تجزئة سوق العمل تعني وجود سوق عمل مجزأ إلى جزأين أو أكثر، لكل جزء ظروف سوقية (أجور وساعات عمل وأمان وظيفي ) تتفاوت فيما بينها تفاوتا جوهريا دون مبرر. وتستند التجزئة على أساس قطاعي أو جنسي أو عرقي أو اقليمي أو ديني ونحو ذلك. من أوضح أمثلة تجزئة سوق العمل وجود قطاع حكومي بظروف سوقية تختلف اختلافا بينا عن ظروف سوق العمل في القطاعات الأخرى غير الحكومية.
التحليل الاقتصادي لسوق العمل يبين أن تجزئة سوق العمل تضر بالاقتصاد أكثر مما تنفع، فهي على سبيل المثال تخلق أو تعمق مشكلات اقتصادية هيكلية تأثيرها بعيد المدى على الانتاجية والتوظيف (وعكسها البطالة) وتوزيع الموارد وعدالة الفرص. ونظرا لهذه الأضرار فإن دولا كثيرة تسن تشريعات للحد منها.
سوق العمل السعودي يعاني من تجزئة واسعة النطاق بين القطاعين الحكومي والخاص، ولهذا فإن استراتيجيات وسياسات سوق العمل الصادرة من المجالس العليا، ومن وزارة العمل لن تنجح النجاح المؤمل، في ظل هذه التجزئة التي تتضمن وجود تضارب بين تلك السياسات.
لإيضاح الصورة أكثر، أنقل للقارئ بتصرف وتعليق مجموعة قرارات وأخبار صدرت مؤخرا:
-في قرار لمجلس الوزراء يوم الأثنين 6 جمادى الأولى 1426ه - 13 يونيو 2005م، زيدت الإجازة السنوية لموظفي الحكومة إلى 35 يوماً وخفضت ما يسمى بالاضطرارية إلى خمسة، وبالمقابل موظف القطاع الخاص إجازته المقررة نظاما 15 يوما - وإن كان يحق للمنشأة الزيادة لكنها ليست إجبارية- ولا توجد إجازات اضطرارية مدفوعة الأجر.
-في القرار السابق سمح للموظف (الحكومي) بالتغيب للمشاركة في أعمال الإغاثة أو أعمال الدفاع المدني براتب كامل مدة لا تزيد عن (45) يوما في السنة، كما سمح له بالتغيب براتب كامل المدد التي تحدد لاشتراكه في مختلف أنواع النشاط الرياضي والثقافي والاجتماعي على ألا تتجاوز مدة الغياب (30) يوما داخل المملكة و (60) يوما خارجها. هذه الاستثناءات غير موجودة في نظام العمل.
-القرار السابق سمح للأدباء (من فئة الموظفين الحكوميين) بالتغيب للمشاركة في المؤتمرات والندوات والمحاضرات الثقافية على ألا يتجاوز مجموع مدد الغياب في العام الواحد (30) يوما. هذه الميزة كسابقتها غير مقررة في نظام العمل.
-«على وزارة الداخلية ووزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية» كل فيما يخصه« تفعيل جميع القرارات والاوامر والتعليمات والتعاميم ذات الصلة (بالسعودة) بالمراقبة والمتابعة الميدانية ودعمها بما يحقق ذلك» - قرار لمجلس الوزراء منشور يوم الثلاثاء 6/1/ 1426.
-«... لاحظت الوزارة(العمل) وبكل أسف أن كثيرا من المواطنين لا يسعون إلى الاستفادة من هذه الفرص (فرص وظائف كثيرة متاحة لدى مكاتب العمل) مفضلين الانتظار للحصول على وظائف في القطاع الحكومي - المصدر جريدة الرياض، عدد الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1426 - 21 يونيو 2005، مفضلين الانتظار؟ إذا عرف السبب بطل العجب!!
يبدو لي أن القرارات فيما يخص سوق العمل تصدر مع جهل أو تجاهل لآثار تجزئته على سياسات سوق العمل، وخاصة على المدى البعيد، ويعزز ذلك - كما يظهر لي- أن قرارات مجلس الخدمة المدنية ووزارة الخدمة المدنية ترتكز على الاعتبارات القانونية، دون اهتمام قوي بالاعتبارات التي يبينها التحليل الاقتصادي أو النقاش الاداري لسوق العمل. وهذا ليس بغريب في ظل اكتفاء أو غلبة للنظرة القانونية داخل أجهزة الخدمة المدنية الحكومية، ويدعم ذلك أن عبارة «سوق العمل» عبارة غير مألوفة داخل تلك الأجهزة.
الاستثناءات والتسهيلات في الاجازات وساعات الدوام في قوانين الخدمة المدنية الحكومية تساعد على ترسيخ اعتقاد لدى عامة الناس في أن أجر أو راتب الوظيفة الحكومية ليس كله مقابل أداء عمل، ولعل القراء يوافقونني على أن هناك ثقافة راسخة الانتشار بين فئات المواطنين تتلخص في أن قدرا من الراتب الحكومي لدى كثير من العاملين في الحكومة ينظر إليه كما لو أنه حق بغض النظر عن الأداء، وهذا ما يفسر جزئيا ضعف العلاقة بين أجر الوظيفة الحكومية والأداء. وحتى لا يساء الفهم فمؤكد أن هناك أسبابا أخرى لضعف العلاقة بين أجر الوظيفة الحكومية والأداء مثل الفساد الإداري، ورفع القلم عن بعض الموظفين، والتساهل في أوجه صرف بدون وجه حق أو مقابل أداء. ويبدو أن هذه الأسباب بشد بعضها أزر بعض في استمرار الاختلال الوظيفي في الحكومة، بما يشبه الحلقة المفرغة.
وعودة إلى بعض القرارات السابقة، يجب ألا يفهم انني لا أحبذ الاشتراك في أعمال الإغاثة أو في النشاطات المشروعة، ولكن يجب أن ينظر إلى كافة أنواع السماح بالغياب تحت مبدأ «الأجر مقابل العمل» الذي يحكم التوظيف سواء في القطاع العام أو الخاص.
نعرف مسبقا أن محاولة إعطاء هذه الميزات للأدباء والراغبين في المشاركة بأعمال الإغاثة واللاعبين وغيرهم من الناشطين العاملين في القطاع الخاص محاولة إعطاء هؤلاء ستجابه برفض قوي من أصحاب العمل، لأنها أجر دون عمل، مما يخل بأصل التعاقد، فعلام استثناء الحكومة، طالما أن المبدأ واحد؟ يجب الفصل بين جانب الرعاية التي تقدمها الحكومة للمواطنين، وأجر الوظيفة الحكومية.
من وسائل حل المشكلة وفصل الرعاية عن الأجر ابتداع إجازة غير مدفوعة الأجر في القطاعين الحكومي والخاص، بغرض تعويض المنخرطين في عمل إغاثي أو في نشاط مشروع، وينشأ صندوق خيري تموله الحكومة ومن يرغب من غير الحكومة (أو يوسع في موارد وخدمات صندوق الموارد البشرية)، بحيث يساهم هذا الصندوق بدفع كل أو بعض أجر الموظف المتغيب، سواء كان هذا الموظف عاملا في الحكومة أو في القطاع الخاص.
٭ متخصص في الاقتصاد الكلي والمالية والسياسات العامة