
إن مفهوم الحادث لا يعني الإصابة أو الضرر، فالحادث داخل في علم القدر ولا يمكن توقع أو منع حدوثه. أما الإصابة أو الضرر فهي تدخل في علم القدر يمكن توقع حدوثها وبالتالي يمكن منعها.
وتعتبر التدابير الوقائية الناجحة من الإصابات كفيلة بأن تلغي الحاجة إلى العناية الفائقة بالشخص المتضرر والمكلفة، بالإضافة إلى خدمات التأهيل وليس هذا فحسب بل تقلل من المعاناة وتؤدي إلى حياة صحية أفضل.
إن الوقاية من إصابات الأطفال هي حجر الأساس في العمل في مجال طب الأطفال، فالإصابات من أهم المشاكل الصحية التي يمكن تلافيها أو الوقاية منها. ومع أن الجهود المؤدية إلى الوقاية منها تتركز على عدة مستويات وهي المستوى الشخصي والجماعي داخل المستشفى وخارجه إلا أنه من المؤسف أن لا يوجد رابط بينهم، ومن المعروف أن تعثر الجهود يؤدي إلى خلق نوع من التشويش لدى الجمهور كما يؤدي إلى الاستغلال غير الكافي للموارد المحدودة.
حجم المشكلة:
لن أتحدث عن حجم الحوادث والإصابات من حولنا لكثرتها ولعدم وجود الإحصاءات الدقيقة الشاملة لجميع أنواع الإصابات خصوصاً غير القاتلة منها ولكن سأعطي مثلاً عما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية والتي نعد أنفسنا و مصاف تلك الدول المتقدمة، حيث تشكل الإصابات غير القاتلة فيها أكثر من 40٪ من زيارات الأطفال لأقسام الإسعاف، كما أنه يتم إنفاق ملايين الدولارات على هذه الإصابات بطريق مباشر وغير مباشر إلى أن بلغ حجم هذا الإنفاق 6,40 بلايين دولار سنوياً. ومع كل ذلك التقدم لا يزال يشار إلى هذه المشكلة هناك على أنها من معظم المشاكل الصحية المهملة والتي تحظى بالقليل من البحث العلمي والدعم المادي.
المفهوم العلمي للوقاية من الإصابات:
1 - مسبب الإصابات:
لقد استفادت عملية الوقاية من الإصابات من التقدم العلمي في الميكانيكية الحيوية، وعلم السلوك بالإضافة إلى علم الوبائيات.
فمفهوم مسببات الإصابات يمكن عن طريق البحث في ثلاثة محاور رئيسية:
٭ المصاب.
٭ العامل أو الوسيلة.
٭ المكان أو البيئة.
وكل هذه العوامل تتفاعل مع بعضها البعض لتجعل من حدوث الإصابة شيئاً ممكناً، لقد كان العالم «وليام هادون» «William Haddon» من أوائل الذين عملوا على نظرية الوقاية من الإصابات حيث أقام نموذجاً وبائياً للتعريف بنظريته وأضاف عامل الوقت لها لتعطي أبعاداً أخرى:
٭ فترة ما قبل الإصابة (العوامل التي تؤدي إلى احتمالية حدوث الإصابة).
٭ أثناء الإصابة (العوامل التي تضفي من أثر الإصابة).
٭ فترة ما بعد الإصابة (العوامل التي تترك أثراً بعد الإصابة).
الإصابات مثل الأمراض لها نمط وسلوك وعوامل مسببة بالإضافة إلى وسائل للوقاية منها:
2 - أنواع وطرق التدابير الوقائية:
i) التعليم والتدريب:
إن التعليم من أهم العوامل وأولها استخداماً إلا أن معظمها لم يتم تقييمها وإدراجها ومعظم التي تم تقييمها أظهرت إما أنها قليلة أو عديمة التأثير والفائدة.
فمعظم البرامج الناجحة شددت وأكدت ليس على درجة الخطورة المترتبة على بعض السلوكيات وما ينتج عنها فحسب بل على بيان امتيازات وفوائد البدائل السلوكية المطروحة.
ii) الهندسة:
إن التغيرات الهندسية لها الأثر الكبير على الحفاظ على الكثير من الأرواح البشرية بإذن الله على مدى العقود المنصرمة، فعلى سبيل المثال تدني حالات الوفيات من حوادث السيارات في أمريكا من أوائل 1960م والفضل بعد الله يعود للتعديل في مواصفات السيارات وتعبيد الطرق، والميكانيكية الحيوية ممثلة في حزام الأمان والأكياس الهوائية.
iii) التشديد على تطبيق القوانين:
إذا علم الجميع أن هناك غرامة ستدفع أو عقوبة جراء عدم ربط حزام الأمان فإن الكل سيلتزم بالقانون، والجدير بالذكر أن الفضل يعود في وضع أول قانون يفرض وجود مقاعد مخصصة للأطفال في السيارة لضمان سلامتهم عام 1977م.
إن التدابير الوقائية يمكن تناولها على أنها إما تدابير أساسية معتمدة على مدى التغير السلوكي على من لديه القابلية للإصابة أو من يعول مثل (حفظ الأدوية بعيداً عن متناول الأطفال)، أو تدابير ثانوية لا تعتمد في نجاحها على التدابير الوقائية من قبل الشخص العائل (مثل خفض درجة حرارة السخان المائي)، في الواقع إن معظم التدابير تجمع بين ما ذكر مثل لبس خوذة الرأس الواقية أثناء ركوب الدراجة فهي تساعد على الوقاية من إصابات الرأس شريطة لبسها بطريقة سليمة.
إن مدى نجاح هذه التدابير يتناسب عكسياً مع الجهد الشخصي المبذول، فعملية اختيار نوع من الإصابات للوقاية منها أمر صعب لأن هناك أولويات يجب مراعاتها مثل: نسبة حدوث الإصابة ومدى خطورتها والتكلفة الاقتصادية جراءها والتكلفة المترتبة على الوقاية منها ومدى نجاحها. وعلى مقدار ما تخلّفه الإصابة على الفرد والمجتمع توازناً مع ما تكلفه وإمكانية تحقيق التقليل من حدوث الإصابة.
iv) دور القطاع الطبي:
٭ النصح والإرشاد:
تعتبر خبرة الأطباء وخاصة أطباء الإسعاف والطوارئ لها بالغ الأثر والأهمية للوقاية من إصابات الأطفال، ويمكن أن تؤثر على عدة مستويات كتأسيس جمعية أو هيئة تقترح وتدعم الأفكار والقوانين المشروعة لاتخاذ التدابير الوقائية، بالإضافة إلى العمل على لقاء صُنّاع القرار وتبصيرهم وتزويدهم بالحقائق في هذا الشأن لكسب ثقتهم وتأييدهم ودعمهم لهذه التدابير الوقائية.
٭ الوقاية المباشرة:
تكمن هذ الوسيلة في التعليم المباشر المنصب على من لديه القابلية للإصابة أو من يعول وذلك بتغيير السلوك وتحسين وتعزيز الوصول إلى التدابير الوقائية مثل طرح خوذات الرأس الواقية للعجلات في المناسبات الرياضية، وأثناء احتفالات المدارس وجعل أسعارها في متناول الجميع، وطرح كاشفات الدخان بأسعار مناسبة أثناء احتفالات الدفاع المدني بالتوعية السنوية وغير ذلك.
وهنا أؤكد على المسؤولية الملقاة على طبيب أطفال للمشاركة في اتخاذ التدابير الوقائية وتعليمها للأهل، ويمكن الاستفادة من المصادر الطبية الجاهزة لدى الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال.
٭ الأبحاث:
إن تقييم البرامج الوقائية كما ذُكر سابقاً للتأكد من فعاليتها أمر حيوي للاستمرار فيها وتطوير أهدافها. وهذا يتطلب الحفاظ على دقة وترابط المعلومات المحصلة والمجموعة من المصادر الموثقة. ولعل الاتفاق الموحد على التصنيف الدولي للأمراض الذي يصنّف الإصابات بناءً على مسببات حصولها وليس على نتائج الإصابة مثل (السقوط من على الدراجة وليس إصابة في الرأس فقط). إن هذه الخطوة الأولى للأبحاث والاستبيان وهو ما يجعلنا بحاجة ماسة إلى إنشاء مركز معلوماتي خاص بالإصابات يمكن الوصول إليه عبر شبكة تقنية المعلومات.
أهم التدابير الوقائية:
٭ التأكد من أن المجتمع بأكمله يمكنه الوصول إلى مركز للسموم شامل وموحد.
٭ ايجاد الزيادة في عدد وفعالية البرامج الوقائية للأطفال والمراهقين عن طريق المعلومات المتوفرة والوقائع المضادة.
٭ تزويد العاملين في الحقل الطبي بالدورات والمعلومات الموثقة ومن ثمَّ نشرها وتعليمها للمجتمع كل بدوره.
٭ تحفيز المعلمين والمعلمات على تدريبهم على الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي والوقاية من الإصابات.
٭ العمل في البرامج الوقائية في أقسام الإسعاف والمستشفيات عموماً ومتابعة حالات الإصابات للتأكد من عدم الوقوع فيها مرة أخرى.
٭ التأكيد على أهمية التأمين وعدم استفادة المؤمن من عدم تقيده باللوائح والأنظمة.
٭ إن المجتمع الآمن يتطلب التدخل المبني على معلومات وبمشاركة المواطن وأن تكون البرامج شاملة وبمشاركة من جميع القطاعات وأن يتم تقييم النتائج بصفة دورية مستمرة.
استشاري الإسعاف والطوارئ للأطفال