هل غيّر العلم مضموناً جوهرياً في حياة الإنسان..؟..
الواقع المعاش حضارياً أن هناك منظمات قوية وكثيرة لحقوق الإنسان، أخرى لرعاية الثقافة، الفنون، مجالات الفكر ورؤاه، حقوق المرأة، رعاية الفقراء والجياع، بدائل الأمومة للأيتام.. رهبة القوانين ونفاذ سيطرتها للإنصاف والعدل..
كل هذا يضج بريقه ويشرق ويتكاثر إلى جانب بريق آخر لتعدد وسائل العلاج.. تطور الإعمار.. تقنية المردود الأفضل للزراعة.. الشوط المذهل الذي قطعه تطور الاتصالات واختصار المواصلات..
يحدث ذلك في عالم لم تعد تفصل بين أجزائه أسوار من حجارة فهو يلتقي في مهرجانات فلكلورية وفنية وثقافية، يلتقي في مؤتمرات اقتصادية وأخرى سياسية.. وفي الغالب هو لا يلتقي لكي يحل مشكلة خاصة بايطاليا أو ماليزيا أو البرازيل، لكنه يلتقي لكي يطرب أو يفكر على مستوى عالمي.. يلتقي لكي يختار حلولاً أفضل لمشاكل عالمية في السياسة أو الاقتصاد أو الصحة أو حماية البيئة أو تطوير القدرات المشتركة أو مواجهة المخاطر الخاصة بجهود مشتركة.. يظلل كل ذلك ويفترض أنه يرعاه تجمع دولي فيما يسمى بالأمم المتحدة..
لن أقول الإنسان القديم.. ولكن إنسان ما قبل المئة عام أو أكثر بقليل لم يكن يملك شيئاً من كل ذلك.. ومع ذلك يجوز أن يطرح السؤال.. هل غيّر العلم والثقافة من طبيعة غرائز الإنسان؟.. هل أصبح في سلوكياته وتصرفاته وتفكيره مبرمجاً بمؤثرات العلم والثقافة اللذين أصبحا مع القانون توجه رغبته فيما يريد أن يقول أو يملك أو يفعل؟.. هل تثور فيه غريزة الإنسان القديم ما قبل آلاف السنين عندما كان يأكل بفضل قوته ويأمن بحماية قوته ويهادن ويحب عند الحدود التي لا تسمح له قوته بتجاوزها..؟..
ستحتاج لأن ترتدي النظارة السوداء مرة أخرى إذا أردت أن تستقصي هذا الأمر.. أن تفكر كيف تصبح الديموقراطية الأمريكية مطلباً ضرورياً بل حتمياً في الشرق الأوسط وهي مسألة هامشية بالنسبة لقانون القبيلة في معظم أفريقيا.. كيف أعطت الصين لنفسها حرية أن تختار وسائل بناء نموها باستقلالية تستحق الإعجاب.. وشعوب أغنى منها يراد لها أن تكون تحت الوصاية لأنها تهادنت مع ذلك..؟..
ربما لا يمت الأمر إلى الحقيقة بنسبة واحد في المئة لكنه أمر مخيف للغاية.. مرعب.. عندما تسمع من يفترض أن انتشار الأوبئة الجديدة إنما هو بتدبير شركات دوائية تريد أن تبيع أكثر وأكثر.. قلت لا أصدق ولا بنسبة واحد في المئة.. لكن مجرد الافتراض مخيف للغاية.. ثم عندما نجد العالم بكامله أصبح في حالة اقتناع تام من أن العراق ليس به أسلحة دمار شامل بل ليست به أسلحة حرب دولة وإنما مجرد أسلحة عصابات، فمن الذي يجب أن يعلن الخطأ والندم وتكاليف التعويض لبلد تم تدميره بالكامل؟.. عندها يبرز السؤال، عندما يأتي الأمريكيون بعذر وضح جلياً أنه غير حقيقي ألا يجوز أن نقول عن شهوة الغزو أن الدافع الرئيسي لها ليس إلا رغبة التملك، الانفراد بأهم ثروات العالم؟.. حتى الذين عارضوا في أوروبا فبحكم أنهم أصحاب رغبات سابقة إلا إنهم اعترضوا على الانفراد الأمريكي ولم يعترضوا على واقع الذل العراقي..