يقول د. جابر عصفور في كتابه «عصر الرواية» ان نجيب محفوظ في معركته مع الكاتب الراحل محمود عباس العقاد قال إن فن الرواية يعبر عن عصر المدينة الحديثة، بينما الشعر هو النبض لعالم ما قبل بلورة مظاهر هذه المدينة.
هيمن هذا التفسير على عقلي مع قراءة رواية «بنات الرياض»، للكاتبة رجاء عبدالله الصانع.
وعبت على دار الساقي بلندن التي نشرت الرواية دون معلومات عن الكاتبة وتاريخها ومستوى تعليمها وعلاقتها بالأدب.
لقد كنت متشوقاً للوقوف على هذه المعلومات للاقتراب من كاتبة بهذا الاطلاع المبهر على قراءة متنوعة للروايات والأشعار وفهم نظريات النمو الاجتماعي، والنفساني وانشغالها بتفسير سلوك الأفراد من خلال القص الروائي.
ولم أر كلمة «خارجة» أو صورة ما تتجاوز الأعراف، لكن الرواية كاشفة للغاية في بلورة سلوك الأفراد حسب التعليم والثقافة وتلقي العلم في بيئات أوروبية.
والصدام بين العلم وحقائقه وسلوك الأفراد، ليس جديداً على الرواية العربية الحديثة. عالج الموضوع برمزية وتوسع يحيى حقي في «قنديل أم هاشم» كما تناوله طه حسين في «أديب». ويكفي قراءة «السراب» لنجيب محفوظ للوقوف على دور «الأم» في السيطرة على الأبناء وفي رواية «بنات الرياض» تظهر القضية في حالة فيصل.
إن المجتمعات العربية كانت ولا تزال مشكلاتها هي الصدام مع القيم القادمة مع التعليم، ويمكن النظر الى وقف السيد أحمد عبدالجواد عندما أخبره الأصدقاء بأن ابنه «كمال» يكتب عن نظرية العالم دارون وأصل الأنواع حيث الصدمة التي نقلت «دارون» الى حي الحسين في منطقة الجمالية الشعبية المصرية. لقد اهتز عبدالجواد. التاجر ويملك محله لبيع البخور والأعشاب والمواد التموينية بما قاله «دارون»!.
إن «بنات الرياض» لا يصطدمن البيئة بأفكار «دارون» فالعقيدة الدينية ثابتة وغير مهترئة، لكن الصدمة الروائية تأتي في كشف عن تناقض ليس مع المدينة وتراثها، وإنما نمو الفرد واصطدامه بالآخر.
إن الرواية تسيطر عليها من أول حرف فكرة الحب، في داخل علاقة الزواج. فكل الشخصيات تأخذ الحب وسيلة إلى الاستقرار.
هذه العلاقة تعرض لخلاف كبير بين الفتيات، حيث سمحت ظروف تراكم الثروة والدخول الى نطاق التعليم طرح التناقض مع الرجل الذي رغم تلقيه العلم نفسه لا يزال مشدوداً إلى تقاليد ثابتة وإلى هيمنة «الأم» وتصورات المجتمع البدوي بكل قيمه التي تعاند التحديث والتعليم والانفتاح على الآخر فالرجل هو الأقل للاستجابة للتحديث.
وتذكرني بطلات بنات الرياض بأمينة بطلة رواية إحسان عبدالقدوس «أنا حرة» وكانت هي نفسها تشعر بالتناقض مع مجتمع قد انفتح مبكراً على الغرب. لكن مفهوم أمينة للحرية كان يصطدم القرويين الذين جاءوا الى المدينة ولا تنال قيمهم مزروعة بداخلهم دون تغيير.
ويقارن القارئ بين «أمينة» احسان عبدالقدوس التي تريد العلم والوظيفة وليس الزواج. وبين أمينة أخرى كانت مكبلة في بيت أحمد عبدالجواد. وعندما تجرأت لزيارة لمسجد الحسين كان طلاقها وخروجها من المنزل.
ولعل نجيب محفوظ جاء بسوسن حماد إلى عائلة تشوكت وهي الفائزة والمتمردة ابنة عامل المطبعة، في اشارة إلى الصدام بين أجيال قيم وعادات.
وعندما تتقدم المجتمعات في طريق المدينة يحدث هذا التصادم ويظهر «فن الرواية» الذي هو أولاً عن الفرد الذي يصف العالم من حوله وسلوك الآخرين.
وقد أدهشني هذا التدفق في الكتابة ورسم سمات الشخصيات ورؤية العالم عبر محيطهن ورغبات وآمال في الرجل الذي هو الطرف الآخر في عالم المدنية والحياة. وكأن الاخفاق هو في هذه العلاقة التي تكشف التناقض بين الحداثة وتقاليد البدو. وبينما المرأة أكثر حداثة يبدو الرجل في حالة خوف من التمايل مع قيم جديدة.
وإذا كانت كاتبة مصرية هي ميرال الطحاوي تعود إلى بيئة البدو وتهجر مدينة عبدالقدوس ومحفوظ ويوسف ادريس فإن كاتبة «بنات الرياض» هي الملح الآخر عن المدينة الناشئة بالمتاجر والمقاهي والساحات المفتوحة التي تبدو محجوبة عن الآخر «الفتاة» التي ترى في هذا التمدد المدني منطقة مغلقة أمامها فتتحايل بالدول لها مع الطرف الآخر وهو الرجل.
وتبدو روايات ميرال الطحاوي الهروب من المدينة بعد تحولها الى عشوائيات، فمشروع النهضة المصري انتكس مما سهام بحجب المدينة بشكلها الأوروبي وعادت من جديد قيم البدو التي تبرز على أطراف القاهرة وفي قلبها.
إن هذه الرواية «بنات الرياض» صادقة في فنها وأدبها، وراقية في صورها، هي أقرب للوحات السلوك مع ربطها في شخص الكاتبة التي تتأمل وتريد كشف ما جرى لكل المجتمع، مشدة نحو متغيرات ومطالب ورغبات، هي كلها مشروعة لأن الهدف هو الزواج وليس التمرد ضده، كما كانت تفعل «أمينة» إحسان عبدالقدوس في روايته «أنا حرة».
جاءت الرواية بكلمة لغازي القصيبي، علامة على أن روايته «شقة الحرية» هي التي فجرت كل هذا السيل من الأعمال الروائية السعودية.
إن القصيبي يرعى رواية «بنات الرياض» بهذا الاهتمام الأدبي، لا يرى فيها «صدمة» ولا جنوحاً وانما صدفاً في كتابة تكشف عن نهر المدنية التي تلف المدن السعودية في عناق الثروة مع التحديث مع التعليم وتبدل الأحوال.
إن الفن الجميل يفجر الأفكار والحوار. وكان صدور «نسخة الحرية» بداية فتح طريق الإبداع الروائي السعودي الذي يعبر عن فن المدينة. ورغم أن القصيبي كانت روايته تتحدث عن نقلة سعودية الى بيئات أخرى حيث الأفكار والعادات، فإن كاتبة «بنات الرياض» لمست بصورها كل هذا الزخم الجامح في نمو شخصيات يدفعها طموحها أن تعرف وتعلم وتخلف وتعلن عن هذا الاختلاف بأسلوب شيق يعكس حيوية بالغة.