الرئيسية > الرأي

مادة الحب



فهد بن حسن المقرن ٭

إن لنبي الله صلى الله عليه وسلم مكانة كبيرة، وحباً عميقاً في سويداء قلب كل مسلم. هذا الحب في حقيقته حب متجذر في النفوس، وليس عاطفة ساذجة أو إعجاباً مبهماً، أو حب ادعاء إنه عقيدة مؤسسة في القلوب، راسخة في الوجدان برهانها الإتباع والطاعة والانقياد والاستسلام. اتباع يذكي تلك المشاعر الفياضة من الحب فتتحرق النفوس شوقاً للقيادة وتجهد الأجساد لموافقة أفعاله صلى الله عليه وسلم مستشعراً المسلم قوله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده» فتخفق حينها القلوب إجلالاً لهذا النبي الذي هو سبب نجاتنا من الضلال المبين كما قال الله عز وجل «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين».

إن العالم الغربي والشرقي في عصر العولمة وعصر القرية الواحدة لم يفقه إلى الآن هذه العلاقة الوطيدة التي تربط هذه الأمة بقائدها، لم يفهم ولم يستوعب هذا الحب المتبادل بين الأمة حكاماً ومحكومين، وبين هذا الرسول الأمي الغائب بجسده الحاضر في أذهان محبيه.

إن الأمة حين تحب نبيها صلى الله عليه وسلم فليست ملامة فمشاهد الحب والرحمة منه مع أمته لا تقاس ولا تنتهي... لم نغب يوماً عن ذاكرته، ولا عن يومه وليله، حتى في أحلك الظروف وأقساها يذكر أمته ويخشى عليها. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود من الطائف مهموماً مكلوماً مردوداً ولم يفق إلا وهو بقرن الثعالب وإذا بجبرائيل يستأذنه بأن ملك الجبال معه ويطلب منه أن يأمره بما شاء. في هذه اللحظة الحاسمة والتي يحلو فيها الانتقام تتحرك نفسه حباً وخوفاً على أمته فيرفض أن يطبق عليهم ملك الجبال الأخشبين والعلة «عل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» وهذا يوم أحد وقد كسرت رباعيته وشجت جبهته وقتل أصحابه من حوله وفقد عمه وما نسي أمته وجعل يمسح الدم عن جبينه ويتوجه إلى الله ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وهاهو بعدما أخرجه قومه من وطنه وأهله وأحبائه وذكريات صباه يرتد بصره إلى موطنه مكة ناظراً إليه نظرة كلها حزن وحيرة، نظرة المواطن الذي حرم وطنه ظلماً وعدواناً فيقول والأسى يعصر قلبه ويحطم فؤاده إنك أحب أرض الله إلي! ولولا قومك أخرجوني لما خرجت... وبعد سنين من الإبعاد والنفي والمكائد والحروب... يعود مظفراً ليقول لهم ماذا تراني فاعل بكم... لا تثريب عليكم اليوم... اذهبوا فأنتم الطلقاء!

بل تأمل معي أخي كيف فضل واختار صلوات ربي وسلامه تأخير دعوته المجابة ليوم القيامة ليشفع لأمته في وقت أحوج ما تكون أمته لهذه الدعوة. ففيما اتفق عليه الشيخان يقول صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً) متفق عليه.

وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم خطب على المنبر فتلا قول الله عز وجل على لسان إبراهيم «فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم» وتلا قول الله على لسان نبيه عيسى «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» تلا نبي الله هذه الآيات ورفع يديه حتى رؤيا بياض أبطيه وجعل ينادي ربه ويبكي ويقول «اللهم! أمتي أمتي» لم يقل أبنائي، لم يقل أصحابي، لم يقل أهلي، قال أمتي. فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال. وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.

أنلام أيها الكرام في هذه المحبة وقد أحبه كل شيء حتى البهائم العجماوات والجمادات فهاهي هديه من الإبل في حجة الوداع تتدافع وتتسابق أيها يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً ويحظى بالنحر من يده الشريفة، وها هو يدخل يوماً مع بعض أصحابه حائطاً من حيطان الأنصار، فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه، فسمح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته وذفراه فمسح عليه فسكن، فقال صلى الله عليه وسلم: «من صاحب الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار قال: هو لي يا رسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكها الله لك إنه شكا إليّ انك تجيعه وتدئبه» أي تواصل العمل عليه بدون انقطاع.

وأما مشاهد حب الجمادات له فكثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم جبل أحد جبل يحبنا ونحبه. وجذع النخلة الذي يئن كما يئن من أصابه فقد أو مكروه!! فينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع أنين الجذع فيمسحه بيده فسكن ثم يرجع إلى المنبر.

إذا كان هذا في حق البهائم والجمادات فكيف بالمؤمن الذي عرف حقيقة الوجود وعرف حقيقته وكينونته من خلال النبي صلى الله عليه وسلم فلو ذابت القلوب ألماً وتفطرا على حبه صلى الله عليه وسلم لما كانت ملامة.

أيها الكرام هذا هو نبينا، وهذه جزء من سيرته، وهذا هو حبنا له وإيماننا به ومتابعتنا له، ولن نقبل أن ينال منه أحد نقول ذلك في وقت وجّه فيه أدعياء الحرية ومناشدو حوار الأديان وقبول الآخر سهامهم استهزاء وسخرية بسيد البشر ومعلمهم الذي كرس كل حياته لتبليغ رسالة الرحمة والهداية للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

إن هذه المحاولات من التشويه والسخرية والاستهزاء والأكاذيب إنما هي دليل على استيقاظ فج للتعصب الديني في نفوس أولئك مما سينذر بإساءة إلى العلاقات بين الشعوب، وبث بذور الكراهية، وإذكاء أجواء الصراع، وإثارة أبشع صور البغضاء بين الناس. في قرن اتهم فيه المسلمون بالإقصاء وبكره الآخر ورفعت شعارات التسامح واللاتعصب فمن يا ترى المتهم بالإقصاء؟! ومن المتهم بكره وبغض الآخر؟! ومن المدعو للتسامح واللاتعصب؟! فهل من مدكر؟!

وسبحان الحكيم الخبير فرب ضارة نافعة ولعلنا حينما نتأمل هذه الحادثة الأليمة والتي كدرت صفو حياتنا وعصرت قلوبنا نجد دروساً عديدة منها:

أولاً - أن هذه الأمة بكل مذاهبها وطوائفها ومشاربها وفي زمن العولمة اجتمعت على كلمة واحدة وموقف مشترك فهم أتباع هذا النبي وأتباع هذا الدين والعدو واحد والهدف مشترك.

ثانياً - من حق كل مواطن في هذا البلد المبارك أن يعبر عن فرحته العامرة وسعادته الغامرة بالدور الريادي لبلاد الحرمين حكاماً ومحكومين في نصرة نبينا محمد والذب عنه ومقاطعة من تجرأ عليه وما تبع ذلك من الدول الإسلامية والعربية حكاماً وشعوباً.

ثالثاً - أظهرت هذه الواقعة عظم أثر الإعلام المرئي والمسموع والمقروء بخيره وشره، مما يؤكد على المسلمين المقتدرين سواء بالمال أو بالمواهب استغلال هذه الوسيلة في خدمة الأمة والدفاع عن قضاياها.

رابعاً - من المؤسف ما نسمعه في وسائل الإعلام من ردود أفعال غير مسؤولة تجاه هذه القضية ونحن ندعو إخواننا المسلمين في أقطار الأرض إلى ضبط العواطف والمشاعر والسير في الموضوع بتؤدة وروية وحكمة والرجوع إلى أهل العقد والحل. فنصرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دين يتقرب به إلى ربنا أما جانب المصطفى فمحفوظ، وجنابه منصور. {إنا كفيناك المستهزئين}.

اللهم وفقنا إلى الذود والدفاع عن الرسول وعن شريعته، حتى نرد حوضه المورود ويسقينا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً.

٭ مدير مركز الإشراف التربوي بغرب الرياض

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة