الخميس 3 رمضان 1426هـ - 6 أكتوبر 2005م - العدد 13618

تلبيس الكوافي

د. محمد ربيع الغامدي

    1 - التصور غير العلمي للظواهر:

من الطبيعي أن يكون تصور البدوي في الصحراء للشجرة مرتبطاً بمجرد انتفاعه بالاستظلال بظلها من حرارة الشمس. لكن تقديره لطول الظل وتحوله من مكان إلى مكان في أول النهار ومنتصفه وآخره، وفي الصيف والشتاء، لا يعني أنه يعلم قوانين الضوء. والأهم من هذا: أنه يعدُّ بذلَ الجهود في التوصل إلى ضبط هذه القوانين بدقة لا قيمة له ولا يساوي شيئاً، وليس من الأهمية عنده بحيث يستحق أن يفني عالم من علماء الضوء حياته كلها من أجل ضبطها. بل إن مثل هذا العمل سيكون بالنسبة له ضرباً من الجنون. وهذا باختصار الفرق بين العقلين العلمي وغير العلمي في النظر إلى الظواهر.

إذاً ليس غريباً أن يكون هناك تصوران متباينان لظواهر كونية مثل الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك. أحد التصورُّين لا يرى القمر مثلاً إلا من خلال السير في ضوئه ليلاً، ولا يعرف النجوم إلا من خلال الاهتداء بها في متاهات الصحراء، وهكذا. والتصور الآخر يدقق في «ماهية» الظواهر بعيداً عن غاياتها ومنافعها الظاهرة. تصوُّرُ الظواهر من خلال غاياتها (التصور الغائي للظواهر) ينطوي على خطورة كبيرة؛ إذ يلبس على أصحابه فيضع «غاية» الشيء بدلاً من «ماهيته». ولذا كان التصور الغائي كما يقرر الباحثون في التفكير العلمي من سمات «العقل الخرافي» في مقابل «العقل العلمي». ولا نحتاج إلى التأكيد أن بعض العلوم لم تسلم من هيمنة هذه السمة فالتسبت ماهيتها وبعض جوانبها المعرفية تبعاً لذلك.

وإذا كان التصور الغائي المصاحب لكل عقل خرافي يتصل في الغالب بالظواهر المرئية ذات النفع المباشر فإن هناك سمة أخرى لا تبتعد كثيراً عن هذه السمة تتصل بالمفاهيم المجردة، هي سمة «الخرفية» في تلقي المفاهيم المعرفية (التصور الحرفي). ونعني بها في هذا المقام النظر إلى المفاهيم المعرفية من خلال أسمائها فقط وغض النظر عما يتصل بها من منظومات مفاهيمية أخرى. وهنا أستعيد - لمجرد التوضيح - مقولة أستاذ جامعي استمع له جمع غفير في لقاء علمي وهو يقول: إن «نظريات التلقي» ليست سبقاً غريباً، لأنها ذُكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} وقوله عز وجل: {فتلقى آدم من ربه كلمات} والجامع بين التصور الحرفي والتصور الغائي هو انحراف «ماهية» العلم بناء على انحراف زوايا النظر إليه، أو لنقل: بناء على سطحية النظر إليه. هذه التصورات الى نوردها في هذا المقام ما هي إلا نماذج محدودة مما يمكن الإشارة إليه من نماذج التصورات غير العلمية الشائعة.

2 - توطين العلوم:

لا يوجد فرق نوعي بين تصور العلوم من خلال غاياتها أو من خلال أسمائها كما مضى، وتصورها مرتبطة بالهوية وبالمكان، ولا ينفك أحد التصورين عن الآخر. فكثيرون لا يستطيعون رؤية العلم لا وطن له ولا هوية. وهنا لا بد أن تصبح مقولة الأستاذ الجامعي المستشهد بها آنفاً ذات قيمة كبيرة عند من يميل إلى توطين العلم، ولا مانع حينئذ من التضحية بمنظومة المفاهيم المتصلة بالعلم ما دام يتطابق في الاسم مع سمي آخر، وما دام وجود الاسم في الثقافة يعزينا عن عدم الوصول إلى منظومات المفاهيم بأنفسنا. فعلى الآخرين الاجتهاد ولنا نحن أن نجني الثمار (أمطري أنى شئت فخراجك لي). هنا تصبح أية موافقات على السطح بين أمرين أو أكثر مسوِّغاً لادعاء الأسبقية بالتوصل إلى العلم ومن ثم نسبته إلينا وتوطينه. فالعملية إذاً لا تحتاج إلى أكثر من تلمس المتشابهات وهي كثيرة بطبيعة الحال بالضرورة. هنا أيضاً يصبح من اليسير جداً علينا أن ندعي أن البدوي في عصر طرفة بن العبد وامرئ القيس كان عالماً بقوانين الضوء حين كان ينتقل في ظل الشجرة من مكان إلى مكان في أول النهار وآخره وفي الصيف والشتاء.

هذه المآزق يقع فيها بكثرة بلا شك من يميلون إلى «أسلمة» العلوم، وإلى «تعريبها». وقد يظن أيضاً من يميل إلى إظهار «الإعجاز العلمي» للقرآن الكريم أنه بمثل ذلك يحسن صنعاً ويسدي خدمة للقرآن الكريم وللإسلام. والمقامات التي تأخذ هذا المنحى فتقع في المآزق كثيرة وشائعة لا تقع تحت حصر.

غير أن أن اللافت للنظر أن هذه المآزق يقع فيها آخرون ممن يظنون أنه يتناولون المفاهيم المعرفية بلا ضغط من «الأيديولوجيا». إنهم من يتناولون المتشابهات في العلوم المنجرة في الثقافات المختلفة بصورة أشبه ما تكون بوضع كوفية شخص على رأس آخر. ومن صور ذلك ما يفعله عدد كبير من الباحثين اليوم في قراءة التراث العربي القديم بمنظور منجزات العلم الحديث ووفق مفاهيمه، لكن القراءة هنا غالباً ما تكون مقتطعة من سياق العلم الحديث ومغضوضاً فيها عن منظومة المفاهيم المعرفية التي أنجزت في ضوئها. وهنا توشك قراءة القديم بهذا المنظار أن تصبح وبالاً عليه لا خدمة له. بل يُخشى في أحيان كثيرة من أن يتحوّل البحث عن مشابهات للمنجز الغربي في تراثنا إلى دليل نُقدمه نحن للغرب - كما يقول صالح الغامدي - لتأكيد مصداقية نظرتهم وعالميتها، ونكتفي نحن العرب هذا الدور، دور تقديم الأدلة. ويدخل ذلك فيما يمكن تسميته ب «ظاهرة سبقناهم» كما يقول الباحث نفسه (مجلة علامات، العدد 2). ولعل أخطر ما في هذا الاتجاه من صور التزييف العلمي هو أنه يمكن أن يؤدي إلى إلباس عبدالقاهر الجرجاني قبعة دريدا، أو إلباس تشومسكي عباءة الخليل، وكلا الأمرين ضار بصورة المفاهيم المعرفية - تراثية أو حديثة - وقد يؤدي إلى حجبها أو التشويش عليها.

ظاهرة تلبيس الكوافي من أجل توطين المعرفة وإن كانت في الظاهر تبدو مختلفة إلى حد ما عن «أدلجة» العلم، وتبدو أيضاً مختلفة نوعاً ما عن التصورين الغائى والحرفي للعلم، تشترك معها في أنها جميعاً تنحو بالعلوم نحو «جهلنتها»، أي: أنها تزحف بها فتخرجها من حيز المعرفة بماهية العلم إلى حيز هو أقرب إلى الجهل بفحواه.