• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2283 أيام

روادنا الأوائل يبحثون عن حقوقهم المشروعة!

تركي بن منصور التركي

    يمثل الاعتزار بالوطن والانتماء له غريزة فطرية تخالط كل فرد يعيش على تراب وطنه ويتفيأ ظلاله، وبلا شك فإن مفهوم الاعتزار لابد وأن يكون شاملا لكل أوجه الحياة اليومية المعاشة ومن صور الاعتزاز بالوطن الاعتزاز بالأشخاص الذين خدموا وضحوا وقدموا لوطنهم الشيء الكثير في بدايات تكوين أوجه الأنشطة المختلفة، ولعل أمانات البلديات في المناطق تنبهت لذلك الأمر حينها خلدت أسماء أولئك الرجال من خلال تسمية بعض الشوارع والميادين بأسمائهم، كذلك جهد وزارة التربية والتعليم الخجول في هذا الأمر من خلال تسمية بعض المدارس بأسماهم.

وحينما نتحدث عن الرجال الذين خدموا هذه البلاد منذ سنوات تأسيسها الأولى فإنني أتحدث عن العديد من الميادين المهمة التي خدموا فيها لعل أبرزها ميدان التربية والتعليم التي ساهمت تلك البدايات الوليدة قبل عشرات السنين بالقضاء على الأمية المنتفشية في بلادنا في وقت من الأوقات حتى إن الذين يقرأون ويكتبون يعدون على أصابع اليد الواحدة في المدينة.! ناهيك عمن ساهم في تقدم المجال الصحي أو الأمني أو الرياضي وغيرها من المجالات، إذاً قد نتفق على أهمية تخليد أسماء أولئك الرجال الأفذاذ، ولا أعتقد أنه يوجد من يرى عدم أحقيتهم «المعنوية» في تعريف الأجيال بهم وبجهودهم، لكننا بالتأكيد نختلف في أمرين:

الأول، هل ما قدم من مساهمات من قبل البلديات أو إدارات التعليم منحهم حقهم المشروع في التعريف والإبراز..!؟ والثاني ما الآلية الممكنة والفضلى لمنح أولئك الرجال الذي رحل أغلبهم حقهم الغائب!

وفيما يتعلق بالتساؤل الأول فإني أجزم أن ما قامت به البلديات وإدارات التعليم وبعض الجهود الخاصة لم تف أولئك الرجال حقهم في إبراز جهودهم وتخليد ذكراهم، لأنها بقيت غير ذات أهمية، فأنا مثلا حينما أقرأ «شارع الشيخ حمد الجاسر» او مدرسة «الشيخ محمد بن ابراهيم ال الشيخ» فإن هذا الأمر لا يعدو بالنسبة لي رمز لمعلم أو مكان أتعامل معه بصفة يومية، لكن هل هذه التسميات جعلتني ومن يقرؤها يعرف من هو حمد الجاسر أو الشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم وماذا قدموا لأمتهم ووطنهم..؟ إن ذكرهم بهذه الصورة لا يمنحهم إلا جزءا يسيرا وقليلا مما يستحقونه..!!

وهنا أعرج على التساؤل الثاني عن ماهية الطرق والسبل التي من الممكن أن تؤدي إلى التعريف بأولئك الرجال وجهودهم التي قاموا بها في خدمة البلد في سنوات غابرة، ولعلي هنا أضرب مثلا بسيطا في ميدان التربية والتعليم والمناهج الدراسية منها على سبيل الخصوص، ماذا لو سئل طالب في المرحلة الثانوية عن من هو أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم أو معروف الرصافي كم من الطلاب من سيتعرف عليهم؟ بل أن من الطلاب من سيتلو عليك أبياتا شعرية من نظمهم.. وذات الأمر لو سئل طالب في ذات المرحلة عن من يكون محمد حسن عواد أو حسين القرشي أو محمد عبدالله العثيمين. أجزم يقينا أن قلة قليلة جدا ستتعرف على احدهم ولن تكون - ابدا- سمعت الأسماء الأخرى. إن لم تفد بعدم معرفتهم كلهم. وهو الغالب!! وليس هناك من سر في هذا الإنكار غير المقصود بالطبع لأننا لو تتبعنا مادة النصوص الأدبية والنقد الأدبي في المرحلة الثانوية لوجدناها تتحدث كثيرا عن مدرسة إحياء الشعر العربي ومدرسة أبولو ومدرسة الديوان وجل روادها ليسوا من هذه البلاد وجل النماذج الشعرية والقصصية الموجودة في تلك المواد ليست لأدباء هذه البلاد حتى في قصائد عادية كقصيدة أحمد شوقي مثلا في دمشق، نعم تأثر شعراؤنا في بداياتهم بالحركة الأدبية في جمهورية مصر العربية التي كان أعلامها وروادها كطه حسين والعقاد والزيات وغيرهم يحظون بمتابعة كبيرة من أدبائنا في ذلك الوقت، بل إن أولئك الأدباء السعوديين لا يخفون إعجابهم بتلك القمم الأدبية في الوطن العربي، لكن هذا الاعتزار يجب أن يظل في مرحلة معينة تختص بالشاعر ولا تعمم على الجميع، ولو تصفحنا كتب النصوص العربية في السنوات الدراسية المختلفة في مناهجنا لوجدنا في غالبيتها الكبيرة ليست لأدباء سعوديين!!

وذات الأمر موجود في الدراسات الجامعية فمن ضمن ثمانية فصول دراسية يقضيها الطالب الجامعي في كلية متخصصة «كلية اللغة العربية» لا يتعامل مع الأدب السعودي إلا في الفصل الأخير. وعلى استحياء. وسط مزاحمة الشعراء العرب الآخرين. ! وأذكر أن نصوصا شعرية قررت علينا إبان الدراسة الجامعية في الفصل الأخير لم تكن لشعراء سعوديين.! وبالتأكيد أنني حينما أطالب بالاهتمام بالأديب السعودي فلن يكون ذلك على حساب النص الأدبي وجودته، وشعر الأدباء السعوديين الأوائل خاصة محمد العثيمين ومحمد حسن عواد وأحمد غزاوي وغيرهم فيها من الالتزام بضوابط الأدب ما يجعلها نماذج صالحة وبامتياز للتدريس لطلاب الجامعة فضلا عن طلاب التعليم العام.!!

وصورة التعامل مع الأدباء من خلال المنهج الدراسي هي إحدى أبرز الصور الدالة على فداحة «الظلم» الذي نرتكبه في حق روادنا الأوائل، وليس خافيا على أحد أن المناهج الدراسية المحلية حينما طبعت أول الأمر طبعت محاكاة وتقليداً ونقلاً في أحيان كثيرة للمناهج التي كانت تدرس في الأزهر ذلك الوقت، وهي مرحلة مطلوبة في وقتها حينما كان التعليم محدودا وقليلا في بلادنا وإمكانية التأليف صعبة قياسا بتجربة قائمة وناجحة، لكن هذا يجب ألا يستمر أبد الدهر في ظل وجود كفاءات وقدرات علمية وأدبية متميزة في بلادنا.

من السبل الكفيلة أيضا بحفظ حقوق اولئك الأوائل الرواد هي التواصل مع من بقي منهم على قيد الحياة أو تتلمذ على أيديهم، وإبرازهم من خلال تكريمهم رسميا وهي دعوة لمولاي خادم الحرمين الشريفين بإعادة العمل ب«جائزة الدولة التقديرية» التي قدمت في عامين قبل أن تتوقف قبل عشرين سنة تقريبا وتخصيصها لأولئك الرواد من خلال الالتقاء بهم وأجراء لقاءات صحفية أو تحقيقات تستعرض جهودهم في مجالهم الذي برعوا فيه، كما أن على مفكرينا وأدبائنا أن ينفضوا التراب عن تلك المنجزات القيمة للرواد ويبرزونها للعلن تحقيقا ودراسة، وهنا أشيد بكتاب قرأته مؤخرا للدكتور عبدالعزيز بن سلمة بعنوان «حمد الجاسر ومسيرة الصحافة والطباعة والنشر في مدينة الرياض» الذي أنصف هذا الرجل الذي تعب وجاهد وأخلص ليكون له الفضل بعد الله في ظهور الصحافة والطباعة في المنطقة الوسطى، كذلك توقفت كثيرا مع الأسماء التي تناولها الكتاب سواء في مسيرة التعليم في المملكة او المكتبات أو المطابع ووجدت أسماء أقرأ عنها لأول مرة كان لها ثقلها ووجودها المؤثر في عدد من مجالات البلد التنموية، لينطلق مني سؤال مصحوب بأمنية، من سيؤلف عن هؤلاء ويبرز لنا جهودهم وأثارهم..؟!

أعود لأقول إن من سمات الاعتزاز بالوطن الاعتزاز برجالاته الذين خدموه وقدموا له الغالي والنفيس في سبيل أن يتقدم ويتطور، ومهم جدا أن يعمل الجميع أفرادا ومؤسسات حكومية وغير حكومية على تخليد تلك المنجزات من خلال إبراز أصحابها. وسأحاول أن أبدا بنفسي في هذا الموضوع بتقديم مقالات تتحدث عن اولئك الرجال وجهودهم بعد البحث والتنقيب عنها في الكتب المتخصصة أو الرسائل الإعلامية المتاحة آنذاك، هو جميل ودين يجب أن يرد لأولئك الأفذاذ، وهي دعوة للجميع بإنصاف أولئك الرجال..!!


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية

إعلانات