بحث



الجمعه9 شوال 1426هـ - 11 نوفمبر 2005م - العدد 13654

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


متى نكتب ما نفهم.. أو نفهم ما نكتب؟

د. إبراهيم الخير إبراهيم
    في ذات يوم منذ سنوات طويلة، ارتكبت حماقة الدخول إلى إحدى قاعات السينما في القاهرة لمشاهدة أحد أفلام مهرجان السينما الذي كان معقوداً فيها ذلك العام. كان الفيلم ينتمي إلى إحدى الدول العربية ومفترض بالتالي أن يكون ناطقاً بالعربية، وكانت الترجمة على الشريط باللغة الفرنسية التي لم أكن أعرف منها في ذلك الوقت، وما زلت، غير كلمة الشانزليزية، وعلى الرغم من أنني عرفتها بالعافية، إلا أنني حتى الآن لا أعرف ما إذا كانت اسم شخص أو مدينة أو محلات حلاقة؟ ولأن هذه الشانزليزية لم تُذكر في الفيلم، ولأن اللغة العربية (اللهجة) الناطق بها الفيلم غير مفهومة بالنسبة لي، فقد خرجت من ذلك الفيلم دون أن أفهم أو أعرف من كلامه غير كلمة واحدة يتيمة فقط!! ولكن من سياق الفيلم فهمت أنه يتحدث عن ثورة تلك الدولة، لأن كل أحداث الفيلم كان عبارة عن ضرب ومنازلات ومطاردات وتفجيرات وأحراش وجبال، وخُطَبْ - لم تكن عصماء أو رنانة في ذلك الوقت، وأيضاً الهتافات والشعارات لم يكن قد تم اكتشافها بعد، في عالمنا العربي - لذلك لم تظهر هذه الأشياء في ذلك الفيلم على الرغم من أن الممثلين كانوا عرباً (لزم هذا التنويه لكي لا يتشكك أحد في عروبتهم بسبب عدم وجود شعارات وهتافات!!). بقي أن أقول... إن الكلمة الوحيدة اليتيمة التي فهمتها من ذلك الفيلم هي أن بطله اسمه علي وبس. حالي مع ذلك الفيلم هو نفس حالي مع الكثير مما يُكتب في صحف الوقت الحالي في وطننا العربي، إذ انني كثيراً ما افتح على المقال أو الموضوع - في الكثير من جرائدنا - وأقرأه من الأول إلى الآخر دون أن أفهم منه شيئاً، ثم أعيد القراءة مرة ثانية وثالثة وتكون النتيجة كما هي، وفي بعض الأحيان استعين بأحد الأصدقاء أوكلهم (الجمهور) لفك بعض الطلاسم، ولكن لا حياة لمن تنادي. ولا أعرف ما إذا كان عدم الفهم هذا سببه جهلي أم هو بسبب بعض الكُتاب الذين يبدأون كتابة المقال قبل أن يختاروا ويحددوا موضوعه، وبالتالي تكون كتابتهم عبارة ن لف ودوران، وحذلقة وفذلكة لا معنى لها، بحثاً عن الموضوع الذي غالباً ما ينتهي المقال دون العثور عليه!! أيضاً هناك من الكُتاب من يريد أن يطرق موضوعاً ولكنه يخاف أو يحرج من طرح ذلك الموضوع (طبعاً كلكم تعرفون أن أسباب الخوف والحرج عندنا كثيرة) وهذا ما يجعل كتابة ذلك الخائف أو المحرج، عبارة عن لف ودوران حول الموضوع، وخروج ودخول، وطلوع ونزول، وكله كلام فارغ يحوم حول الحمى ولا يقترب منه، دعك من أن يقع فيه، وفي نهاية المقال تجد نفسك كقارئ أمام الغاز وفوازير تحتاج لمعاونة الأمم المتحدة لفك طلاسمها. أما الكتاب المتخصصون في بعض الشؤون فعليهم عند طرح أفكارهم في الصحف السيارة أن يستخدموا لغة بسيطة يفهمها القارئ العادي ولا يقحموننا بمصطلحاتهم التي لا نفقه منها شيئاً، وعليهم توفير تلك المصطلحات لخناقاتهم مع بعضهم البعض، أو لتلاميذهم في أماكن التعليم... ولكن المصيبة الأكبر هي في أولئك الذين يزعمون بأنهم متخصصون في أمر ما، بعد أن يكونوا قد حفظوا بعض مصطلحات ذلك الأمر ال (ما) دون أن يفهموا معناها، لذلك تكون كتاباتهم غير مفهومة للقارئ لأنها غير مفهومة بالنسبة لمن كتبها وفاقد الشيء لا يعطيه...

وأخيراً، لا أنسى ذلك اليوم عندما ذهبت لزيارة أحد الأصدقاء في مكتبه ووجدته منهمكاً في مكالمة تليفونية يبدو أنها مهمة، فأشار لي، بعد التحية، بالجلوس وناولني الجريدة التي كانت أمامه وأشار إلى مقال وطلب مني قراءته. كان المقال طويلاً بطول الصفحة وعرضها، قرأته حتى آخره ولم أفهم منه شيئاً غير اسم الكاتب، في آخر الصفحة وهو نفسه اسم من أعطاني الجريدة. ولأن مكالمته قد تطاولت ولأنني خفت من الحرج عندما ينتهي من مكالمته ويناقشني في مقاله أو يطلب رأيي فيه، لذلك بدأت قراءة المقال من أول وجديد وبتركيز شديد لكي أفهم شيئاً استطيع مناقشته، ولكن مرة أخرى وصلت إلى نهايته ولكن لا حياة لمن تنادي، ولم تكن القراءة الثانية بأحسن من سابقتها. والحقيقة خرجت من المقال بمعلومات مشوهة وملتبسة، ولم أفهم ما إذا كانت البرازيل هي التي هزمت الارجنتين، أو ما إذا كان الحكم قد حسب ضربة جزاء ظالمة لاورجواي ضد شيلي أو أن بوليفيا انسحبت أمام البيرو. أيضاً لم أفهم السبب في وجود حكام من دول مثل السويد واليابان في مثل هذه البطولات لكنني اعتقدت بأن اتحاد بلاتر قد قرر ذلك لتبادل الخبرات بين القارات ولتبادل الثقافات. أيضاً لم استوعب دور تلك الجهات التي ظهرت في المقال من أمثال البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، وأشياء مثل الاستيراد والتصدير وتبادل السلع. كل هذه الأشياء وجدتها في المقال والحقيقة لم أفهم ما هو دخل الرياضةبهذه الأشياء. بعد أن أنهى صاحبنا مكالمته، سألني عن رأيي في المقال كما توقعت، وعندما أخبرته بتلك الالتباسات التي حدثت لي فاجأني بأن هذا المقال عن اقتصاديات امريكا الجنوبية وليس عن الكورة...

بقي أن تعرف أن ذلك الصديق خبير اقتصادي!!!!!!!!!!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية