جريدة الرياض اليومية

الأربعاء 7 شوال 1426هـ - 9 نوفمبر 2005م - العدد 13652
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | تحقيقات وتقارير | الصحفي الإلكتروني | الأخــيــرة | ]
انتفاضة ضواحي المدن الفرنسية لم تبدأ بعد!

باريس - مكتب «الرياض»، حسان التليلي:

في أغلب الجامعات الفرنسية المتخصصة في العلوم الإنسانية أصبحت ضواحي المدن الكبيرة والمتوسطة الموجودة في فرنسا طوال العقود الثلاثة الماضية مختبراً ميدانياً يقصده الطلاب والأساتذة الجامعيون والخبراء المتخصصون في العلوم الإنسانية. وهم يفعلون ذلك حتى يتلمسوا على عين المكان واقع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها هذه المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. ويمكن القول ان نواة ضواحي المدن الفرنسية الكبرى قد أنشئت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بعيد الثورة الصناعية الكبرى التي حصلت في الغرب وبالتحديد في القارة الأوروبية واضطرت السلطات الحاكمة إلى إقامة تجمعات سكنية ضخمة قرب المصانع التي أقيمت خارج المدن. وفي فرنسا شهدت ضواحي المدن الكبرى من ستينات القرن العشرين عمليتي توسع كبيرتين بسبب تكثف هجرة المزارعين وسكان الأرياف والقرى الصغيرة إلى المدن الكبرى من جهة وحرص الدولة من جهة أخرى على إيواء مئات الآلاف من أسر المهاجرين القادمين من المغرب العربي وبلدان أفريقيا السوداء بشكل خاص.

أقفاص وجرذان

وشيئاً فشيئاً تحولت هذه الضواحي إلى مناطق شبه مغلقة على نفسها وتشبه أوضاعها إلى حد كبير أوضاع أحياء الصفيح في البلدان النامية. وتؤوي هذه المناطق اليوم قرابة خمسة ملايين شخص أغلبهم من المهاجرين وهي موزعة على سبع مائة وخمسين حياً مما يسمى «الأحياء الحساسة» وهي أحياء يطغى عليها الفقر وتطال البطالة أكثر من عشرين بالمائة من شبابها. بل يعاني من هذه الظاهرة نصف سكان عشرات الضواحي الحساسة. ويقول مراد أحد شبان ضاحية «غرينيه» الواقعة في جنوب باريس متحدثاً عن العزلة التي يعيشها شباب هذا الحي والأسباب التي تدفعهم في كثير من الأحيان إلى الدخول في مواجهات مع قوات الأمن «نحن مللنا من البطالة وأصبحنا لا نجد أي مكان نجتمع فيه بيننا إلاّ أبواب الأبراج التي نسكن فيها والتي تشبه أقفاص الجرذان الكبيرة التي تباع في المدن ليتسلى بها أطفال الموسورين».

وعندما نسأله عن رأيه في موجة العنف الخطيرة التي تشهدها منذ أيام بعض الضواحي الباريسية الشمالية ينفعل ويكاد ان يولول ثم يقول وهو يسعى إلى الظهور بمظهر الشخص الحريص على ضبط نفسه «عندما يطلب سكان الحي إلى الشرطة إسعاف امرأة جاءها المخاض أو عجوز سقطت في الدرج فأصيبت في كسر في الساق فإنهم يرفضون المجيئ إلى الحي ويتعللون بذرائع واهية. ولكنهم يحرصون دوماً إلى الدخول إلى الحي والتعامل معاملة سيئة معنا بحجة أننا نتاجر في المخدرات. وهذا ما لا نقبله ولا يقبله أبناء الجيل الثالث من المهاجرين».

وصحيح ان كثيراً من الدراسات والبحوث التي أعدها المتخصصون في علوم الاجتماع من طلبة وغير طلبة تؤكد ان البطالة والفقر دفع بكثير من أطفال ضواحي المدن الكبرى إلى تعاطي المخدرات والاتجار بها. بل ان عدداً من الأسر شجعت أبناءها على الاتجار بالمخدرات لأنها لم تجد من مورد رزق آخر غير هذا المورد.

بالرغم من الثورة المعلوماتية والتكنولوجية الحالية قد أتاحت لآلاف الشبان من أصل عربي أو أفريقي من سكان الضواحي الحصول على شغل في محلات بيع التلفون النقال فإن غالبية شبان هذه الضواحي يعانون من البطالة ويجدون أنفسهم بدورون في حلقة مفرغة. وحتى إذا توصل بعضهم إلى كسب مهارات ودبلومات عالية فإن أبواب العمل تظل عموما مغلقة في وجوههم وهو مايؤكده ميلود الذي يبلغ الثانية والعشرين من العمر ويعمل اليوم في إحدى وكالات تأجير العقار في ضاحية «سافيني» الواقعة جنوب العاصمة الفرنسية، يقول ميلود «كانت أسرتي تسكن حيا شعبيا في ضاحية باريس الغربية. وكنت أرسل مطالب العمل الى الشركات وأكتب عليها عنواني بذلك الحي فلم أكن أتلقى أي جواب. ونصحني أحد أشقائي المقيمين في مدينة «إيسي ليمولينو» الواقعة في الغرب الباريسي باستخدام عنوانه في مطالب العمل التي كنت أبعث بها كل يوم تقريبا وقد فوجئت في البداية باإقدام عدد من هذه الشركات على الرد على بعض المطالب. وبالرغم من أنها اعتذرت كلها وأكدت أنه ليست لديها أماكن شاغرة فإني شعرت بكثير من الارتياح والفخر وعادت لي ثقتي بنفسي، وكنت في قرارة نفسي أدرك أن الصورة السيئة التي يحملها ارباب العمل عن المكان الذي نشأت فيه هي التي حملتهم على تجاهل مطالبي أما الصورة الجيدة التي يحملونها عن يإيسي ليمولينو» فإنها جعلتهم يتعاملون معي تعاملاً آخر.

ولا تختلف أوضاع شباب ضواحي مدينة «كليشي» التي انطلقت منها أحداث العنف والشغب الأخيرة عن أوضاع ميلود أيام كان في الحي الشعبي الذي ولد فيه وترعر فهذه المدينة التي تؤوي ثمانية وعشرين ألف ساكن يعد الشبان الذين تقل اعمارهم عن الخامسة والعشرين نصف سكانها. ويكدح اولياؤهم ولكنهم لايستطيعون تأمين لقمة العيش. ويروي سكيرج أحد شباب المدينة وهو من أصل كونغولي إن الدخل الوحيد الذي تعيش عليه أسرته هو ألف يورو تتلقاها والدته من عملها كمنظفة مكاتب لا يسمح لأفراد الأسرة إلا بشراء الرز ويضيف فيقول «الثلاجة دوما فارغة».

المجهول

والواقع أن مايخيف اليوم في أوضاع ضواحي المدن الفرنسية الكبرى أنها أصبحت تنمو خارج الأطر المتعارف عليها وأصبحت بؤرا للتوتر وأصبح شبابها لقمة سائغة لبائعي المخدرات والمتخصصين في غسل الأدمغة كما تقول صوفي بودي جيندرو الباحثة الفرنسية في العلوم الاجتماعية. وتضيف هذه الباحثة التي تخصصت في دراسة الضواحي فتقول إن أمل كل واحد في هذه الضواحي هو الهروب منها بدون رجعة. وما يزعجها اليوم أكثر في تعامل السلطات الفرنسية مع أحداث الشغب الأخيرة هو ماتصفه «الرياء الأرعن والأحمق» وتسعى إلى شرح هذا الوصف فتقول إن الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية والحكومة تعلم بشكل جيد أن أحداثا مماثلة انطلقت أكثر من مرة في السابق ومنها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي عام واحد وثمانين من القرن الماضي في ضاحية «ليمينغيت» القريبة من مدينة لويم. ولكن السياسيين لم يستخلصوا العبرة مما حصل وإذا كان عدد السارات التي أحرقت في الأيام الأخيرة في إطار أحداث الشغب الجديدة فإن الباحثة الفرنسية تؤكد أن عدد السيارات التي أحرقت في البلاد منذ بداية السنة الحالية بلغ ثمانية وعشرين ألف سيارة، وتخلص إلى قناعة مفادها «أن انتفاضة ضواحي المدن الفرنسية لم تبدأ بعد» في إشارة الى خطورة أوضاع هذه الضواحي وانعكاساتها المحتملة على الحياة السياسية في البلاد.

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

| أعداد سابقة | اتصل بنا |
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية