وسط الآمال الضعيفة، زار السيد عمرو موسى العراق لجمع الفرقاء في مؤتمر مصالحة وطنية، وحتى إذا كان الوقت جاء متأخراً عن التوقيت الذي كان من المفترض أن يكون للجامعة حضورها وسط نيران العراق، فإن المهمة لم تفقد قيمتها إذا ما علمنا أن بروز عنصر الطائفية والقومية والقبلية موارد أساسية لتفجير العراق، وأن الدستور يبقى مدخلاً فقط لحل منتظر، وإن كان مشكوكاً في إطفائه الحرائق التي امتدت لكل الجهات..
العراق جائع، رغم أنه سلّة خبز كبرى، وعطشان بوجود نهري دجلة والفرات، ويحتاج للوقود، وهو ثاني أكبر دولة في العالم في احتياطيات النفط، وأهم من ذلك انه غير آمن وسط التقاتل والثارات، ودخول عناصر إرهابية من جهات متعددة..
الجيش البريطاني في العراق قام باستطلاع سري حول وضع القوات الدولية، ومن يؤيد بقاءها، ومن يرفضه، فكانت النسبة مهولة حيث 45٪ من جميع أنحاء العراق يؤيدون الهجمات على القوات الأجنبية، وترتفع النسبة في المحافظات التي تتواجد بها القوات البريطانية إلى 65٪ وأقل من 1٪ يعتقدون ان وجود القوات الأجنبية يسهم في تحسين الوضع الأمني.
هذه النتائج قد تجبر القوات الغازية على تقليل نسب تواجدها إلى الحدود الدنيا وهنا قد يحدث فراغ أمني كبير، ودور الجامعة في هذا الوضع، يجب أن يبرز، ليس فقط تعويض القوات الأجنبية بأخرى عربية، أو إسلامية، وإنما بحل التناقضات التي تجعل العراق أكثر قبولاً لحلول داخلية تنبع من نفس الخريطة الاجتماعية، ودون أن يشعرالعراقيون بأنهم غيروا، احتلالاً أجنبياً بآخر عربي، ثم إنه إذا كان السيستاني له التأثير الأكبر على المسلمين الشيعة، وإنه بارك هذا الموقف من أمين الجامعة، ودفعه إلى التفاؤل، فإن مؤتمراً آخر للمراجع والشيوخ وقادة الفكر في العالم الإسلامي يجب أن يعقد ليكون مسانداً لنفس الغرض، لإزالة الإشكالات بين السنّة والشيعة، والعروبة والإسلام، أو حقوق القوميات والطوائف الأخرى حتى تكتمل الحلقة ويصبح الشعب العراقي أكثر اطمئناناً من جواره، وأفقه العربي والإسلامي.
هناك أقليات أخرى لا يجب تهميشها في أي حضور من أجل المحافظة على وحدة العراق، إذا كانت الغاية هي الخروج بنتائج تحميه من التشرذم والتقاتل، وهز أمن المنطقة، وجوارها، ثم إن مثل هذا الامتحان، وإن كان صعباً، يضع الجامعة العربية أمام تحد يجب أن تقبله وأن تراه من أفق أكثر بعداً من الخلافات بين الفرقاء وغيرهم..