منذ تولي الملك عبدالله لمقاليد الحكم استحدثت طريقة جديدة لرفع الشكاوى للملك رأى فيها الجمهور شيئاً من الجرأة أو من الأخطاء التي سيحاسب عليها المسؤول التي أفلتت من يده وجعلها ترى النور حيث أصبحنا نرى بين فترة وأخرى صفحات في الصحف المحلية مدفوعة الثمن يعرض فيها المواطنون شكواهم وما يعترضهم من عقبات وهذه الطريقة بحد ذاتها غير معتادة ليس في المملكة فقط بل في معظم الدول (حسب علمي) فشكواك قد تطرحها بالصحف لأي مسؤول مهما كانت مرتبته أما للحاكم مباشرة فهذه الوسيلة وقف أمامها الكثيرون طارحين توقعات كثيرة منها ما ذكر سلفاً، إلا أن تكرار هذه المسألة أكدت أن العملية ليست خطأ أو جرأة وإنما صدر متسع من الحاكم ونفس متسامحة وتكرار هذه العملية واختلاف عارضيها أكدا هذا التوقع ولم يتجرأ الشعب على هذا العمل إلا عندما تمكن بداخلهم شعور القرب من الحاكم وأنه يعي معاناتهم وينظر فيها بجدية حتى إن البعض يردد بعفوية أنه يعرف الملك عبدالله معرفة شخصية وحميمية وكأنه من أفراد أسرته المحببين إلى نفسه وهو لم يلتق به في حياته ولكنها خاصية ينعم بها الله على ناس دون غيرهم، نحن نعرف أن كل مسؤول كبير يستقبل سيلاً من خطابات الشكاوى ومنهم حاكم الدولة، أما أن تطرح على صفحات الصحف فمعناه أن كل الأبواب أصبحت مفتوحة والحق لا يضيع عندما تفتح له أبواب المطالبة به وأظن أن الملك عبدالله قبل بهذه الوسيلة ليؤكد استعداده لسماع ما يجول في الأنفس وليقطع الطريق على كل من يتحجح بعدم الوصول للحاكم فاليوم أنت تتحدث أمام الملأ من خلال صفحات الصحف اليومية، فما وقعت عليه عيناي من صفحات مدفوعة الثمن وموجهة للملك حملت أنواعاً مختلفة من الشكاوى وليست شكاوى فقط بل هناك الرجاء والأمل كما فعل نزلاء الإصلاحية عندما طمعوا بعفو الملك عبدالله وصفحه من خلال صفحة جريدة، وهناك الشباب والشابات الذين أغلقت في وجوههم أبواب المسؤولين لحل مشاكلهم الوظيفية وطال مداها وهي بين الإدارات فتوجهوا لصاحب القرار الأول وعلى الملأ..
ما ينشر في الصحف ويوجه للملك مباشرة مخيف جداً لكل مسؤول متهاون أو ظالم فالواقع يؤكد أن جميع الطرق سوف تؤدي للملك عبدالله حينما يشعر المواطن أو المقيم بأي تجن أو ظلم، وهذا شعور جميل وآمن ويشير إلى تقدم حقيقي خال من شعارات الخطب الرنانة..
لعب الملك عبدالله دور الفارس في هذه المحبة والثقة التي في نفوس الناس التي تكبر كل يوم عن ما قبله، وهو الفارس بهيئته والكريزما التي يتمتع بها والهيبة التي لم تهتز عندما نزل للشارع وتجول بين الناس فصافحهم وحادثهم وضحك معهم وسمع منهم وبقدرة خاصة حول هيبة الخوف لهيبة حب واحترام، لا يسطع زهاء التواضع ورونقه إلا عندما يصدر من أشخاص متعهم الله بنعم دون غيرهم فشكروا ربهم بتواضعهم وسماحتهم مع من حولهم، ولم يكتف بهذه المواقف أثناء توليه للعهد فعندما تولى مقاليد الحكم سار على نفس مساره الإنساني السابق فحطم حواجز نفسية بينه وبين شعبه بإصدار كلمات لم تكن على هيئة أوامر بقدر ما هي (أشياء في خاطره) وأعلنها على الملأ وكأنه يعلن الحب في البداية على شعبه وقال إنه لا يحبذ أن يطلق عليه مولاي فالمولى هو الله، وبعدها أعلن رفض نفسه لتقبيل يده لما فيها من خضوع للنفس وهو لا يريد أن يرى في شعبه من يخضع لأي كان، من منا لم يتوقف طويلاً عند هذه الكلمة التي ضاقت في خاطره فخرجت للعالم أجمع، من منا لم تدمع عيناه وهو يراه يناول المسن الذي يجلس أمامه في مجلسه أتاه طالباً قضاء حاجته فناوله كوب الماء وطلب منه التريث حتى يأخذ نفسه ويستجمع قوته، إن المسن وأمثاله من الزائرين يجلسون في مجلس إنسان تتغلب إنسانيته على بروتوكولات الحكم والإمارة..
الملك عبدالله يعرف بذكاء وفطرة الفارس أن المحافظة على هذه المكانة وهيبتها لا تكون بكلمات التبجيل والتعظيم ولا بتقبيل الأيدي بقدر ما هي مهارة فطرية أقل جمالياتها أن تبقى في النفوس وفي مخزون الذكريات، وكانت هذه الكلمات والمواقف وما سبقها عربون محبة يقدمها الملك عبدالله لشعبه، للجميع دون استثناء، لا يتطلب الأمر أن تكون من خاصته لتحصل على حقوق وجمال هذه الكلمات هي للكل بدون استثناء وعليه كانت الشكاوى تقدم بهذه الصورة ولم تكن جرأة كما سميناها في البداية وإنما المحبة والعشم والثقة بأن تعاملهم مع إنسان يخشى الله فيمن أمامه، إنسان استطاع بقيادة الفطرة وليس في مدارس المراسيم أن يفصل بين بروتوكول الحاكم وقلبه لذا هي اقتحمت قلوب من حوله، حتى إنني سمعت مرة من إحدى السيدات المسنات في جهة حكومية وهي غاضبة من تجاهل الموظف لها وعدم احترامه لسنها وبصوت عال، إنهم إن لم ينهوا لها أمرها فسوف تخرج من هذه الجهة وتتوجه للملك عبدالله ليفصل في أمرها، وبدأت تستشهد ببعض مواقف الملك عبدالله وتواضعه وهو الملك ابن الملوك وكيف هؤلاء يتعاملون بعنجهية واستهتار.. أي يقين وصل لقلب هذه المرأة جعلها ترفع صوتها مهددة بأنها ستذهب لحاكم البلاد لينصفها وأي ثقة جعلتها تؤكد أنها ستأخذ حقها عندما تقف بين يديه!! لديها ولغيرها من الملايين من الناس عدة مواقف جعل هذه الثقة تنغرس في نفوسهم.. أيها المسؤولون مرة أخرى احذروا فالباب الكبير مفتوح عندما تغلقون أبوابكم..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(اللهم الطف بكل والٍ يلطف برعيته، واعف عن كل والٍ يعفو عن رعيته).