الرقم الأكبر في الميزانية.. وتحديات إنجاح العملية التربوية
كل القطاعات التي شملتها الميزانية بالزيادات بدءاً بالصحة، والإسكان والطرق، وانتهاءً بالتعليم الذي استحوذ على الحصة الكبرى، جاء ذلك كاستشعار من خادم الحرمين الشريفين، أن جميع قواعد التنمية ومبانيها، تنطلق من التعليم بكل أجنحته، والتدريب كثمرة له، وهنا يجدر بنا أن نعيد سيرة هذا الجهاز الكبير، المرتبط بكل بيت، ومؤسسة، بأن نضعه على قائمة التحليل والدراسة والتفاعل مع مشروع نهضة بدأت تأخذ معالمها من الطرق التي انتهجها ورسخها الملك عبدالله..
هناك جدل دام سنوات طويلة، وجاءت الأسئلة، هل التعليم للوظيفة ومكافحة الأمية، أم لبناء الإنسان ليكون مركز العملية التنموية بجميع تفرعاتها؟ وهنا جاءت الأجوبة أيضاً متعددة، بأن التأهيل لم يعد يتلاءم مع متطلبات الوظيفة الصناعية، والزراعية والتجارية وأن الخلاف ليس على طاقة الفرد، وإنما على بنائه الضعيف، وصار التركيز على بساطة المناهج والسياسات التقليدية التي صاحبتها وأيام الدراسة القصيرة مقارنة بدول العالم كله، وكذلك ضآلة مستوى الكثير من المعلمين، والمبنى المدرسي، وحالات الحشو بالكتب المدرسية التي لا تزال تتعلق بالشكل دون المضمون في مختلف اتجاهات التربية، هي أسباب لم يطلها الحل..
وحين نخص التعليم، فلأنه المصدر الأول للطبيب، والمهندس، والمحاسب، ورجل القانون وغيرهم، أي أنه الوعاء الذي تنطلق منه هياكل الطاقة البشرية الفاعلة، ولذلك نعود ونسأل هل الإدارة التربوية، ونظمها، وأسلوب عملها وتركيبتها الإدارية، والكم الهائل من الموظفين الذين أصبحوا عبئاً عليها، قادرون على تنفيذ مشاريع وخطط المراحل القادمة؟..
الأعذار القديمة تولت حلها ميزانية هذا العام مستعينة بالفائض المادي الكبير، لكن الموضوع لا يتعلق بالصرف فقط، وإنما بإحداث تغييرات جوهرية تلتقي مع جعل الكفاءة أولاً وفوق المحسوبية، وأن لا يتحول المسؤولون إلى مدققي حسابات، لأن الضبط للمصروفات، لا يأتي فقط من حصر الصلاحيات بحدودها الضيقة، وجعل الشك عاملاً من عوامل عدم تنفيذ المشاريع، بل بالمراقبة الدقيقة، وإعطاء الثقة لمن يستحقها، لأن عامل الزمن في تنمية الإنسان لا يتحرك ضد الساعة، بل يحاول أن يسبقها، والعملية التربوية ليست مجموعة قرارات تُبنى على استنتاج خاطئ، سواء في المراحل التعليمية الأولى، أو في أعلى سقوفها، لأن إصدار هذا القرار بسلبيات لا يتخلص من سلبياته إلا بعد عقدين من الزمن، وهنا لابد من وزن الأشياء وفق قاعدة تقليل المخاطر، كأي عملية اقتصادية أو أمنية، لأن الركيزة التربوية هي غاية بذاتها وقوة دفع لكافة النشاطات، ومن هذا الاعتبار نعتقد أن ميزانية التعليم تريد قائمة عمل نشطة ومدربة ولديها الحس الدقيق بأن المهمة صعبة، ولا يتحملها إلا المؤهلون لها..