بحث



الخميس 24 رمضان 1426هـ - 27 أكتوبر 2005م - العدد 13639

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


عباس الأفغاني

قصة - فارس الهمزاني
    الوجوه نائمة.. يملأ السبات معالم العيون التي لا تتوارى أن تأخذ غفوات ناعسة، توقظها ضربات المسامير المتجمعة في يده.. الجميع صامتون مستمتعون بالحركات البهلوانية التي يتقنها بمهارة عالية، وسط فحيح النار التي تخرج من فخار دائري.. يضع اطفاله داخل ذلك الكهف، ثم بعد دقائق يشعر بالالم والحسرة فيعود يخرجهم بواسطة عصيان حديدية، يخرجون منتفخين بسحنة سمراء.. اتذكر جيداً نظرات عيونه التي يغلقها بحدة عالية وهو يتفنن في الاخراج؛ مع قطرات العراق التي تتساقط من على جبينه؛ بل وحتى الفنيلة التي يرتديها.. لا اعرف لحظتها لماذا تذكرت الشيطان!

يغلف السكوت الحضور، ويعرفون الادوار دون الوقوف بطابور صباحي؛ الاشارات بالاصابع كافية للطلب دون حاجة للحديث، وعباس يشير برأسه دلالة الفهم.. كل شيء يدور بهدوء.. الوجوه لا تحمل اي شيء يشعرك بالبهجة، في حين ان العصافير خرجت للتو وهي تحمل بين جناحيها الفرح والامل.. ما ان تبدأ الشمس بالنضوج حتى يبدأ الضجيج وتتعالى الاصوات:

- بريالين تميز!.

وآخر في طرف المخبز، وضع اللطمة على وجهه قائلاً:

- بريال تميز وفول قلابة!

بينما طفل صغير انساب من بين الوجود، حتى وقف امام عباس وهو ينظر له:

- بريالين خبز وواحد بسكوت وعدس!

وبجانب المخبز وقفت عجوز بعيداً عن الرجال، الذين بدورهم افسحوا لها المجال لان تأخذ طلبها.. في حين ظهر مسن لا اعرف عن اسمه سواء - شايب الحارة - والذي لا يتقيد بالانظمة ويعرفه الجميع فلا يجد غضباً من الآخرين، حتى انه لا يتكلم؛ فبمجرد ان يشاهده عباس فإنه يحضر له بريال خبز مع فول!.

ليس من عادتي ان اذهب للمخبز في هذا الصباح الباكر، لكن اصرار والدتي كان قادراً على ان يوقظني من النوم.. لا شيء يبهج في المخبز، كون الفئات التي تأتي دائماً متشابهة!.

لكن هذا الصباح غردت فتاة جاءت على استحياء والتصقت داخل البقالة التي بجانب المخبز.. كانت تمشي الهوينا؛ الى ان سقطت عيناها بعيون عباس؛ ثم اشارت بيدها بأصبعين.. اصابعها بيضاء وناعمة توحي ان جمالاً حقيقياً يكتنز خلف تلك العيون القاتلة، وقفت انتظر ان يأتيني الخبز وقلبي مشغول بشيء آخر!.

لحظات وجاء دوري لاخذ الخبز، اشرت لها بيدي بأن تأخذ الخبز كنوع من اللباقة، التصقت العيون السوداء لبضع ثوان في لحظات هائمة؛ اصابتني بقشعريرة فاتنة.. تقدمت ببطء يتناغم مع خطوات قدميها.. سمعت عباس يطلب منها ان تأخذ الخبز الموجود، لكن صوتها الهادئ فجر كياني واسقطني مجروحاً، عندما قالت له بعذوبة فائقة، تتقطر منها خلايا العسل الهلامية:

- أبي خبز حار مرة!.

اشتعلت حرارة المخبز والتي جعلتني كل صباح دون ان توقظني والدتي اصطبح بوجه عباس متعللاً بشراء الخبز، وسؤال حائر يتردد على لساني:

- ماجتك راعية الخبز الحار!


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية