في مواسم التسوق كالأعياد والإجازات.. يحرص بعض أهالي جدة على الذهاب لوسط البلد الذي كان يعد المركز الأساسي للتسوق فكل بيوتات جدة التجارية التقليدية انطلقت من هناك.. وكل الماركات والعلامات العالمية الشهيرة لمختلف منتوجات الملابس والعطور والساعات والالكترونيات كان لوكلائها مواقع معروفة وشهيرة اعتاد أهالي جدة ارتيادها للتبضع والاطلاع والتسكع أيضاً.
وبدون ذكر أسماء حتى لا نقع في شرك الدعاية والإعلان.. فإن جولة على مراكز وسط البلد التجارية التقليدية.. تؤكد على التحول والتطور الكبير في كثير من المفاهيم التي كانت عليها العقلية التجارية والاستثمارية.. في مدن كبرى مثل الرياض وجدة.
٭٭ أول ما تلاحظه أن هذه المدن لم يعد فيها «وسط بلد» أو «مركز مدينة».. أو كما يحلوا للبعض: «داون تاون».
أصبح «مركز المدينة» أعداد كثيرة من المراكز التجارية.. ومجمعات التسوق الشاملة أو حتى المتخصصة في مجالاتها كالكهربائيات والهواتف والالكترونيات وغيرها.
أما ما بقي لوسط بلد مدينة جدة من ذاكرتها فهو سوق العملات الأجنبية.. فبالرغم من أن البنوك بفروعها المنتشرة في مختلف الأحياء تؤدي مهمة تبديل العملات جزئياً.. إلا أن سوق وسط البلد ما زال هو المركز الرئيسي والتقليدي بحكم قربه من الميناء وارتباطه بزوار جدة خلال مواسم الحج.. وهو المكان الوحيد الذي يمكن فيه بيع وشراء عملات دول مختلف أنحاء العالم.. وسوق «الصرافة» حالياً هو مركز الذاكرة القديمة لسكان جدة.. فيما عدا ذلك رحلت البيوتات التجارية التقليدية.. ونشرت الماركات العالمية فروعها في مختلف مراكز ومجمعات التسوق التي واكبت تطور العمران واتساع الرقعة السكانية.
صحيح ان هناك مستويات متباينة للبضائع والماركات التي تجدها بين معروضات هذا السوق أو ذاك.. لأن مستوى الطبقة الاجتماعية القاطنة لحي من الأحياء فرضت على السوق التجاري نوعية احتياجاتها ومتطلباتها.. وماركاتها وجودة صناعتها وأسعارها وفق القدرة الشرائية والسيولة المادية المتوفرة وفق المستوى الاجتماعي لسكان هذا الحي أو ذاك.. إلا أننا عموماً نجد أن الماركات العالمية الشهيرة رحلت مع البيوتات التجارية الشهيرة.. وأصبحت لها مواقعها ومجمعاتها وروادها أيضاً.
غير أن الملاحظ هو أن كثير من المجمعات والمراكز التي انتشرت مع اتساع دائرة التسوق انهياراً مريعاً أدى لكوارث اقتصادية ذهب ضحيتها أصحاب وممولي إنشاء تلك المجمعات.. وأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة الذين قاموا بفتح محلات تجارية في تلك المراكز.
جاد ذلك نتيجة لعدم الانطلاق من تخطيط تجاري سليم.. يبدأ من سوء اختيار الموقع الذي أقيم على مساحته السوق.. وعدم مراعاة القواعد الأساسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار في تصميم وبناء المنشآت.. والتي من أولوياتها حرارة الجو.. وعوامل الجذب للعوائل وأطفالهم.. وتوفر مواقف سيارات.. ونوعية ماركات البضائع وتناسب الأسعار وفق دراسات للمستوى المادي للتجمعات السكانية المحيطة أو المراد جذبها.. هذا بالإضافة إلى أن تلك المراكز العشوائية غفل أصحابها عن حقيقة قربها من مراكز تجارية ناجحة كسبت ثقة روادها واعتادت أن تلبي احتياجاتهم.. وتقديمها بأسعار مناسبة لا تزيد عن قيمتها الحقيقية.. ولا تدس لهم الماركات المقلدة وسط بضائعها.
٭٭ أدى هذا لوجود عدد كبير من الأسواق المغلقة.. لا نبالغ إذا قلنا انها تزيد عن عشرة أسواق.. وأسواق شبه مغلقة أو محتضرة بعدد ماثل.. ولا يوجد ما يحول دون غلقها بالكامل سوى التسهيلات التي يقدمها المالك أو المستثمر وبعضها يصل إلى امكانية فتح المحل مجاناً - دون إيجار - لمدة عامين.. أو ربما أكثر.
ونتيجة لذلك فإن الأسواق الفاشلة المغلقة مثقلة بالديون التي تمثل خسارة فادحة وكبيرة للممول والمستثمر.. حالها كحال الأسواق والمراكز المحتضرة التي يمكن في حالها أن نشير أن خسائر التمويل والاستثمار يضاف لها خسائر صغار التجار الذين يشغلون هذه محلاتها.
وإذا قلنا أن الفشل يسهم فيه - إلى حد كبير - التاجر المستأجر.. أو المحفز بالتسهيلات الخاصة بالإيجار بسبب عدم درايته باحتياج السوق واستسهاله امكانية الاستثمار في بضائع غير جيدة المنشأ والمستوى.. وعدم حرصه على وضع أسعار مناسبة.. فإن هذا لا يكفي لتبرير الفشل الذي تشمل اضراره عدة أطراف.
فإن السؤال لابد أن ينتهي ليوجه للجهات المختصة في الأمانة والبلديات الفرعية.. فإذا قلنا أن في أمانة بلدية جدة.. قسم خاص بالدراسات يقدم المشورة للمستثمر.. ويقدم بمقابل مادي الأفكار المناسبة للمشاريع المطلوب إنشاؤها في كل حي ومنطقة فإن هذا.. ليس بالمهمة الإيجابية الناجحة التي ترشد المستثمر الجديد.. وتحول دون هدر المال في مشروعات فاشلة أو مهددة بالفشل بعد أول هزة أو عارض طارئ لم تتم مراعاته في النظرة الشمولية للواقع التجاري والاقتصادي..
إن النمو الاقتصادي المتوازن.. يجب أن يكون مرناً ومتماسكاً لا يهتز أو ينهار مع تقلبات السوق.. والمطلوب من أمانات البلدية وفروعها.. أن تحدد نوع الاستثمار وأهدافه وجدواه في كل منطقة.. فلا يصح أن تسمح ببناء أسواق ومجمعات تجارية في منطقة مشبعة ولا تحتاجها ضمن خدمات.. بل هي على يقين مسبقاً بأنها تعطي تصريحاً ببناء مشروع محكوم عليه بالفشل سلفاً.
ولا يصح أن تسمح بتمويل كل هذا العدد الكبير من عمائر جدة إلى شقق مفروشة حتى في تلك الأحياء التي لا يفكر زوار جدة في الوصول إليها.. الأمر الذي يجعلها احياء شبه مقفلة على طبيعة الخدمات والاحتياجات التي تقدم لسكانها.
ولا يصح ان نجد كل هذه المستوصفات المحيطة بمستشفيات خاصة واستثمارية وفي أحياء لا تحتاج كثافتها السكانية لكل هذا العدد الموجودة فيها.
ولا يصح أن يبقى الأمر في حدود الاستشارة.. بل يجب الإيقاف والمنع ووقف كثير من الالتفافات والعلاقات والواسطات التي تؤدي لتجاوزات الخاسر الرئيسي فيها هو الاقتصاد الوطني وهو المستثمر والممول الذي قام بالالتفاف واستثمار علاقاته في شأن اقتصادي يمكن أن يستثمر أمواله بشكل صحيح بعد توجيه صاحبها بالاتجاه الذي تحتاجه المنطقة المراد الاستثمار فيها بغرض الاستثمار في طبيعة الاحتياج بضمان دراسات الجدوى والأسس العلمية التي تحتم الاستفادة منها.
فبدلاً من السوق التجاري قد يكون الموقع مناسباً للاستثمار الفندقي أو الترفيهي أو السكني أو حتى الصناعي.. يجب توجيه الاستثمار التجاري وفق قوانين وأنظمة يتم الالتزام بها وعدم تجاوزها.. خلال مرحلة زمنية محددة.. كأن تكون منطقة ما غير صالحة للاستثمار في مجال معين خلال العشر سنوات القادمة مما يحتم علينا المنع.. وتوجيه دفة الاستثمار إلى مجالات أخرى أكثر تناسباً وأكثر جدوى.. هذا بالإضافة إلى أن الدراسات الاستثمارية لا يجب أن تكون هذه هي حدود أفكارها ومقترحاتها.. بل يمكن التفكير في استثمارات أخرى كبيرة ومجدية.. يساهم فيها أكثر من مستثمر.. بحيث يتعاضد من يملك الأرض مع من يملك المال مع من يستطيع الإدارة والتسويق لخلق وحدات استثمارية ذات نمو مستقبلي متصاعد.