
إذا كانت مساحة الذرة المعدلة وراثياً في فرنسا والمعلن عنها لم تتجاوز سبعة عشر هكتاراً في السنة الماضية فإنها تجاوزت في السنة الحالية ألف هكتار. بل إن هناك اليوم شبه قناعة لدى المهتمين بهذا الملف في دول الاتحاد الأوروبي بأن هذه المساحة المعلن عنها هي جزء ضئيل جداً من المساحات الاجمالية المخصصة للذرة المعدلة وراثياً في البلاد وان السنوات القادمة ستشهد توسع رقعة الزراعات المعدلة وراثياً في فرنسا وأغلب البلدان الأوروبية الأخرى للالتحاق بركب البلدان التي أصبحت قاطرة العالم في تسويق مثل هذه المنتجات وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية حيث تحتل الزراعات المعدلة وراثياً قرابة ثمانية وأربعين مليون هكتار. وتؤمن أمريكا بمفردها أكثر من خمسين بالمائة من كميات الزراعات الكبرى الخمس المعدلة وراثياً في العالم وهي الذرة والصوجة والكلزا والقطن والرز. أما الارجنتين فإنها تحتل المرتبة الثانية بمساحة تقدر بحوالي ستة عشر مليون هكتار. وتتنزل كندا المرتبة الثالثة بمساحة تناهر خمسة ملايين ونصف المليون من الهكتارات بينما تحتل البرازيل المرتبة الرابعة حيث تبلغ مساحة الزراعات المعدلة وراثياً خمسة ملايين هكتار. وتليها الصين الشعبية في المرتبة الخامسة بقرابة أربعة ملايين هكتار.
ين الشعبية في المرتبة الخامسة بقرابة أربعة ملايين هكتار
أما اسبانيا فإنها تحتل المرتبة الخامسة في هذا المجال، ولكن المساحات المستصلحة فيها لإيواء الذرة المعدلة وراثياً لا تتجاوز اليوم ثمانين ألف هكتار، والملاحظ ان السلطات الاسبانية اتخذت في شهر يوليو الماضي اجراءات مشددة للحيلولة دون تسرب المورثات المعدلة إلى المزارع التقليدية أو تلك التي تؤوي مزروعات عضوية أي حيوية. ومن ثم فإن هناك اليوم بداية تعايش بين القطاعات الثلاثة: الزراعة المعدلة وراثياً والزراعة التقليدية والزراعة البيولوجية.
أما في فرنسا فإن وزارة الزراعة لم تتخذ بعد أي اجراء لتحديد كراس شروط يلتزم به المزارعون الراغبون في الاستثمار في الزراعات المعدلة وراثياً. وقد أعلن وزير الزراعة يوم السادس من الشهر الماضي ان الحكومة الفرنسية تعد لمشروع قانون سيعرض على البرلمان للمصادقة عليه في أقرب الأوقات ويحدد العلاقة بين الزراعات الثلاث.
جماعات ضغط قوية
ويمكن القول اليوم بعد الاعلان عن اتساع رقعة المساحات المخصصة للذرة المعدلة وراثياً في فرنسا ان برجاً أساسياً من أبراج القلعة التي سعى حماة البيئة إلى تشييدها للحيلولة دون تسرب المنتجات المعدلة وراثياً إلى المستهلكين الأوروبيين بشكل مباشر أو غير مباشر قد سقط أمام المروجين لمثل هذه المزروعات في العالم والذين ينشطون عادة في إطار شركات كبرى متعددة الجنسية. ففرنسا هي القوة الزراعية الأولى اليوم في أوروبا. ومن ثم فإن حماة البيئة كانوا يعولون عليها كثيراً أو بالأحرى يعولون على مستهلكيها وأصحاب المزارع المتوسطة والصغير فيها للصمود أمام هجمات مسوقي المنتجات المعدلة وراثياً سواء في المزارع الفرنسية أو في المحلات التجارية المعدة لبيع المنتجات الغذائية. وقد تناقلت وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية في السنوات الأخيرة صورة حماة البيئة وفي طليعتهم جوزيه بوفيه النقابي الزراعي ذو الشاربين الطويلين وهم يتلفون بعض المزارع التي تنتج مزروعات معدلة وراثيا. ورفعت بحقهم شكاوى قضائية عديدة.
وكان حماة البيئة الفرنسيون بشكل خاص وفي دول الاتحاد الأوروبي كلها بشكل عام يستنجدون من حين لآخر بالبرلمان الأوروبي لحمله على الضغط على المفوضية الأوروبية جهاز الاتحاد التنفيذي للتصدي لجماعات الضغط القوية التي كانت تروج لفكرة ضرورة السماح بتوسيع رقعة المساحات المخصصة للزراعات المعدلة وراثياً. ولكن هذه الجماعات بدأت تكسب المعارك الواحدة بعد الأخرى في المؤسسات الأوروبية وعلى الصعيد الوطني في أغلب دول الاتحاد الأوروبي.
ففي بلدان أوروبية كثيرة منها فرنسا سمح انطلاقا من عام سبعة وتسعين بزرع بعض أصناف الذرة المعدلة وراثيا، وأمام الشكاوى الكثيرة التي قدمتها المنظمات والجمعيات التي تعنى بالحفاظ على البيئة وبحقوق المستهلكين اضطر وزراء البيئة في دول الاتحاد الأوروبي في السادس والعشرين من شهر يونيو عام ألف وتسع مائة وتسعة وتسعين إلى تجميد عملي توسيع رقعة مزروعات جديدة معدلة وراثيا في دول الاتحاد ريثما تتخذ اجراء قانونية وأحكام تقوم على الشفافية وعلى ترك الخيار بشكل واضح ودقيق أمام المستهلكين لاقتناء هذه المنتجات بحرية مطلقة ودون أي ضغط من هذا الطرف أو ذاك. وفي السابع من نوفمبر من عام ألفين وثلاثة سمحت المفوضية الأوروبية بترويج حوالي ثلاثين صنفا من المزروعات الجديدة المعدلة وراثيا في دول الاتحاد الأوروبي بعد أن صاغت قوانين وأحكاما تهدف اساسا إلى جعل المستهلك ملما بشكل واضح بالمسألة على الأقل من الناحية الإعلامية بحيث يستطيع من تلقاء نفسه شراء المنتجات المعدلة وراثيا أو عدم اقتنائها.
ولكن حماة البيئة والجمعيات المدافعة عن حقوق المستهلكين يرون اليوم انهم لم يستطيعوا الثبات أمام خصومهم فيما يخص المعارك المتصلة بالمنتجات المعدلة وراثيا لأسباب كثيرة أهمها ان جماعات الضغط المروجة لهذه المنتجات في العالم قوية جداً لأنها استطاعات بسهولة اقناع كبار المزارعين بأن في الاستثمار في الزراعات المعدلة وراثيا أرباحا كثيرة ونفقات أقل من تلك التي تنفق على المزروعات العادية باعتبار ان الزراعات المعدلة وراثيا قادرة على الثبات أكثر من الزراعات العادية للأمراض والآفات الطبيعية الأخرى. وهذه الجماعات تمكنت أيضا من التسويق بشكل جيد لمقولة ان الزراعات المعدلة وراثيا تغني عن استخدام المبيدات الكيمائية. وهذا صحيح إلى حد ما ومن ثم فإنه من مصلحة الشركات المروجة للمنتجات المعدلة وراثيا التأكيد على ان هذا النشاط الزراعي ليس عدو البيئة.
يقول حماة البيئة أيضا ان جماعات الضغط التي تروج للمنتجات المعدلة وراثياً نجحت إلى حد كبير في شراء ذمم عدد هام من الباحثين والعلماء وتوظيفهم في حملات يقولون فيها انه ليس ثمة خطر على صحة الإنسان من وراء استهلاك المنتجات المعدلة وراثيا بدليل ان عشرات الملايين من الأمريكيين يستهلكون يومياً هذه المنتجات من دون أن يتسبب لهم ذلك في مشاكل مادية.
والحقيقة ان الشركات المتعددة الجنسية استطاعت فعلا في السنوات العشرين الماضية تمويل آلاف الفرق من الباحثين في بلدان الشمال والجنوب على حد سواء لتطوير الزراعات المعدلة وراثيا. ولما كان القطاع العام في كثير من البلدان الأوروبية منها فرنسا والبلدان النامية لا يدعم البحوث الزراعية بما فيه الكفاية فإن فرق بحث كثيرة وجدت نفسها في كثير من الأحيان مضطرة إلى تنمية بحوث لتطوير الزراعات المعدلة وراثيا لحساب هذه الشركات والحصول منها على أموال تساعدها في تطوير بحوثها الخاصة في مجالات كثيرة أخرى ليست لديها بالضرورة علاقة بالمنتجات المعدلة وراثيا.
والواقع ان لدى حماة البيئة حججاً جادة في الاعتراض على المواد المعدلة وراثيا منها أن تقويم أضرار تناول المنتجات المعدلة وراثيا على الصحة لا يمكن أن يكون ناجعاً إلا بعد مرور عشرين أو ثلاثين سنة على الأقل على البدء في استهلاكها. من هذه الحجج أيضا ان حماية المزارع العادية ومزارع المنتجات التي يتم الحصول عليها بالطريقة الحيوية من مورثات المزروعات المعدلة أمر صعب جدا ومكلف إذا كانت هذه المزارع تتواجد قرب بعضها البعض وإذا كانت في الهواء الطلق. فالحشرات والريح والطيور قادرة على نقل المورثات المعدلة إلى المزارع العادية أياً تكن الاجراءات المتخذة للحيلولة دون ذلك.
ورغم هذه الحجج فإن حماة البيئة يبدون اليوم عاجزين عن مواجهة المروجين للمنتجات المعدلة وراثياً في القارة الأوروبية. وإذا كانت ألمانيا قد ثبتت حتى الآن أمام دعاة هذه المواد فإنه ينتظر أن تسقط هي الأخرى كما سقطت فرنسا بعد عودة اليمين المحتملة إلى الحكم في هذا البلد وسقوط التحالف الحالي بين الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر. وهو احتمال شبه مؤكد.