بحث



الاثنين 21 رمضان 1426هـ - 24 أكتوبر 2005م - العدد 13636

عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


في محاولاته الدائمة لتخليص السلفية مما لحق بها
موسى العبدالعزيز يكتب «الدامغة»

الشيخ موسى العبدالعزيز
الشيخ موسى العبدالعزيز

الرياض - يحيى الأمير:
    ينطلق الشيخ موسى العبدالعزيز في كثير من أطروحاته من منطلق أن «السلفية» قد لحق بها من الضرر والتلبيس والافتراء ما ليس فيها مما يمثل تحدياً يرى معه الشيخ أن القضية تحتاج إلى دفاع وتصد وقد دفعه ذلك إلى أن يقوم بواجبه في هذا الشأن مبرراً بقوله «لظهور الإفلاس العلمي ممن كنت أظن أنهم علماء ولديهم بصيرة بأصول المنهج».

في بداية الكتاب لا يقدم الشيخ العبدالعزيز توضيحاً لفهمه للسلفية، ولا تفريقاً بين السلفية كمفهوم ومصطلح والسلفية كصفة وأداة تفكير ونظر وهو ما يمثل أبرز إشكالات التعاطي مع التصنيفات الدينية الحركية وحتى الفقهية، إذ لا تتعرض المفاهيم الرائجة إلى تقييد لحركتها المعنوية فتتحول إلى صفات عامة يتم استخدامها في سياقات مصطلح لا صفات.

يرد العبدالعزيز على ما يسميه بمرجعية التفكير العام ويقف مواقف حازمة من حالات الاندفاع والعاطفة التي قد تقف مبرراً لاتخاذ موقف شرعي ظاهره كذلك لكن باطنه غير منطقي ولا شرعي ويقول (تصفية الإرهاب الدموي لا تتم إلا عن طريق تصفية الإرهاب الفكري وعلينا أن نعيد تجديد الثوابت وحراستها، والتي أضرت بها هذه الدعوات الوافدة والدخيلة على الإسلام وأهله ناهيك عن مقالات أصحاب التكفير التي تدرس في المناهج).

وهذا قول صريح بأن كثيراً من تلك الآراء المتشددة استطاعت أن تتغلغل في خطابنا الديني التعليمي مما يكسبها خطورة أكبر ويساهم في زيادة حالات اللبس.

ويحدد العبدالعزيز كثيراً من الأسماء التي ربما افتتن بها البعض ذات زمن كسيد قطب حيث ينتقد كتابه «في ظلال القرآن» ومحمد قطب الذي يقرر في عقائد التوحيد ما يوافق أهل البدع المذمومين.

لكن وأثناء ذلك يذكر الشيخ من الأفكار ما قد يكون مثار أسئلة أخرى فهو يقول مثلاً: إن هذا التنظيم الحروري مشتق من حزب الجهاد المصري بكل ما يحمله من لوثة عقدية وتنظيمية فهو مصر على أهداف الحزب مثل تدمير مبنى التجارة الدولي ويجيز لأتباعه حلق اللحى، والتشبه بالنساء ونحوه من أمور ليس هذا موضع بسطها.

والأسئلة التي قد تثور أمام مقطع كهذا هي تلك التي ترى أن في كلام الشيخ خروجاً من القضايا الكبرى حين مقارنتها بتفاصيل لا يمكن أن يستدل بها على مسائل عقدية أو دينية كحلق اللحى.

يناقش الكتاب كثيراً من القضايا التي وقفت خلف ظهور معضلات عديدة في التفكير الديني وحصدت من الاجتهادات والاختلافات ما ورّث تعدداً وخلافاً وتشدداً في أحايين أخرى، كحكم تحكيم القوانين، وتحديد دار الإسلام وتعريف دار الحرب والأحكام المتعلقة بكل ذلك، وحقوق الحكام في الإسلام، وضلال القول بالتكفير العام للحكام والمجتمعات الإسلامية.

يناقش الكتاب الموقف من تلك القضايا في مقارنة بين موقف الأئمة السابقين منها وأحكام بعض المعاصرين مؤكداً أن الأحكام السابقة التي تعيّن صنف دار الكفر بعيدة عن قياس بعض المعاصرين الذين قرروا بأن أحكام القوانين الموروثة من الاستعمار تصنف نوع الدار بالكفر، ويوضح أن الدار بالسكان حتى لو استولى عليها أهل الكفر وأظهروا أحكامهم، وأن الضوابط التي تحدد دار الكفر هي التي حاكمها وسكانها كفار أصلاً ولو اختلفت شريعتهم بمعنى لو أنهم رأوا أن تطبيق الحدود وتنظيم الأحوال الشخصية في شريعة الإسلام تصلح للحكم في قضائهم على أنها مكتسبة من تجارب الشعوب أو الحضارات وتمثل قضية تحديد الدار بدار حرب أو إسلام واحدة من إشكالات التنظير الديني المعاصر بالإضافة إلى قضية تحكيم القوانين التي يوضح الكتاب موقفه منها قائلاً: وما يحكم به من قوانين الغرب في كثير من البلاد الإسلامية هي من جنس الحكم بسوالف البادية «السلوم».

وهذا سعي من المؤلف إلى إخراجها من دائرة الاتهام بأنها قوانين وضعية تنافس تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي لا تقل خطورة عن قضية الموالاة التي تمثل محوراً لكثير من آراء التطرف والتشدد حيث يشيع رأي بأن أي علاقة مع غير المسلم هي نوع من الموالاة التي لا يقرها الشرع، ويعقد الكتاب تناولاً مفصلاً عن هذه القضية حيث يفرق بين التولي والموالاة فالتولي هو اتباع دينهم من القلب والرأي والعمل من أجل النصرة وهزيمة المسلمين وإيذائهم من كشف أسرارهم وإرضاء العدو بكل ما يساعده على التنكيل بالمسلمين وإن تظاهر بدين الإسلام.

أخرجوا المشركين...، لا يجتمع دينان...

ربما لا يخلو بيان أو رسالة من القاعدة أو أي تنظيم إرهابي من الاستشهاد بأحد الحديثين: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، و: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، وزمام هذين الدليلين يوضح الكتاب بأن نصهما لا يحمل أي دلالة لقتل المستأمن، إذ يرى أن الفيصل في تنفيذ هذين الموقفين هو الإذن من ولي الأمر، وأن نصيهما يُقرران على الذين يدخلون من دون إذن أي عنوة دون عهد ولا عقد فيدخلونها ويسكنون فيها ويتاجرون ويمارسون شعائرهم ويقيمون هياكلهم ومعابدهم، ويستعين في ذلك بآراء ومواقف فقهية متعددة تؤكد ما ذهب إليه، مضيفاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم علّق تنفيذ الأمر لمن بعده من الخلفاء على تقدير المصلحة والصحابة نفذوا ذلك حين تبين لهم المصلحة ولم يخرجوا الضاع والخدم (من غير المسلمين).

يتوقف الكتاب عند حالات التعاطف التي تظهر من المتشددين تجاه كثير من أعمال التطرف ويوضح بأن المعذّرين للإرهابي متعاونون معه على الإثم والعدوان: فمن هؤلاء من ينكرالفعل ولا ينكر على الفاعل لأن لديه مشروعاً خاصاً يقام على سواعد مجاهدي السيف، مشروعاً قديماً في قالب جديد، يخادعون الله والذين آمنوا، ويرد على رفض بعضهم لوجود خوارج جدد، فيقول: وكأن هذه الأطنان من المتفجرات جاءت للألعاب النارية، ومنهم من يصرف الأنظار إلى قضايا العنوسة وقضايا غلاء المهور.

هذا الكتاب ربما يشير إلى حالة من الفرز التي بدأت تظهر لدى بعض الدعاة، ويراد منها «إخراج الباطل من الحق» وإيضاح الكثير من المفاهيم التي استندت عليها آراء ومواقف متطرفة من خلال قراءة جديدة ومتسامحة، ولعل اعتلال القراءات القائمة لكثير من النصوص والأدلة الشرعية هو الذي أدّى إلى تفسيرات وأفكار معتلة أيضاً، حين يستخدم الدليل وفق مستوى واحد للدلالة، أو يتم تفريغه من قيمته والتعامل معه وفق ظرفيته التي ظهر فيها لا وفق الظرفية الجديدة التي يستدل به عليها.

يستوقف قارئ الكتاب تلك اللهجة الحادة كالرويبضة، أفراخ، الجويهل، والتي تدل على الة الرفض والتصدي الذي يحمله الكتاب، فيما قد يرى البعض أنها حدَّة لربما ذهبت بشيء من العلمية المأمولة.

إن تحول الخطاب الديني الواسع والمتعدد إلى مادة للنقد والمراجعة والاختلاف وسلب صفة التشدد التي باتت شعاراً على كثير من الأفكار ذات الأصل السلمي وتحويلها إلى مبررات للعنف والقتل بات أمراً ضرورياً اشتدت الحاجة إليه حينما اتضح المصير الذي سيؤدي إليه الصمت عن هذه الآراء والاكتفاء باستيراد الاجتهادات القديمة من ظروف قديمة إلى أزمنة وظروف جديدة.


عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية