الرئيسية > الرأي

كيف نحوز على حصانة الهولوكست؟


د. أمجد عاطف شحاته

قد لا ينبغي أن نقارن حقيقة دامغة مثل حقيقة الدين الإسلامي وثوابته بقضية يعتريها الكثير من الشك أو التهويل مثل قضية تعذيب اليهود في عصور النازيه، لكن هذا التساؤل هو ذاته الذي يدفعنا للخوض في الكيفية التي نجح فيها اليهود في إثبات الزيف وفشلنا نحن في إثبات الحقيقة.

وإن التداعيات الناتجة عن إهانة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الصحف الدانماركية والطريقة التي تفاعل بها المسلمون على المستويين الشعبي والرسمي فتحت الباب على مصراعيه أمام خيار حتمي ألا وهو مراجعة الرصيد المتراكم من العمل الإسلامي والإعلامي، وأيضاً مراجعة المنهج الذي نتفاعل به مع الأحداث.

وإذا كان دفاعنا عن معتقداتنا هو بمثابة الذود عن هويتنا وكينونتنا، إضافة إلى كونه واجباً دينياً، إلا أن الأمر لا يخلو من اعتراف ضمني بالتقصير المتراكم على مدى سنوات طوال لم نخط فيها خطوات فاعلة لكي نعرض للآخر بضاعتنا.

وإنه لمن المحبط أن ينظر الإنسان خلفه ليجد أنه مع مرور كل هذه السنين التي امتلك فيها المسلمون وسائل مادية وبشرية تمكنه من فتح نافذة يطل منها الآخر على واقع مشرف للإنسان المسلم، إلا أننا رغم كل ما أوتينا من مفاتح القوة لم نوفق في اجتياز حاجز الإقليمية الثقافية والدينية ولم نتبن خططاً طموحه لاختراق ثقافة الآخر البعيد.

ونحن العرب نتصف بكم هائل من النزيف المعنوي والإنشطار العاطفي تجاه الأحداث، وإن كان القليل من التعاطي المعنوي مع الحدث مطلوباً، إلا أننا لابد أن نفسح المجال للفكرة والمنهج كي يستطيعا أن يزيحا من عقل الآخر بعض أو كل المآخذ السلبية علينا، ويجب أن نعترف بحقيقة واقعة أنه إذا أخذ الآخرون عليك الكثير من النقد فلا تنشغل بإلقاء اللوم عليهم بقدر ينسيك مراجعة خطواتك التي قد تكون قد زلت عن الطريق المنشود.

والمتأمل لذلك الرصيد الدامي الذي خلفته أحداث جسام مثل الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من أحداث مدريد ولندن، قد يجد عذراً لدى الغرب المعاصر لكي يضمروا شيئاً من الحنق خاصة في زمن خلت فيه الاحداث من أية إرهاصات إيجابية للشعوب الإسلامية، لأننا ببساطة تركنا الساحة خالية تماماً من أي عمل منظم ومنهج موثق اللهم إلا بعض العبرات التي نطلقها حيناً كلما هوجم الإسلام والمسلمون.

وقد تبدو مقاطعة البضائع والمنتجات رد فعل مريح يوحي بالثأر من الآخر المعتدي، ولكن دعونا نتأمل هذا السلاح الذي قصدنا للدفاع عن قضية فكرية مثل إهانة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ودعونا نفترض أن الجريدة المعنية تراجعت عن نشر مثل هذه الإهانات تحت تأثير المقاطعة والخسائر المادية، ولكن هل تغيرت الأفكار الكامنة وراء هذه الإهانة للدين الإسلامي؟ وهل محيت تلك الصورة الرديئة التي إرتسمت في عقول القراء عن الإسلام ورسوله؟ وهل نحن راضون كمسلمين بهذا الإعتذار وانه نهاية المطاف؟

لماذا نقصد دوماً طريقاً لرد الفعل غير طريق الفعل ذاته، أليس قانون الفعل ورد الفعل حقيقة فيزيائية ثابتة من حيث المقدار والاتجاه.

وقد نلجأ في تفسير ذلك - كما نلجأ دائماً - إلى التذرع بأن الغرب مصر مع سبق الإصرار والترصد على رفض ثقافتنا الإسلامية، بل إنه يتحين الفرصة كي ينقض على هذه الثقافة فيدمرها.

لكنني أريد أن أتخلل رصيد السنوات الفائتة كي نأخذ منها العبر. فخلال العقود المنصرمة من تاريخنا المعاصر كانت هناك مطالبات ملحة بأن نطور خطابنا الديني العابر للقارات بحيث يتواءم مع ثقافة الغير ولا يصطدم بها، وبحيث لانكون أسرى لنظرية أحادية في وقت صارت فيه الأرض بطولها كمهرجان تسويقي للثقافات بفضل ثورة الإتصالات.

وهذا يدفعنا لكي نراجع المنهج الذي انتهجه القائمون على إعلامنا الديني لكي يقدموا للآخر البعيد أنموذجاً مضيئاً للدين الإسلامي، وكذلك الدور المنوط بالهيئات الدعوية التي تأخذ على عاتقها نشر الإسلام وثقافاته، والتي على ما يبدو قد اكتفت بهذا الكم اليسير من المطويات التي توزع على غير المسلمين بطرق تخلو من ديناميكية الإقناع وتشوبها سطحية الإبداع. وآن لنا أن نتساءل؟ ألا نحمل نحن المسلمين كثيراً من الوزر حيال هذا النقص المعلوماتي الذي يعاني منه الغرب تجاهنا، وهل هم مطالبون بالزحف إلينا طلباً لثقافتنا، أم نحن المسؤولون تجاه قضيتنا بل ورسالتنا التي يجب أن تكون للناس كافة بأن نهرول كي نمنح الآخر البعيد صورة جميلة وحضارية عن ذلك الدين القيم الذي إذا أحسنا شرحه وتقديمه فسيكون البديل الحتمي لكل من يبحث عن هدى لقلبه الحائر وشطاً لعقله الجائر. لماذا لا يكون طريقنا في الرد هو طريق العقل والمنهج، فذلك الفكر المشوه للدين يمكن اختراقه بالفكر المضاد، إذا أحسنا عرض أنفسنا وثقافتنا بطريقة صادقة تقارع الحجة بالحجة وتفتح باباً لا يوصد لتقديم الإسلام وثقافاته لشعوب لا تعرف عنا الكثير، وغالب ما تعرفه عنا هو سلبي. وللذين يعولون على المقاطعة الاقتصادية سلاحاً ناجحاً أوجه سؤالاً لا أريد إجابته لأنني أعرفها سلفاً، هل يصلح ذلك سلاحاً مع دول أخرى تبيعنا دواء أمراضنا وطائرات فضائنا وألبان أطفالنا، ثم ماذا نحن فاعلون إذا امتدت مثل هذه الإهانات لتشمل صحفاً أخرى في بقاع شتى من العالم المترامي الأطراف، هل سنقوم بمقاطعة أهل الأرض قاطبة، وأيهما أشمل وأبقى، تسكين الألم الناتج من الداء أم استئصال الداء، ألم يكن من الأحرى أن نحاورهم في تلك المفاهيم التي يتذرعون بها عن حرية التعبير وأن نعرض لهم مفهوماً آخر للحرية أصل له ديننا الحنيف، وهو أن نحترم الآخر في أنبيائه وكتبه، ألم يكن ممكنا أن نطالبهم في عقر دارهم باحترام معالم العلمانية التي يتغنون بها صباح مساء، وانها قائمة على احترام ثقافة الآخر ولكن سكتنا وتكاسلنا بما نملك من حجة وسياسة فيها كل المنهج السلم ففسح المجال وطلب الساحة.

لقد نجح يهود العالم فيما فشلنا فيه، نجحوا في أن يتسللوا إلى عقول الساسة والمفكرين كي يجعلوا الهولوكست حقيقة دامغة يعاقب من ينكرها، ونجحوا في أن يجعلوا من معاداة السامية تهمة تلصق بصاحبها الخزي والعار، فهل نستطيع نحن المسلمين إثبات الحق في زمن نجح فيه الآخرون في إثبات الزيف.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة