الرئيسية > مقالات اليوم

«إشكالية الكلمة.. وفلسفة كانت»


د. عبدالله سعد الرواف

الأفكار التي طرحها «كانت» في كتابه هي أفكار ثورية تستكشف المنطق والمبادئ السيكولوجية والتي عليها يمكن أن يُبنى الوعي ولكنها تمزق فكرة «كانت» الأولية لنظامه لدرجة انه لم يكن مرتاحاً لها..

يعتبر إمانيول كانت ربما أهم فيلسوف في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة.. عند بداية نشاط «كانت» الفكري كان هناك مذهبان أساسيان في الفلسفة هما ببساطة شديدة ما يمكن تسميته بشكل عام بالمذهب التجريبي والقائل بأن المعرفة كلها مستمدة من التجربة والآخر ما قد يطلق عليه بالمذهب العقلي والذي يقول بأن العقل في ذاته مصدر المعرفة وهو أسمى من الحواس ومن أهم صناع المذهب الأول هم الفلاسفة لوك، بيركلي وهيوم وأهم صناع المذهب الثاني هم الفلاسفة ديكارت، سبنوزا وليبنز.. إجابة «كانت» على المسائل التي طرحها هذان المذهبان غيّرت وجه الفلسفة الغربية، قد يكون من أهم أفكار «كانت» الفلسفية هو ما شبهه بالثورة الكوبرنيكية وهي كما قالها بأن تمثيل الشيء هو الذي يجعل الشيء ممكناً وليس الشيء هو الذي يجعل التمثيل ممكناً.. أي أنه هنا يقدم العقل البشري على أنه مبدع للتجربة وليس فقط مستقبلا سلبيا للإحساس.. غير أنه إذا كان العقل يولّد الإحساس، فإن هذا يطرح السؤال ما إذا كانت النتيجة لها أي علاقة بالعالم الخارجي والجواب على هذا السؤال خلق متناقضات ومشاكل في تفكير «كانت» ومن أتى بعده لتفسير فكره وللمدى الذي فيه تعتمد المعرفة على تكوين العقل البشري وليس على العالم الخارجي، بحيث لا تكون تمثيلا فعليا له، جعل هذا المفهوم الكانتني يُتهم بأنه شكل من أشكال السايكولوغزم أو المبدأ الذي يعتبر بأن ما نعرفه هو فقط النفس البشرية وليس العالم الخارجي.. لاشك أن جزءاً مما كتبه «كانت» يعتبر متناغماً مع هذا المبدأ وهو مثلاً قوله بأننا لا نعرف الأشياء بنفسها كما هي منفصلة عن الإحساس غير ان «كانت» في نفس الوقت كان يُبّرر في فلسفته الحقيقة العلمية وهي ان العلم الطبيعي يُعرّف العالم الخارجي. وان التكوين السببي للعقل يعكس التكوين المنطقي للعالم الخارجي.. ولقد أعطى «كانت» فيما سماه بالظواهر الحقيقية مجالاً للعلوم الطبيعية منفصلاً عن تلك التي تمت إلى الدين أو الأخلاق.. وبهذا استطاع أن يحل الخلط والتصادم في المفهوم عند محاولة التوفيق بين الدين والعلم الطبيعي.. فالدين لا يمكن أن يكون جزءاً من العلم الطبيعي لأنه يحدث فيما أطلق عليه «كانت» بالحقيقة غير المشروطة.. بينما العلم الطبيعي يختص فقط فيما سماه «بالحقيقة المشروطة» في العالم الخارجي كل شيء يؤثر على كل شيء آخر، ولكن الدين لا يمكن أن يتأثر بالمسببات الخارجية.. هذه الاشكالية والخلط تزداد حدة في اللغة العربية وذلك لأنه في اللغة العربية تستخدم نفس الكلمة لوصف العلوم الطبيعية والعلوم الدينية مما جعل من السهل الخلط بين مجاليهما.. بينما في اللغات الأوروبية مثلاً تُستخدم كلمات منفصلة.. فمثلاً في اللغة الانكليزية تستخدم للعلوم الطبيعية كلمة science والتي هي في الأصل مشتقة من الكلمة اليونانية scentia والتي تعني المعرفة، بينما للعلوم الدينية تستخدم كلمة ثيولوجي theology.

المسائل التي حاولت «كانت» أن يفرزها هي مسائل صعبة حيث تحدث في كتابه الشهير Critique of pure reason (والذي ظهر له عدة ترجمات إلى اللغة الانكليزية ولكنا هنا نستند إلى ترجمة نورمان كامب سميث) من أن النشاط الأساسي للعقل البشري والذي يسميه «التأليف» هو تطبيق مفاهيم معينة لبيانات حسية جُمعت من التجربة غير أن البديهي يبقى بلا حاجة على الإطلاق لوظيفة الفكر ومع هذا فإن الظواهر سوف تحضر الأشياء إلى البديهة بدون أي حاجة للتأليف الذهني ومع ذلك فلابد أن تكون هناك مفاهيم معينة ضرورية ومعرفة مسبقة بالنسبة للتجربة.

لقد أدرك «كانت» بأن «التأليف» لابد أن يُنتج ليس فقط تركيبة الفكر ولكن التركيبة الكاملة للوعي والذي في داخله يحدث الإحساس.. لذا فإنه يقول ما يُعطى لنا هو الظواهر والتي عندما تجتمع مع الوعي تُسمى إحساسا.. أي أن تركيبة الوعي عبر التأليف هي التي تحول الظواهر إلى أشياء وإحساس.. ومن ثم فإنه اعتبر التأليف رابطا بين الفكر والإحساس.. الأفكار التي طرحها «كانت» في كتابه هي أفكار ثورية تستكشف المنطق والمبادئ السيكولوجية والتي عليها يمكن أن يُبنى الوعي ولكنها تمزق فكرة «كانت» الأولية لنظامه لدرجة انه لم يكن مرتاحاً لها.. ومن ثم فإنه حاول أن يحدث تغيرات عليها ضمها في الطبعة الثانية من كتابه.. وهي تغيرات مهمة بحيث ان الفيلسوف شوبنهاور والذي فهم أهمية هذه التغيرات التي عملها «كانت» في طبعته الثانية كان ينصح قارئيه بأن يقرؤوا كلا الطبعتين..

بالطبع لا يمكن لمقال كهذا في جريدة يومية لا تتطلب خلفية في الموضوع إلا أن يلامس ملامسة خفيفة أفكار هذا الفيلسوف الكبير والذي من عبقريته ان بعضاً من المفاهيم الحديثة في الفيزياء في ميكانيكا الكم تُظهر جزءاً كبيراً من الصفات التي وضعها «كانت» حول العلاقة بين الظواهر الحقيقية في الحيز والوقت وما أطلق عليه «كانت» بالأشياء في نفسهم.. ففي ميكانيكا الكم حسب التفسير المتعارف عليه يكون العالم الخارجي موجوداً خارج نطاق الرصد بحيث يتكون من موجات تحدد بمعادلات رياضية.. هذه الموجات لها حقيقة طبيعية يمكن التأكد منها وذلك بسبب التداخل الذي يمكن رصده.

من جهة أخرى مربع هذه الدالة الموجية يعطي فقط التوزيع الاحتمالي لمكان الجسيم عند الرصد.. أي انها تحتوي على مجموعة احتمالات للمنظوم..

عملية الرصد تتوافق مع فكرة «كانت» عن «التأليف» والتي عن طريقها تظهر الأشياء إلى الوعي.. «كانت» في الواقع لم يقل بأن ما يسميه «الأشياء في نفسهم» تحتوي على مجموعة الامكانيات للمنظوم ولا ان الظاهرة تحتوي على المرصود ولكن هذه الثنائية تتناغم مع ميتافيزغيا «كانت» أكثر من أي فيلسوف آخر..

وإلى حديث آخر..

والله الموفق..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة