السيد ميليس، المحقق الدولي فتح المحرم في الملف العربي المملوء بالمحرمات والتجاوزات وتشبه واقعته بقتل (أرشيدوق) النمسا الذي فجر حرباً عالمية كبرى، إذ أن التحقيق الذي جمع العديد من المهتمين من مختلف الرتب والجنسيات، والأديان والأحزاب في قتل الحريري، أما أن يحول التقرير القضية إلى حرب بسوس، أو سلام طويل لكن بمواصفات دولية، أو تحدث تغييرات جوهرية في بنى كانت تعتقد أنها راسخة..
هل الحريري سيئ لدرجة تجمع عليه هذه التنوعات من البشر بالتآمر والتخطيط لقتله، وهو الرجل الذي حارب بسلوكه الطائفية والفئوية حين ابتعث آلاف اللبنانيين من كل العناصر دون تفكير بمذهب أو ملّة، وكان الرجل كريماً على بلده حين أقدم على أكبر إعمار يشهده لبنان بعد الحرب، أم أن الرجل محسود على ماله وثقافته واتزانه وولائه للبنان الوطن قبل أي شيء آخر؟.
التحقيق الذي اتهم العشرات من قوى مختلفة هل يجعل الوصول إلى المدبر والمخطط مستحيلاً، أم أن المحاكمة ستكشف مغاليق الأسرار حين يكشف كل طرف الآخر، أم تحدث حالات خطف وتفجير واغتيالات تجعل الوصول إلى النتائج أعصى من وثائق التقرير؟ ثم ما هو الموقف الدولي في حالة كهذه؟ هل سيقدم المتهمون إلى محاكمة دولية، وفي حالة عدم تسليم المتهمين تصبح ملاحقتهم دولياً قضية أخرى، ثم من لديه الحصانة التي تحميه من ذلك إذا ما صدرت إرادة دولية تنزع هذه الحصانة عن أي فرد مهما كانت وظيفته، أو مرتبته؟
الأسئلة عديدة معقدة ومن غير السهل التنبؤ بمستقبل الأيام المقبلة وحتى لو أبعدنا الموقف السياسي من القضية، فإن المحاكمة قد تكون بداية لفتح نوافذ كبيرة على أخطاء قديمة وجديدة، ولعل مشهد محاكمة صدام وحكومته بداية الإنذارات، لأن المنطقة هدف الآن وغداً لتطورات غير عادية، ولعل الاستعداد للحالات القادمة يجبر كثيراً من الدول أن تفهم أن الفوضى السائدة، قد لا تكون خارج مدارات مجلس الأمن وحتى لو اعتبرنا ما يجري سابقة خطيرة تعني التدخل في شؤون كل بلد وأن دولاً أخرى لديها نفس الحوادث دون أن تطالها المساءلات والمحاكمات، فإن الموضوع خارج الإرادة العربية وهذه مسألة سيطول فيها الجدل عن قانونية هذه الاجراءات من عدمها، لكن إذا كان ورثة صاحب الحق هم المدّعون، فإن الطرف الآخر عليه أن يثبت براءته، أو إدانته..