الرئيسية > الرأي

تحسين اللائحة المالية للجامعات ضرورة للحد من ظاهرة التسرب!!


د. صالح بن ناصر الشويرخ

تكرر في السنوات الأخيرة الحديث عن سلم رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وشكلت لجان مختلفة لدراسة الموضوع دون أن يصدر أي قرار بهذا الخصوص، ويبدو أنه من الموضوعات المستعصية المثيرة لكثير من الجدل في أوساط المسؤولين في الوزارات ذات الصلة، وهو جدل يعتمد على الزاوية التي ينظر منها المسؤولون إلى الموضوع، إذ يربط بعضهم بين الموضوع وظاهرة التسرب من الجامعات ويرون أن التسرب محدود ومقصور على تخصصات معينة، وبالتالي فهو لن يؤثر في مسيرة التعليم العالي، ومع إمكانية قبول على الرأي أو الافتراض رغم عدم دقته وسذاجته، فالمشكلة أعظم من ذلك، لأن الغالبية العظمى من أعضاء هيئة التدريس لم يتركوا الجامعات، بل بقوا فيها لكنهم ينظرون إليها على أنها مجرد وظيفة، حيث إن كثيرا منهم يعمل في جهات حكومية وغير حكومية وفي أعمال خاصة مثل الاستثمارات والعقارات والأسهم، وقد حققوا نجاحات كبيرة لأن لديهم القدرة على إدارة الكثير من الأعمال، وكثير منهم الآن خاصة القدامى ليسوا بحاجة إلى زيادة في رواتبهم ولم يعدوا يفكرون اصلا في هذا الموضوع، لأن ما يكسبونه من مزاولة أعمالهم الخاصة يفوق بكثير ما يجنونه من العمل بالجامعة، وهذه الظاهرة يمكن تسميتها بالتسرب المقنع على غرار مصطلح البطالة المقنعة وفي مقابل ظاهرة التسرب الحقيقي التي تعني ترك الجامعة والانتقال في جهات أخرى، لكن ما نتيجة التسرب المقنع؟

النتيجة تشتيت جهود أساتذة الجامعات وتركيزهم بحيث أصبحت جامعاتهم لا تحصل الا على 30٪ أو أقل من أوقاتهم وخبراتهم، وقد نتج عن ذلك تعليم جامعي رديء وبحث علمي علمي هزيل مما افرز منتجات تعليمية ضعيفة، وهذا انعكس على التعليم العام وعلى بقية مجالات التنمية في بلادنا.

إن العبرة ليست في السماح لأساتذة الجامعات بالعمل خارج الجامعة والحصول على مردود مالي يعوض النقص الكبير في المتخصصات المالية المنصوص عليها في لائحة التعليم العالي وهو ما يردده بعض المسؤولين في وزارة التعليم العالي وبعض الجهات الأخرى ذات الصلة، بل العبرة في قدرة الجامعات على المحافظة على أساتذتها وتفرغهم تفرغا كاملا لعملهم الأساسي وعدم الانشغال بأمور أخرى على نطاق ضيق، أي حمايتهم أو منعهم من التسرب المقنع.

إن تحسين اللائحة المالية للجامعات يجب ألا يكون منطلقه ايقاف ظاهرة التسرب الحقيقي أو الحد منها فقط، ويجب ألا يكون منبعه أن الدكاترة فقراء لا يستطيعون الكسب خارج أسوار الجامعة، بل يجب أن يكون هدفه تعزيز علاقة الأستاذ الجامعي بجامعته وارتباطه بعمله التدريسي والبحثي وعدم الاضطرار إلى البحث عن وسائل أخرى للكسب الا في حدود معقولة لا تؤثر في وظيفته الأساسية إن العبرة في تحسين اللائحة المالية للجامعات جعل أساتذة الجامعة خاصة الملتحقين منهم حديثا بالمجال الأكاديمي لا يفكرون في العمل خارج الجامعة بل يتفرغون لعملهم، أي لا يتسربون تسربا مقنعا، لأنه لو بدأ الأستاذ الجامعي يعمل خارج الجامعة خاصة في القطاع الخاص أو في الأعمال التجارية فإن القدرة على إغرائه للعودة إلى الجامعة بكامل طاقته سيصبح مهمة صعبة جدا على الجهات ذات العلاقة، وهو ما نلحظه الآن، وعليه ينبغي على الجهات المختصة الاسراع إلى تغيير الأوضاع الجامعية حتى لا نفقد المزيد من أساتذة الجامعات، ليس المتسربين الحقيقيين، فهؤلاء لا يمكن إعادتهم، بل الذين يبقون في الجامعات ولكنهم منشغلون عنها، لأن فقد شخص يحمل مؤهلات علمية على مستوى درجة الدكتوراه ليس بالأمر الهين، فلا لدولة عندما تصرف مبالغ طائلة على تأهيل مجموعة من الأفراد ممن يحملون درجة الدكتوراه، ثم ينصرفون عن أعمالهم الأساسية ولا يعملون بكامل طاقتهم فهو نوع من الهدر البشري الذي يصعب فيما بعد تعويضه، وبالتالي يمثل خسارة وطنية كبيرة.

إن تحسين اللائحة المالية للجامعات ليس ترفا بل أصبح حاجة ملحة وضرورة يجب ألا نضيع الوقت في دراستها ولا تحتاج في نظري إلى لجان، اضافة إلى ذلك يجب ألا يقتصر في ذلك على زيادة الرواتب، بل يجب ان يكون هناك مكافآت وحوافز للمبرزين والمبدعين، لدفع أساتذة الجامعات على البقاء في الجامعة وعدم التضحية بها مهما كانت الظروف، وكذلك لحفزهم على الابتكار والتجديد والتأليف والترجمة والمشاركة الفاعلة في المؤتمرات والندوات العلمية المحلية والعربية والعالمية، لدفع العملية التعليمية والارتقاء بها والاسهام في تطوير المجتمع وتحديثه.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة