ابتسم البروفسور. وقال لي: «ان ما تبحث عنه هو أمرٌ مَرضيّ، الإنسان الطبيعي يعيش ويُكافح ويُجرّب الفرح والحزن. ويتزوج ويُنجبُ أطفالاً. ولا يُضيع وقته في التساؤل: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ إلا أنك لم تُنه قصتك. ما تزال تُخفي عني شيئاً ما. اعترف بكل شيء.
حكيت له كيف قابلت فريدة وقلت له إننا قد رتبنا موعداً. وانفجر البروفسور في ضحكة قوية ساخرة. تطلعت إليه مستثاراً. كنت قد بدأت أكره هذا الرجل لأنه كان يتفحص أسراري تحت عدسته المكبرة الحمقاء، ويضغط ليفتح كافة الأبواب الموصدة والمرتجة في داخلي.
«يكفي! يكفي!»، قال وقد بدأ يضحك بطريقته الساخرة: «سيظل هذا القناع على وجهك طالما أنت في فيينا - المرض الذي أصابك يسمى مرض الزُهّاد. إنه مرضٌ نادر جداً في أيامنا لأنه ما من جسد، اليوم، يُطيع روحه. هل سبق لك أن قرأت الأساطير ؟ هل تتذكر الذي هجر صحراء طيبة وركض إلى أقرب مدينة لأن شيطان الزنا كان قد ركبه. ركض وركض ولكن حين كان على وشك أن يعبر بوابات المدينة، تطلع فرأى برعب أن الجذام يُغطي جسده. ولكنه لم يكن الجذام. كان هذا المرض. المرض ذاته الذي أصابك. كيف يستطيع أن يقف أمام امرأة بوجه مضطرم كهذا؟ وأية امرأة سترى أنها تستطيع لمسه؟ وهكذا ركض عائداً إلى الصحراء. وقدّم الشكر لله الذي أنقذه من الخطيئة. بينما وأزال الله الجذام عن جسده. هل تفهم الآن؟
إن روحك - تعتقد أن النوم مع امرأة خطيئة مميتة. ولهذا ترفض أن تسمح لجسدك باقتراف هذه الخطيئة، إن أرواحاً كهذه، قادرة على أن تفرض نفسها إلى هذه الدرجة على الجسد، وهي أرواح نادرة في عصرنا. طوال عملي العلمي لم أواجه إلا حالة واحدة أخرى مشابهة، وهي حالة سيدة من فيينا تقية ومستقيمة وفاضلة إلى أبعد الحدود. كانت تُحب زوجها حباً شديداً. ولكنه كان في الجبهة. وصدف لها أن قابلت شاباً وعشقته. وذات ليلة كانت مستعدة لتسليم نفسها. لكن روحها ثارت وعارضتها. صار وجهها متورماً بشكل كريه تماماً كوجهك الآن. فبحثت عني يائسة. وهدأتها وقلت لها: ستشفين حين يعود زوجك من الحرب. وبالفعل حالما رجع زوجها، بمعنى أنه حالما زال خطر الخطيئة، عاد وجهها إلى جماله الأصلي. حالتك مشابهة تماماً.
ستشفى حالما تغادر فيينا وتترك فريدة وراءك.
لم أصدق. خرافات علمية. هكذا قلت لنفسي وأنا أغادره في حالة من الهيجان العنيد. سأبقى في فيينا. سأبقى وسأتحسن. بقيت شهراً آخر. لكن القناع لم يزل. وتابعت إرسال البرقية اليومية إلى فريدة: «لا أستطيع أن آتي اليوم، سآتي غداً».
ولكن هذا الغد لم يأت أبداً. وذات صباح وقد أنهكني الأمر كله نهضتُ من فراشي مصمماً على السفر. أخذت حقيبتي ونزلتُ الدرج. وصلت إلى الشارع، وتوجهت إلى المحطة. كان الصباح باكراً. وكانت نسمة باردة تُهبُ عليّ. كان رجال الطبقة العاملة ونساؤها مسرعين إلى أعمالهم في مجموعات مرحة، وهم ما يزالون يمضغون لقمات من الخبز. لم تكن الشمس قد وصلت إلى الشوارع بعد. كانت عدة نوافذ قد فُتحت، والمدينة كانت تستيقظ. مشيت بخطوات خفيفة وبمزاج حسن. كنت استيقظ مثل المدينة. وأحسست بوجهي يفقد ثقله فيما كنت أتقدم. كانت عيناي قد تحررنا وصار بوسعهما أن تتفتحا. وبدأ التورم في شفتي يخف. فرحتُ أُصفّر مثل طفل. مر النسيم البارد على وجهي مثل يد رحيمة، مثل المداعبة. وحين وصلت أخيراً إلى المحطة أخرجت مرآة جيبي لأتطلع إلى نفسي. يا لفرحتي.! أي حظ طيب! كان التورم في وجهي قد اختفى تماماً. ملامحي السابقة، الأنف والفم والخدان، عادت. هرب الشيطان وعدت مرة أخرى إنساناً.
منذ ذلك اليوم أدركت أن روح الإنسان منبع رهيب وخطير للاضطرابات. دون أن ندري نحمل كلنا قوة متفجرة ملفوفة بلحمنا وشحمنا. والأسوأ من ذلك أننا لا نُريد أن نعرفها. لأننا عندها نفقد مبررات النذالة والجُبن والكذب. لا يعود في وسعنا الاختباء وراء عجز الإنسان المفترض وفساده. نحن أنفسنا يجب أن نتحمل المسؤولية حين نكون سفلة أو جبناء أو كذابين. ذلك لأنه على الرغم من أننا نمتلك قوة كلية القدرة في أعماقنا فإننا لا نجرؤ على استخدامها خشية أن تدمرنا. لكننا نفضل الطريق السهل المريح. ونسمح لها بأن تصرف طاقتها شيئاً فشيئاً إلى أن تنحط هي بدورها وتتحول إلى لحم وشحم. ما أرهب أن لا نعرف إننا نمتلك هذه القوة! لو أننا كنا نعرف لكنا فخورين بأرواحنا. انتهى هنا كلام نيكول كازانتزاكس، وتجربته المؤلمة مع الروح وتأثيرها على الجسد. الآن جميعنا يعرف بأن الحالة النفسية للمرء قد تقود إلى حالات عضوية، وهذا لم يعد مجرد كلام نظري فقط، بل أن التجارب العلمية أثبتت أن الاضطرابات العضوية قد يكون سببها علة نفسية، وكما حدث مع نيكول كازانتزاكس في فيينا، حينما رفضت روحه الخطيئة، وتحول وجهه إلى ما يشبه وجه المجذوم، ورغم ذهابه إلى أحد أشهر الأطباء النفسيين في فيننا إلا أنه لم يصدق بما قاله.. بل واعتبرها خرافات علمية هرقط بها أحد العلماء.. ولكن حين صدق ما قاله له الطبيب النفسي بأن سبب هذه العلة هو روحه، أو حالته النفسية بدأ يعترف بقدرة الروح والحالة النفسية على أن تصنع الأشياء الخطيرة والرهيبة دون أن نعرف نحن هذا الأمر، لأننا لا نريد أن نعرف حتى نستطيع أن نبرر لأنفسنا النذالة والجبن والكذب.إن هذا الجزء من كتاب نيكول كازانتزاكس، عميق كل العمق عن الحالات النفسية، والروحية التي تشغل الإنسان وتُنهك روحه في الأسئلة التي ليس لها جواب، وهذا ما يُعرف في الطب النفسي، في كثير من الأحوال بالوساوس القهرية، حيث ينشغل العقل بأمور لا يعرف كيف يجيب عليها وكيف يتعايش معها.. إنها النفس القوية.. النفس التواقة للمعرفة.. ولكن ليس كل شيء يخضع لهذا المنطق من البحث والتقصي.. إننا أولاً وأخيراً بشرٌ نجوس في هذه الأرض ولا نعرف ماذا نُريد.. لنا نفوسٌ شرهة تُريد كل شيء طيب وتكره كل ما لا يتفق مع هواها.. ولكن ليس كل ما يُريد المرء يحصل عليه، ولا كل ما يكره المرء يستطيع أن يمنع نفسه من أن تُصاب به..!تجربة هذا الكاتب اليوناني الكبير، في بحثه والتي قادته إلى أمور بعيدة في سبر أغوار النفس البشرية تُعتبر كنزاً من المعرفة والفلسفة والثقافة وتشتيت الذهن أيضاً..!!