الإنسان والتغيير..
لا يمكن لأحد أن ينكر دور تغيير القديم بآخر حديث في نقل الإنسان من أطوار التخلّف والحياة البدائية إلى ما نعيشه اليوم من رفاهية وتحضّر فالتغيير سنّة كونية تفرضها الحياة وينفذها الإنسان طائعاً مختاراً في بحثه الدؤوب عن الأفضل والأكمل والأجمل، ومن يرفض التغيير فكأنما يقف في عين العاصفة وسيتجاوزه الزمن حتماً وهو قابع متخلّف عن الركوب يرى العالم بمتغيراته السريعة والمذهلة فلا يستطيع فعل شيء ببقايا إرثه (غير النافع) الذي يتمسّك به ظناً بأنه سيصمد أمام تيار الزمن الجارف..! لماذا يعترض إذاً البعض من أفراد المجتمع وبشدّة في بعض الأحيان على أي مشروع للتحديث حتى وإن كان يصب في مصلحتهم ويسهّل عليهم صعوبات الحياة..؟؟ يوضّح عالم الاجتماع ريتشارد لابيير أن عملية الاقتناع بالجديد وتبنيه إنما هي عملية فنية، فقبل العمل على نشر شيء جديد لا بد من إضعاف سيطرة القديم وتحكّمه في الناس هذا التحكّم الذي يختلف في درجته بين فرد إلى آخر، وحيث يكون من السهل انتزاع بعض الناس من النسق الاجتماعي الذي ينتمون إليه لأن تنشئتهم الاجتماعية محدودة..! يروي كبار السن في مجتمعنا (وهم يتندرون) كيف أن امتلاك أو الاستماع إلى (الراديو) على سبيل المثال في زمن مضى يعتبر ممارسة خبيثة يجب معاقبة مرتكبيها ويؤكدون أن (النواب) وهو المسمى القديم لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا يقومون بتحطيم وحرق أجهزة (الراديو) التي يقبضون عليها مع بعض (الزكرت) وهم الشباب المتفتحين الذين أخذوا على عواتقهم مهمة تغيير أفكار المجتمع الجامدة وغير القابلة للتطور وكانوا يواجهون التغريب من (الديرة) إلى أماكن أخرى وأسمع من والدي (رحمه الله) أن أحد أقاربي صدر حُكم (القاضي) عليه بإبعاده عن بلدته التي يعيش فيها بسبب شربه للدخان الذي يُعتبر محرّماً في نظر الناس آنذاك وقد اختار قريبي (الحداثي) السكن في مكة المكرمة حيث يسمع عن مدى تسامح أهلها وانفتاحهم على الغير من قديم الزمن.
اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين، زمن سيادة العلم وسيطرة الاكتشافات المدهشة عصر الإنترنت والاستنساخ وخرائط الجينوم البشري والهندسة الوراثية مازال يعيش بيننا من يقف في وجه أي تغيير وتحديث تتطلبهما الحياة ويتماشيان مع طبيعة العالم المتغير الذي نعيش فيه، والغريب أننا لم نر من الجهود التي تستحق الذكر تلك التي تحاول شرح وتبسيط تلك المتغيرات حتى يمكن لهؤلاء معرفتها ومن ثم الاقتناع بوجاهتها وقبولها فما أحوجنا لوجود برامج ذات فعالية تساهم في تهيئة الناس لقبول تلك المتغيرات حتى نقلل من اضطرابهم في التفاعل مع الجديد والحديث.