الرئيسية > ثقافة الخميس

في وداع يوسف الصائغ

الحياة وسط إشكالية الشعر


فاطمة المحسن

توفي يوسف الصائغ الذي منح الكلمات حياة مليئة بالجمال، ومنح الحياة كلمات مليئة بالالتباسات.توفي يوسف وهو لم يستبن بعد حدود الشعر وحدود الحياة، مثلما كان تيقنه من نفسه كناثر وشاعر معا، ففي شعره نثر كثير وفي نثره شعر كثير.

خلّف يوسف القليل من المؤلفات في مسيرة جاوزت النصف قرن من الكتابة وكان نتاجه لايرقى الى ما يختزنه من إبداعات. كان يدمن الكتابة والشهرة معا، وليس مثله من كان لا يأخذ كتابته وشهرته على محمل الجد.

هو شاعر وإنسان إشكالي، ومن لايعرف هذه الإشكالية يجهل مأزق الثقافة العراقية برمتها. فالصائغ يمثل خلاصة ذلك الارتباك الثقافي الذي جعل من المعرفة وتمثلاتها،مجرد مشاريع متشظية. ثقافة تجهل ما تريد، وتملك توق تجاوز الأوهام عن نفسها، ولكنها تعجز عن فعل جدير بشجاعتها. إنها تتوارث الشلل من أزمنة العسف والاضطهاد والعقم.

نشر الصائغ في الثمانينات، ما يشبه المذكرات في مجلة الأقلام العراقية، وأسماها (اعترافات مالك بن الريب) وهي سيرة نادرة جمع فيها خلاصة ثقافته المسيحية التي أدمن فيها فن الاعتراف، فلديه ديوان وكتابان تحت هذا العنوان. والاعتراف عند يوسف يتلبس ألف رداء، ومنه رداء الجلاد والضحية،فهو قاس كحد السيف وخائف كقطة مبتلة. هكذا أنهى يوسف حياته في تبدل أقنعته على مسرح الحياة. ولعل قدرته على تخييل البيئة وأحداث الحياة أنتجت تدوينات عن زمن كان يحار كيف يصفه، فكتب توريات عنه، شخصيات وحوادث اكتست قوة النموذج الروائي ودراماتيكية.

مالك بن الريب قناعه الذي استطاع عبره إعادة قراءة شاعر الصعاليك في قصيدة توجته واحدا من أفضل شعراء العراق بداية السبعينات، ولكنه بقي خارج تصنيف الشعر، فقليل من النقد كتب عنه، وفي الكثير من الموسوعات لايرد اسمه بين شعراء العراق. هو لاينتسب الى جيل معين ولا لإسلوب يمكن أن نصفه بالحديث أو القديم، ولم يكرس نفسه للشعر أو الرواية أو الرسم أو المسرح، فالفن يأتيه من كل المطارح.

كان يستسلم الى غبطة الكتابة في لحظتها العابرة، في زمنيتها التي لاتحتاج تعب التحول الى تاريخ، فالتواريخ عنده تنسخ بعضها او تمضي الى زوالها،لأن الزوال وحده الذي يمحو الأخطاء، او يصححها بخطايا جديدة.

في مقابلة أخيرة، تحدث عن مديحه صدام حسين، مؤكدا انه لايخجل من هذا التاريخ في حياته، فالمديح كما يقول ظاهرة شعرية عربية، فهو لايرضي الحقيقة قدر ما يرضي الممدوح. المديح حسب قوله، مجرد كذب ينطلي على الممدوح لأنه يرغب فيه ويطلبه.

كان ضحية البعث في انقلابه الاول 1963، فهو من الجيل الذي قضى ردحا في السجون،وتلك الإحداثيات لاتغيب عن كتاباته، حتى وهو في عزّ تملقه السلطة، ولم يكف عن استذكارها في مؤلفاته التي ظهرت في كل مراحل عمره. وعندما اعتقل آخر مرة نهاية السبعينات كان قد تعب من المهانة والإذلال الجسدي والروحي،وبعد ان خطفوا حبيبته وقتلوها تحت التعذيب، استسلم في خطوة دراماتيكية تليق بأدواره التي يهواها. انتهى يوسف الى مصير عاش فيه على قلق رغم امتيازات المناصب والثروة والنساء اللواتي أحطن به،فقد أرادوه عبرة لكل كاتب، وهذا جهل بيوسف الذي يحمل قلب طفل متشرد ارتكب أخطاء فخاف من نفسه، خاف من مرآته.

فكرة الطهارة والنجاسة،الخطيئة والغفران،الجلاد والضحية، من أهم محركات كتابته، ولعل الثقافة المسيحية التي تربى عليها صغيرا بقيت تلازم فنه،فيهوذا ومريم المجدلية والصلب والقرابين من بين رموزه الخفية والظاهرة التي لاتحتاج الى كبير تأمل كي يدرك القارىء مغزاها، فبساطة يوسف ورومانسيته الآسرة تضفي على كل البداهات طزاجة الابتكار.

رحل الصائغ قبل شهرين الى سوريا، فتلقفه علي عقلة عرسان وأقام له تكريما كانت كلمته الأولى لعبد الرزاق عبد الواحد، مادح صدام الاول، ولعل الحاجة الى الأمان ولقمة العيش، قد فتحت قرائحه على شتائم مقذعة لتواريخه وأناسه القدامى. يوسف كان قد عرف أنه وصل خاتمة لاتليق به، فاختفى،مات من الخجل حسبما نشر في سنواته الاخيرة:

لاترحموا عزيز قوم ذل

لاتعتبوا على البطل

يكفيه أنه رأى الذي رآه

ولم يمت من الخجل.

ستمحى كل التواريخ ويبقى يوسف الصائغ الذي لم يكتمل مشروعه الأدبي، ولكنه ترك أثرا لايمحى في تاريخ الثقافة العراقية، كظاهرة سياسية، وكإبداع متحرك جدير بإعادة القراءة والتأمل. خسره الأدب العراقي، فلطالما انشغل عنه بمعارك دون كيشوتية، بيد ان ما بجعبته يحفظ في قلب قارئه الكثير من المحبة والاعجاب.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة