاملة، هو الداء العميق الذي يعاني منه الفكر والمجتمع العربيان، ويميت كل فاعلية اجتماعية .

ولعلنا لو تعمقنا في كل تجارب النهوض العربي في العصر الحديث، سنكتشف أن مشكلة الاختزال بكل تداعياتها ومستوياتها، ساهمت بشكل كبير في إفشال تلك التجارب، وعمقت عوامل الاسترخاء في الجسد العربي . ولا ريب أن التعاطي الأمني مع ظاهرة الإسلام السياسي، وعدم الاعتراف بها اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، ساهم في لجوء الطرفين (الحكومات والحركات الإسلامية) إلى الانخراط في نفق المواجهات المفتوحة، مما كلف الواقع والأمن العربيين الكثير من المخاطر والخسائر . ونحن نرى أن استمرار النخب العربية السائدة في التعاطي مع هذه الظاهرة والحقيقة وفق متطلبات المفهوم الضيق والآني للأمن، هو المسؤول عن الكثير من المواجهات .

أبانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اننا جميعا بحاجة أن نعيد صياغة علاقتنا مع القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية المتوفرة في الساحة . وان عمليات العنف والإقصاء التي تمارسها النخب السائدة ضد القوى السياسية الجديدة، يساهم بشكل رئيسي في تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويصحر الحياة العربية السياسية والثقافية، ويدفع بالأمور إلى صدامات لا تخدم الاستقرار والتنمية في العالمين العربي والإسلامي .

وإن بروز نزعات التطرف والتشدد، ليس فقط وليد القراءة المتزمتة للدين، بل هو أيضا وليد المناخ السياسي والثقافي الذي تعمل فيه هذه الحركات .. لذلك نجد حينما نتأمل بعمق في مسيرة الحركات السياسية الإسلامية في العديد من الدول ان الأنظمة والحكومات التي فسحت للقوى السياسية المتوفرة في الساحة للعمل والنشاط القانوني، واعترفت بكل التيارات السياسية، نجد أن مستوى الاستقرار وضمور نزعات التطرف والتشدد في التيارات السياسية بارز . بعكس الدول التي منعت التيارات والأحزاب من العمل السياسي العلني والقانوني، وتعاملت مع هذه الظاهرة برؤية أمنية بحتة، نجد في هذه التجارب أن نزعات التشدد والتطرف تبرز وتعبر عن نفسها بوسائل مختلفة وذلك لأنه رد فعل طبيعي لقمع الأنظمة وتصفيتها سياسيا واجتماعيا .

ويأخذ التعامل الأمني مع الظاهرة الإسلامية الحديثة صورا شتى منها :

٭ التضييق والتعسف الذي يطال رموز وكوادر هذه الظاهرة المعاصرة، والتعامل معهم على قاعدة (متهم حتى تثبت براءته) . والتضييق يبدأ بالمنع من ممارسة دوره وحياته العامة، مرورا بإخضاعه إلى مراقبة أمنية دقيقة لإرباكه وزرع الخوف والهلع في نفسه ونفوس المحيطين به، وانتهاء بالاعتقال التعسفي بدون مبررات قانونية .

٭ عدم الاعتراف القانوني والسياسي للتشكيلات الحديثة لهذه الظاهرة، والعمل على منع أي عمل جماعي أو مؤسسي، يعبر عن توجهات هذه الظاهرة .

٭ الانخراط والاندراج في حرب أمنية وسياسية وثقافية مع هذه الظاهرة ورموزها وكوادرها . ويبدأ هذا الانخراط في المنع والتضييق بكل أشكاله، مرورا باجهاض أي نشاط ثقافي أو سياسي تقوم به هذه الجماعات وممارسة حروب الأوراق الصفراء ضد مشروعاتها وشخصياتها . ولا تنتهي هذه القائمة إلا بمواجهة حاسمة وغير متكافئة مع هذه الظاهرة ..

فالتعامل الرسمي في العديد من البلدان العربية مع ظاهرة الإسلام السياسي، هو تعامل ظالم وعنيف واستئصالي، ويسعى وفق مخطط مدروس ومرسوم إلى اجتثاث هذه الظاهرة من الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي للوطن والأمة .

وبفعل هذا النمط من التعامل ومسوغاته الأمنية والسياسية، تم إرساء دعائم الدولة الاستبدادية المطلقة، التي تغّولت في كل مجالات الحياة، وألغت أو تحكمت في كل مؤسسات المجتمع الأهلي . ومارس بعض المثقفين في هذا الإطار دورا خبيثا وخطيرا، حيث برر للسلطة نهجها الأمني والاستئصالي، وسوغ للجميع النهج الاستبدادي الذي أرست دعائمه وحقائقه الدولة في المجال العربي .

ولا بد من الإدراك في هذا الإطار، أن التعامل العنفي والإقصائي مع ظاهرة الإسلام السياسي، والاسناد الذي توفر لهذا التعامل من قبل بعض النخب الإعلامية والثقافية قد ساهم في هيمنة الدولة وتكريس نهج الإلغاء الذي وصل إلى جميع الأطراف والمجالات .

وإن إقصاء تعبيرات الإسلام السياسي من الحياة السياسية والعامة، له الأثر الكبير في استمرار المآزق السياسية والاجتماعية في الواقع العربي، وذلك لأن عملية الإقصاء المذكورة، أفضت إلى توترات مجتمعية وسياسية، وأدخلت الجميع في دهليز المعالجة الأمنية للمشكلات السياسية والاجتماعية القائمة .

والمعالجات الأمنية بطبعها والآليات المستخدمة فيها، تؤدي إلى توتير الأجواء وتفاقم الأزمات والمشكلات، والدخول في متاهات الحروب الداخلية المميتة لكل حيوية وحياة . وإن شرط الخروج من هذه المآزق هو «النجاح في إقامة دول ديمقراطية يمثل شرطا للخروج من الأزمة العربية، إلا أن العلاقة بين الدولة وما يسمى بالمجتمع المدني، وتعبيراته ماتزال تثير الكثير من الجدل، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تحرير المجتمع من طغيان الدولة، من جهة، والخطورة الكامنة في الدعوات والمساعي الرامية - بالتجاوب مع ظرف دولي مؤات وبحجة تفعيل دور المجتمع - إلى إضعاف دور الدولة العربية والانتقاص من سيادتها وتحريرها من وظائفها، ولا سيما في ميدان التنمية والضبط الاجتماعي». (راجع ندوة تجديد الفكر السياسي من أجل التغيير. ص 156) .

ولا ريب أن تحقيق النمط المؤسسي في إدارة أمورنا المختلفة، ليس بالأمر السهل واليسير، بل هو يحتاج إلى الكثير من الجهود المتنوعة، التي ترسي بعد زمن قواعد المؤسسة في واقعنا الاجتماعي، وتوجد نوعا من المواءمة الواعية بين ضرورة المؤسسة في إدارة شؤوننا وأمورنا، وبين هامش الحرية الذي ينبغي أن يتاح للفرد ومبادراته . وإن رفع هذه الهواجس، لا يتم إلا بتدشين حياة سياسية جديدة تشارك فيها كل القوى والفعاليات بدون إستثناء، في إطار دستوري وقانوني، يكفل للجميع هذه الممارسة، ويمنع كل التعديات والحقائق التي تعرقل سيادة القانون والديمقراطية . فلا ديموقراطية بدون حياة حزبية وسياسية فاعلة، تطرد حالة الجمود وتستوعب تحولات المجتمع ومتغيراته، وترفد الواقع بالخطط والاستراتيجيات الواقعية والكوادر البشرية القادرة على ترجمة التطلعات وإنجاز الوعود .

وأكرر القول هنا، ان الديمقراطية ليست حلا سحريا لكل مآزقنا ومشاكلنا، ولكنه لا يمكن أن تكون هناك تحولات وتغييرات حقيقية بدون الديمقراطية التي لا تستثني أحدا، ولا تمارس عملية الإقصاء والنفي تحت أي مبرر ودعوى .

وإن توفر الخصوصيات في أي مجتمع أو بيئة اجتماعية، لا يلغي أهمية مشاركة الناس في تقرير مصيرهم وإدارة راهنهم وصياغة مستقبلهم، عبر أطر ومؤسسات تستوعب الجميع وتعطي حق المشاركة للجميع على قدم المساواة مع الآخرين .

لذلك فإننا بحاجة إلى أن نبلور خطابا ثقافيا متكاملا، يبلور الإمكانات المتاحة في فضائنا المعرفي، للانتقال من نمط الاختزال في العقلية الاجتماعية، إلى نمط العقل الجمعي في التفكير وإدارة الأمور .

وهذا بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الاختلاف، فهو حالة طبيعية ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني . إذ اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس مختلفين متباينين في قدراتهم الفكرية، وفي أمزجتهم وأذواقهم، فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وفهومهم . ويعطي هذا الاختلاف والتنوع للحياة مظهر التجدد، ويبعدها عن التكرار والرتابة، ويمكن من تنويع الإنتاج الإنساني، ومن تكثير الصور الفكرية للموضوع الواحد . ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع إيجابيا ومفيدا ما دام نابعا عن تلك الفروق الفطرية، وعن التباين الموضوعي في البحث عن الحق . وبهذا فإن الاختلاف في حدوده الطبيعية، هو أصل الوحدة، ومنبع التقدم والتطور، وما علينا إلا أن ننزع من أذهاننا روح التشاؤم، ونعمق روح الثقة بالعقل والإنسان عندئذ يصبح الحوار - ونحن مختلفون - ممكنا، ويصبح الاحترام المتبادل شرطا لاستمرار هذا الحوار . فالاختلاف الذي يسمح به الشرع، هو نتيجة طبيعية ومنطقية لمشروعية الاجتهاد، لأنه من المستحيل القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف أنظار المجتهدين .

ولكننا في الوقت الذي نعتبر فيه أن الاختلاف حالة طبيعية مرتبطة بالوجود الإنساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه ب (الاختلاف من أجل الاختلاف)، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار، ويبقى كل منها منغلقا على ذاته رافضا للآخر، كل منها يشكل عصبية لا تقبل التعايش والحوار، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف .

لذا فإننا نرفض هذه الأشكال من الاختلاف، لأنها تؤدي إلى الفوضى في النظام الاجتماعي العام، لأن الاختلاف بهذه الأشكال، وبالعقلية التي تقف وراءه يفرز روح التشرذم والتشتت والتعصب، لأنهم يتشددون في تمسكهم بما تأدى إليه اجتهادهم، وما داموا يرون أن ما عندهم هو الحق الذي لا خلاف فيه، وإن ما عند مخالفهم هو الباطل الذي لا خلاف فيه، وعلى أساسه يرسمون مواقع جديدة تستنزف جهودهم وطاقاتهم .

إذ يتصورون أن مخالفهم يجب أن يكون موضوع دعوتهم وإرشادهم، فيجعلون الأوكد من عملهم زحزحته عما هو عليه من رأي، هو أيضا وليد اجتهاد ونتيجة نظر في الأدلة الشرعية . لذلك فليس المطلوب أن تتطابق وجهات نظرنا جميعا في كل شيء ولكن المطلوب، هو بقاء التعاون واستمرار المحبة والود وألا نسحب اختلافنا في حقل من حقول الحياة إلى بقية الحقول والجوانب .

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة