تقف المملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي على أبواب تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية واعدة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. وتأتي في مقدمة هذه التطورات الواعدة مؤشرات توحي بنهضة اقتصادية متقدمة، وتقارب خليجي منتظر وتوجهاً نحو إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية وإدارية شاملة، بالإضافة إلى انضمام دول مجلس التعاون إلى منظمة التجارة العالمية.
وأول بوادر هذا التفاؤل ما جاءت به ميزانية المملكة العربية السعودية للعام القادم 1427ه والتوقعات باستقرار أسعار البترول حول مستواها الحالي والتقارب والتماسك الخليجي وبوادر الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي التي يقودها ويحث على تنفيذها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - وجميع التطلعات الشعبية والمؤشرات المستقبلية توحي بأن المملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون تقف على مشارف قفزة اقتصادية واجتماعية وسياسية تتسم - إن شاء الله - بالنوعية والشمولية.
ولا شك في أنه سيجابه ويصاحب هذه التطورات الإيجابية المتوقعة العديد من التحديات والعقبات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان ضمن الإستراتيجيات وخطط العمل المستقبلية. ومن أهم هذه التحديات والعقبات مدى قدرة دول مجلس التعاون على التلاحم في الأهداف والعمل الخليجي محلياً وإقليمياً ودولياً. وكذلك الاستقرار الأمني وتأهيل وتطوير الطاقات البشرية للقضاء على البطالة وتوطين التقنية والحداثة الفكرية والفنية في المجتمع الخليجي.
وإن كانت الوفرة المالية المتوقعة من مؤشرات التفاؤل بمستقبل واعد وعامل مهم في تحقيق التنمية الشاملة إلا أنها وحدها لا تكفي ولا تغني عن التخطيط الإستراتيجي السليم والإدارة القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية وعلى تذليل التحديات والعقبات المتوقعة. وإن كانت التجارب دليل يحتذى به فإن الشح المالي لا يمثل عادة العقبة الكبرى في تحقيق الأهداف والنتائج المطلوبة وإنما العلة والفشل الحقيقي يكمن في إغراق الفكر في متاهات التنظير والتجريد وفي تشتت المسئوليات والصلاحيات وفي الجمود الإداري وفي عجز الرجال المعهود لهم بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة. ولذا فإن قهر الصعاب وتحقيق الأهداف لا يتم بوفرة المال بقدر ما يتحقق بحسن التدبير وبهمة الرجال.
ونحن نتطلع إلى المستقبل يجب أن لاننسحب من الحاضر أو نتناسى الماضي بما لهما من إنجازات وسلبيات حتى نسير إلى المستقبل بخطى ثابتة وجهود موحدة وموجهة وبإستراتيجيات تأخذ في الاعتبار إيجابيات وسلبيات الحاضر والماضي كإشارات مرور في طريقنا إلى المستقبل الواعد بإذن الله تعالى. ومن هذا المنطلق وحتى تكون النظرة التحليلية أكثر بعدا وشمولا فلا بد للمهتمين بمثل هذه الأمور أن يأخذوا بعين الاعتبار تاريخ تطور المملكة السياسي والإجتماعي والإقتصادي منذ أن أتم توحيدها وأرسى قواعد صرحها الشامخ المغفور له الملك عبدالعزيز رحمه الله وحتى عصرها الزاهر في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله.
وقد كان من السمات التي رافقت ولازمت ذلك التحول التاريخي العظيم الأمن والاستقرار والتمسك بالعقيدة السمحاء على إمتداد تحول غيّر معالم الصحراء وحول المملكة إلى دولة عصرية حديثة بكل المقاييس حيث أخذت بأسباب التقدم والتطور في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية والعمرانية والصناعية والزراعية. وعندما نتناول بالدراسة والتحليل التحول التاريخي للمملكة (National Historical Transformation) بقصد أخذ العبرة ووضع الخطط الإستراتيجية للمستقبل، فلابد من التعرف على المراحل التي مر بها ذلك التحول الموفق مع التركيز على المؤشرات والمنعطفات السلبية والإيجابية التي من الممكن الاعتبار بها والاستفادة منها. وأنا أعتقد أن مثل هذه المراجعة لتحول المملكة التاريخي بما له وما عليه يجعلنا ننظر إلى المستقبل برؤية أكثر وضوحاً ونسير إليه بخطى أكثر ثباتاً. وإذا ما أخذنا بهذا النهج فلابد هنا من الربط الزمني بين اكتشاف واستغلال الثروة البترولية وبين التحول التاريخي (Historical Transformation) الذي مر بأربع مراحل رئيسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى وقتنا الحاضر وذلك على النحو التالي:
المرحلة الأولى (1948 - 1974م):
وقد اتسمت هذه المرحلة بالاعتماد الكلي على العائدات البترولية في تمويل مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكانت الحكومة بقطاعاتها العامة هي المحرك الرئيسي الوحيد لعجلة التنمية وبناء القاعدة الأساسية الأولى للمشاريع العمرانية والمنشآت التعليمية والصحية ومشاريع المياه والصرف الصحي والكهرباء وبعض الطرق الرئيسية، لم يكن هناك قطاع خاص بالحجم المؤثر في تلك الفترة عدا شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) وعدد قليل من المقاولين والموردين الذين كانوا يعملون من خلال شركة أرامكو وبعض القطاعات الحكومية وكان دور القطاع الخاص من حيث المشاركة الفعلية في تلك الفترة محدوداً جداً.
المرحلة الثانية (1975 - 1985م) :
وقد سميت هذه المرحلة بأسماء كثيرة منها على سبيل المثال مرحلة الطفرة المالية، مرحلة المشاريع الجبارة، مرحلة تأسيس البنية الأساسية، مرحلة العمل بالخطط الخمسية، مرحلة التحول الشامل وغيرها من التسميات التي تدل على حجم تلك المرحلة وطبيعة ما تحتويه من مشاريع اقتصادية وصناعية ضخمة، وقد تميزت هذه المرحلة بإستراتيجية ديناميكية تعتمد على وضع الخطط القصيرة والمتوسطة والطويلة مستهدفة العمل على تنفيذ مشاريع إستراتيجية جبارة ذات طاقة استيعابية كبيرة ترمي إلى تحقيق أهداف شاملة بغية تنويع مصادر الدخل القومي (National Economic Diversification) والتقليل من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
وقد أجمع المحللون السياسيون والاقتصاديون والاجتماعيون على أن هذه المرحلة تعد أكبر تحول تاريخي (Historical Transformation) بعد توحيد المملكة العربية السعودية على يد المغفور له الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، حيث تم في هذه المرحلة تدشين مشاريع جبارة كتجميع واستثمار الغاز الطبيعي المصاحب للبترول الذي كان يُحرق يومياً ببلايين المترات المكعبة، وبناء المدن الصناعية الضخمة في الجبيل وينبع وشبكة الطرق العملاقة في جميع أنحاء المملكة، وبناء الجامعات والمراكز البحثية والمعاهد العلمية والتوسع العمراني والصروح العلاجية، وإنشاء المطارات العصرية الضخمة، والمشاريع الزراعية التي غطت مساحات شاسعة في أنحاء المملكة إلى غير ذلك من المشاريع الرائدة الضخمة. وكان من أبرز سمات هذه المرحلة أيضاً إنشاء المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية العامة والخاصة حيث ساهمت الحكومة مساهمة كبيرة في تطوير القطاع الخاص وتوسيع قاعدة مؤسساته لتشمل جميع المجالات الاقتصادية والصناعية.
المرحلة الثالثة (1985 - 1995م) :
وتم في هذه المرحلة إنشاء مجلس التعاون الخليجي وإفتتاح وتشغيل المشاريع العملاقة التي أنشئت في المرحلة الثانية، كما تعد هذه المرحلة امتداداً لتوسيع قواعد البنية الاجتماعية والاقتصادية والتركيز على تطوير القدرات والكفاءات البشرية الوطنية لتفعيل مشاركتها الفعلية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وسد حاجة البلاد من العمالة واحلالها محل العمالة الأجنبية. وقد تم خلال هذه المرحلة تطوير القطاع الخاص وتوسيع قاعدته، وتأسيس وتنظيم بيوت المال (البنوك) ووضع القوانين المالية والإدارية التي تنظم أعمالها. وقد تخلل هذه الفترة هبوط اقتصادي عالمي وانخفاض في أسعار الطاقة البترولية، وكذلك حروب الخليج بين العراق وإيران واحتلال العراق لدولة الكويت وما نتج عن هذه العوارض من سلبيات سياسية واقتصادية خرجت منها المملكة العربية السعودية ولله الحمد أكثر تماسكاً في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
المرحلة الرابعة (1995 - حتى الآن):
وهي مرحلة النضوج الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية اليوم، وفيها دخل المجتمع السعودي بقطاعاته الاقتصادية والمالية والتجارية مجالات الإنتاج والتوزيع والتصدير على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. وبهذا التحول الإيجابي والنضوج الإقتصادي تكون المملكة العربية السعودية قد حققت الكثير من أهدافها الإستراتيجية التي رسمتها ودأبت على تنفيذها حكومتنا الرشيدة في المرحلتين الثانية والثالثة. والجدير بالذكر هنا أن مرحلة النضوج الاقتصادي الذي تنعم به المملكة العربية السعودية اليوم تقوم على معطيات وآليات يجب العمل على تطويرها وتحديثها بصفة مستمرة لتفي بمتطلبات إستمرارية التنمية الاقتصادية بما يكفل تحقيق التوسع الأفقي والرأسي لمشروعات الإنتاج والخدمات ورفع مستوى الأداء التقني والبشري، وجعل المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية أكثر تكاملاً وتفاعلاً في الحاضر والمستقبل.
وفي هذه المرحلة يكون من الطبيعي إعادة النظر في المفاهيم والأساليب المستخدمة في إنشاء وإدارة وتشغيل مؤسساتنا وقطاعاتنا الاقتصادية حكومية كانت أم خاصة، ومن الطبيعي أيضاً أن تختلف متطلبات هذه المرحلة عن ما سارت عليه مراحل الإنشاء والبناء، وأن تحدث بعض التعديلات في الأهداف والإستراتيجيات لتستثمر فكر العصر وتقنية المستقبل، فعندما نتحدث عن التوجه إلى طرح بعض مؤسساتنا الاقتصادية في مساهمة يشترك عن طريقها المجتمع بمختلف فئاته في ملكية بعض المشروعات الاقتصادية بهدف توسيع قاعدة الملكية والتمويل والإدارة بغية خلق مجتمع متكامل ومتفاعل يقف فيه الفرد ومؤسسات القطاع الخاص بجانب الحكومة متحملاً كلا نصيبه من المسئولية الوطنية في بناء حياة اقتصادية عصرية يسودها التنافس الشريف والإبداع والتكامل وفتح المجالات وإيجاد الفرص لمجتمع يتميز بالنمو والتكاثر.
وقد أثبتت التجارب الواقعية أن النظر في تحويل المؤسسات الاقتصادية ذات الملكية الفردية - حكومية كانت أم خاصة - إلى شركات مساهمة يعتبر ظاهرة طبيعية وتحول منطقي له تاريخ طويل حافل بالإنجازات الرائدة في دول العالم المتقدم وخاصة الدول الرأسمالية، وأصبح من الأهداف الرئيسية لهذا التوجه توسيع قاعدة الملكية والحصول على التمويل اللازم عن طريق الإكتتاب بقصد التوسع الأفقي والرأسي في مجالات الإنتاج والخدمات، وزيادة فرص العمل لأبناء المجتمع، والعمل على ترشيد التكاليف، ورفع مستويات الأداء وتحقيق الكفاية الإنتاجية وزيادة العائد الإقتصادي. وهذه الأهداف سبيلها هو العمل بالأسلوب التجاري الذي يتميز بالمرونة الإدارية والسرعة في انتهاز الفرص وإتخاذ القرارات في الأوقات المناسبة، والأخذ بالتقنيات المتطورة في مجالات الإدارة والتشغيل، والاعتماد على أسلوب التخطيط والبرمجة مع مراعاة التقييم والمتابعة المستمرة والمحاسبة الإدارية.
وفي إعتقادي أنه عندما يؤخذ هذا التحول التاريخي الفريد - في مختلف جوانب حياة المجتمع السعودي - كأساس وقاعدة تبنى عليها إستراتيجيات التنمية والتطوير وتعميق مشاركة أفراد المجتمع، ودعوة رؤوس الأموال والخبرات العالمية للمشاركة في إحداث التطوير المطلوب فإن ذلك يهيئ عوامل النجاح في تحقيق الأهداف ويضيف لعملية التغيير والتطوير أبعاداً إيجابية تعزز استمرارية المسيرة التاريخية لتجارب التنمية التي أثبتت نجاحها على مر السنين في بلادنا الغالية.
واليوم وقد وصل الاقتصاد السعودي بقطاعاته الحكومية والخاصة إلى مرحلة النضوج من حيث البنية الأساسية والقدرة الإنتاجية، وأصبح على قدر من التكامل الداخلي فلابد من دخول القطاعات الاقتصادية السعودية إلى ميدان التفاعل والمنافسة الداخلية والإقليمية والعالمية. وهذا يحتم علينا إعادة النظر في الأساليب المتبعة في إدارة وتمويل وتشغيل قطاعاتنا الاقتصادية وتوجيهها للعمل بالنظم التجارية والأساليب العصرية التي تضمن لها فرص المنافسة والنجاح داخلياً وإقليمياً وعالمياً.
وبهذا التحول التاريخي المليء بالتجارب والإنجازات المذهلة تقف المملكة العربية السعودية اليوم على مشارف مرحلة جديدة مليئة بالفرص الواعدة والتحديات المتوقعة. وإن كانت الخبرات والتجارب المكتسبة ستكون مصابيح نور يهتدى بها إلا أن متطلبات المرحلة الجديدة تختلف إختلافاً جوهرياً عن ما سارت عليه مراحل الإنشاء والبناء في السابقة. والأمر الذي يخيفني وأحذر منه هو أن نتدبر وندير المستقبل بفكر الماضي وسلاحه، أو أن ينسينا التفاؤل ماحدث في عقد الثمانينات(1980م) من انهيار لأسعار البترول بسبب الكساد الاقتصادي العالمي.
والشعب السعودي بمبايعته الجماعية وبولائه اللامحدود لقيادته الرشيدة ومليكه المحبوب يتطلع إلى المستقبل بتفاؤل يعمه الرخاء الاقتصادي والتنمية الشاملة والإصلاحات الإدارية والاجتماعية والسياسية. وتتميز هذه المرحلة من تحولنا التاريخي بالدعوة إلى الإصلاح الشامل التي يقودها ويدعو إلى تحقيقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله، ولهذا الإصلاح المنتظر أبعاد زمنية وإستراتيجية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، كما أن هناك العديد من التحديات المعارضة للعديد من جوانب هذا التوجه الإصلاحي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر من التحديات والعقبات التي تقف في وجه الإصلاح البيروقراطية المركزية المعيقة للإصلاح الإداري والمضيعة للفرص الثمينة والمهملة للعمل بالتخطيط الإستراتيجي والرافضة للتنافس في الأداء والإبداع.
وهناك مشاريع إصلاحية تعاني من تحديات من نوع آخر كسياستنا التعليمية ودور المرأة في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية وحواراتنا الوطنية التي تعاني جميعها من الغرق في متاهات التنظير والتجريد من غير رؤى واضحة ولا خطط عمل إستراتيجية يلتزم بها وتعتبر مقاييس للأداء والإنجاز والمحاسبة.
وإذا كان من عوامل الإصلاح الناجحة معرفة الإتجاه الصحيح برؤية مبصرة وعد الخطى والتوقف من وقت لآخر للمراجعة الذاتية وتقييم الأداء، فما أحوجنا للأخذ بهذا النهج المجرب الذي طالما استخدم لمعرفة مواطن النجاح والفشل وتحديد مراكز القوة والضعف ومن ثم إختيار أفضل الوسائل لإنجاح مسيرة الإصلاح. وفي ظل المؤشرات الاقتصادية والاستقرار الأمني والسياسي التي تجعل من المملكة العربية السعودية مناخاً صالحاً لمشاريع التنمية والاستثمار الذي كشف بجلاء الحاجة إلى الخروج بمشاريع الإصلاح من متاهات التنظير والتجريد إلى مراحل التطبيق الموضوعي والعمل بالتخطيط الإستراتيجي المبرمج والذي يعنى بتنظيم شئون الإنتقال إلى المستقبل وربطها بالحاضر.
والمستقبل ولله الحمد يبشر بالخير ويدعو إلى التفاؤل بالمزيد من الازدهار الاقتصادي والاستقرار الأمني والإصلاحات الاجتماعية والسياسية. ولضمان هذا المستقبل الواعد واستمراره لصالح الشعب السعودي لابد من تبني قواعد إستراتيجية ثابتد المبادىء متطورة الأداء وشاملة الأهداف الوطنية على المدى القريب والبعيد. والمتتبع لمسيرة تحولنا التاريخي يعلم أن قيادتنا الرشيدة على إدراك كامل لهذه الثوابت الإستراتيجية التي أرجو أن يعاد النظر في بعض مشاريعها الإستراتيجية التالية:
إعادة النظر في الفلسفة والقواعد التي تسير عليها خطط التنمية الإستراتيجية وجعلها أكثر شمولية على خارطة المملكة الجغرافية وأكثر تحديداً للأولويات والاحتياجات الوطنية وأكثر التزاماً من حيث الإدارة والتنفيذ والرقابة المالية وجودة الأداء مما يخرج مشاريعنا وخططنا الإستراتيجية من الشكليات والعموميات في التمويل والتوقيت والمركزية في الإدارة والتنفيذ. وجعل الفقر والتعليم والرعاية الصحية والتطوير البشري ودور المرأة في المجتمع والبطالة في مقدمة أولويات خطط التنمية الإستراتيجية.
إعادة النظر في الأساليب والإجراءات الإدارية والقانونية للجان الحكومية والمجالس الاقتصادية والاستثمارية والاستشارية وهيئات الإدارات الحكومية التي كونت طبقات هائلة من الإدارات البيروقراطية بما لها من سلبيات مضنية في إطار الروتين وإضاعة الفرص وتشتيت الصلاحيات والمسئوليات مما قد يتسبب في هجرة الاستثمارات الوطنية. لقد حان الوقت لإعادة النظر في الإدارة المركزية وإجراءاتها البيروقراطية وتقييمها تقييماً موضوعياً لتحديد مدى صلاحيتها في المستقبل، وقد تسفر هذه المراجعة الموضوعية في التقليل من هذه الطبقات الإدارية وتبسيط الأساليب الإدارية وتحسن الأداء واستثمار الأوقات الثمينة وتحديد وتوحيد الصلاحيات والمسئوليات.
لقد منَّ الله علينا بالثروة النفطية وجعلها حبلاً لحياتنا الاقتصادية والعمود الفقري لمشاريع التنمية الوطنية وعليها تعتمد جميع صناعاتنا الوطنية في الحاضر والمستقبل المنظور، كل هذه الحقائق الإستراتيجية التي لا يظهر في الأفق بديل لها تحتم علينا مراجعة مستمرة للسياسة والإدارة المعنيتين بثروتنا النفطية والعمل على ربط طاقتنا الإنتاجية واستثماراتنا البترولية في الخارج بخطط التنمية الوطنية المعنية بتنويع مصادر الدخل الوطني وتوطين التقنية ورفع مستوى مشاركة القطاع الخاص في مشاريع التنمية الاقتصادية وزيادة فرص العمل لأبناء الوطن والعمل بأقصى جهد على إطالة عمر ثروتنا النفطية الناضبة.
ومن التحديات التي بدأت تظهر على السطح في المجتمع السعودي بشكل ملحوظ ولم نهتد بعد لعلاجها البطالة المقنعة التي يدور حول أسبابها الكثير من الجدل والمغالطات. فعلى سبيل المثال هناك من يضخم حجم البطالة وهناك من يجحد وجودها وهناك من ينسب الأسباب إلى تسيب الشباب السعودي أو إلى الطفرة المالية وسرعة التطور، وهناك من يلقي باللائمة على برامج التربية ومقررات التعليم والتدريب المهني. ولا شك أن هناك أسباباً أخرى للبطالة منها عدم قدرة السعودي على منافسة العمالة الوافدة من حيث الرواتب وعدم وجود حد أدنى للرواتب يتناسب مع مستوى المعيشة في المملكة. وحقيقة الأمر أن البطالة موجودة في المجتمع السعودي وأنها معرضة للازدياد في المستقبل مع النمو السكاني وإزدياد العمالة الأجنبية وإذا ما أدخلنا المرأة في هذه المعادلة فإن البطالة تصبح مشكلة اجتماعية تتطلب حلول جذرية، والعلاج لايقف عند حد معرفة الأسباب.
من يلقي بنظرة مبصرة على مساحة المملكة الواسعة وعلى تباعد مناطقها ومدنا وقراها والازدحام على شبكات طرقها ويرى هذا الزحم الهائل من الحركة التجارية والعمرانية والصناعية والمشاريع الإنشائية يدهش بوجود بطالة في المملكة. ولكن سرعان ما تذهب الدهشة عندما نرى من يسوق الحافلات والشاحنات على طرقنا وفي مدننا وقرانا، ومن يشغل المعدات الثقيلة والخفيفة المستخدمة في مشاريعنا العمرانية والإنشائية وفي المطارات والموانيء وبلديات المدن والقرى. كانت وما تزال سواقة وتشغيل السيارات والمعدات بجميع أنواعها من الوظائف المفضلة عند السعوديين حتى تم استبدالهم بالعمالة الوافدة الرخيصة التي تسببت في إخراج السعوديين نهائياً من وظائف السواقة والتشغيل، والأمر لا يختلف كثيراً في قطاعاتنا الاقتصادية الأخرى.
والهدف المنشود الذي أريد التوصل إليه ليس في تحديد من المسئول عن البطالة وأسبابها بقدر ما هو البحث عن الحلول النافعة لمشكلة البطالة في الحاضر والمستقبل. وإن كانت البطالة تمثل مشكلة وطنية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، وضرورة البحث عن الحلول لها مسؤولية المجتمع السعودي كله إلا أن هناك جهات محددة ومرشحة للقيام بالمبادرة لإيجاد الحلول المناسبة لمشكلة البطالة.
والجهات المرشحة للأخذ بزمام المبادرة لحل مشكلة البطالة هي مؤسسات وطنية تنطوي تحت إدارتها وإشرافها معظم مشاريع التنمية في المملكة ولبعضها باع طويل ومشرف في التدريب العملي والتطوير البشري والسعودة. والمؤسسات المرشحة للقيام بهذا الواجب الوطني هي الهيئة الملكية للجبيل وينبع وشركاتها العاملة وشركة أرامكو السعودية والشركة الموحدة للكهرباء ووزارة النقل، ويتم ذلك بالتعاون والتنسيق مع وزارة العمل ومجلس القوى العاملة. وترشيحي لهذه المؤسسات الوطنية لم يتم عشوائياً فهي مؤسسات قادرة على تطوير وإدارة برنامج تدريب وتأهيل عملي لسواقة وتشغيل السيارات والمعدات بأنواعها وقادرة على إلزام الشركات والمقاولين المنفذين لمشاريع هذه المؤسسات بتوظيف من يتم تدريبهم وتأهيلهم من السعوديين.
أما المشروع التدريبي المقترح فيتلخص في وضع خطة محددة الزمن والمحتوى للتدريب العملي الميداني على فنون السواقة والتشغيل والسلامة والتكيف الوظيفي ومن ثم ضمان الوظيفة المناسبة براتب يتلاءم مع تكاليف ومستوى المعيشة في المملكة لكل من يجتاز مراحل التدريب والتأهيل بنجاح، وتنفذ إجراءات التدريب والتأهيل في ساحات وورش عمل مفتوحة وفي مدة زمنية لا تتجاوز الأربعة أشهر كما يجب أن يرافق هذا البرنامج خطة احلال إستراتيجية يتم بموجبها عملية إستبدال منظمة للعمالة الوافدة بخريجي هذا البرنامج من السعوديين في وظائف السواقة وتشغيل المعدات بجميع أنواعها. وعلى هذا الأساس توضع خطة احلال إستراتيجية تبدأ بوقف إستقدام السائقين ومشغلي المعدات وتقليص أعدادهم تدريجياً بالاستبدال على فترة زمنية لا تتجاوز خمس سنوات. وحبذا لو كان هذا المشروع موضوعاً للبحث في منتدى الموارد البشرية الرابع في محرم القادم.
وأحب أن أؤكد أن البرنامج المقترح ليس جديداً ولا نظرياً، فقد كنت واحداً من خريجيه في عقد الخمسينات (1950م) وواحداً من منفذيه في عقد السبعينات (1970م)، وأنا على ثقة تامة بأن برنامج كهذا يصلح نموذجاً للسعودة الشاملة إذا ما وضعت له خطة عمل تنفيذية قابلة للمراجعة الموضوعية والتقييم المستمر والتزام لا يتوقف. كما أرجو أن يعتبر هذا البرنامج المقترح مشروعاً وطنياً وإستراتيجية عملية لامتصاص البطالة ونموذجاً لمشاريع التطوير البشري والسعودة. ولهذا أدعو وزارة العمل ومجلس القوى العاملة ومجلس الشورى لتبني هذا المشروع المقترح وتعميد المؤسسات المرشحة بتنفيذ المشروع لسد احتياجات مشاريعها من العمالة وللوفاء بواجباتها الوطنية وقد يكون هذا البرنامج أفضل الطرق وأقصرها إلى النجاح في سعودة الوظائف الوطنية.
وفي الختام أرجو أن يساعد هذا العرض التاريخي لتحول المملكة وتطورها على تلمس الصواب وإبراز التحديات ووضع الخطط الإستراتيجية الناجعة للانتقال بدراية محكمة ورؤية مبصرة وعزيمة عالية من حاضر زاهر إلى مستقبل واعد بالخير والمزيد من الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية. ولأن الله قد أنعم علينا بنعمة الإسلام وجعله درعاً لحياتنا الروحية والأخلاقية والإنسانية وأنعم الله علينا بنعمة الأمن والإستقرار بعد عقود من الشتات والاقتتال والتخلف بأن هيأ لنا الملك عبد العزيز رحمه الله وأيده بنصره من عنده فعمل رحمه الله بالحكمة والشجاعة والعدل على وقف الاقتتال ونشر الأمن وتثبيت الاستقرار وتوحيد الأمة وإخراج الجزيرة العربية من سلة المهملات التاريخية. كما أنعم الله علينا بثروة نفطية ناضبة وجعلها حبل حياتنا الاقتصادية وترك لنا قواعد وشئون وإدارة هذه النعمة الاقتصادية واستثمار عائداتها والمحافظة عليها. والنعم لا تدوم إلا لمن شكر الله عليها وعمل على صيانتها. والثروة النفطية على أرضنا ملك لنا ومصدراً لأمننا الإقتصادي وأمانة في أعناقنا لأجيالنا القادمة. جعلنا الله من الشاكرين الحافظين للنعم التي أسبغها علينا..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
٭ عضو مجلس الشورى