الرئيسية > مقالات اليوم

التسامح فعل ماضٍ ومضارع (2 من 2)


جهاد فاضل

يرى مفكرون كثيرون ان الاعتراف بالآخر ودوره، يتطلب فضاءات صحية ومناخات مواتية تسمح ببذر فكرة التسامح. كما يتطلب ذلك توفير الظروف والمستلزمات الضرورية. ولاشك ان اعتماد بعض الفرضيات والوقائع يقود إلى إحداث تراكم وتدرج من شأنه ان يؤدي إلى نقلة جوهرية في أوضاعنا الاجتماعية والثقافية والفكرية وسواها.

أولى هذه الفرضيات الإقرار بفكرة الخطأ والصواب بالنسبة للطرفين. فالطرفان قد يكونان كلاهما على خطأ، وعندها يجب اللجوء إلى رأي ثالث قد يكون هو الصواب. ولهذا فإن قبول مبدأ التسامح هو الإقرار بمبدأ نسبية المعرفة الذي أخذ به سقراط وطوّره فولتير.

ان الإقرار بفكرة الخطأ والصواب ونسبية المعرفة يقود إلى تهيئة تربة خصبة تساعد على قبول مبادئ التسامح. ومثل هذه التربة كانت موجودة في حقب كثيرة من تاريخنا. فالفاروق عمر الذي كان نموذجاً للسيرة الديموقراطية والعادلة في آن، له كلمة مضيئة في هذا المجال هي: «رحم الله امرءاً اهدى إليّ عيوبي». وفي تراثنا ايضاً ان الاعتراف بالخطأ فضيلة. وهكذا يكون الاعتراف رادفاً للاعتذار وخطوة مؤدية إلى التسامح.

ويقول هؤلاء المفكرون التسامحيون، إن جاز التعبير، ان هناك فرضية ثانية تتعلق بالاعتراف بفكرة الاقتراب من الحقيقة، هي طريق النقاش والجدل لإنضاج وتطوير الأفكار وصولاً إلى الحقيقة. وبذلك يقود عدم ادعاء امتلاك الحقيقة إلى التسامح.

وهناك بالاضافة إلى هاتين الفرضيتين فرضيات أخرى منها فكرة عدم العصمة من الخطأ، ومنها ايضاً ان التسامح يعني القبول بالتعددية واحترام التنوع الثقافي، كما يعني الاقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، كما يقتضي قبول الحق في العيش بسلام معهم.

والتسامح ضروري على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، والأفراد متساوون في الكرامة والحقوق، وعليهم ان يساعدوا بعضهم بعضاً من خلال التعايش والاعتراف بحق الاختلاف والمساواة.

ولعل التسامح يتطلب أول ما يتطلب، رياضات نفسية وروحية من شأنها ترويض النفس الأمّارة بالتعصب وضيق الأفق، وحضّها على استبدال مناخات الضيق بالآخر وآرائه ووجهات نظره، بمناخات أخرى تُصغي إلى هذا الآخر، وتحتضنه، وتتفحص ما يدلي به. فلعل في هذا الذي يدلي به حقيقة ما، ولعل في هذا الذي كنا ننطوي نحن عليه خطأ ما. والحقيقة في الواقع إنما هي في أغلب الأحيان نتيجة انفتاح رأي على رأي، والتقاء فكرة بفكرة أخرى، قد تكون قريبة منها، أو مناقضة لها.

لا يمكن ان تدخل الحداثة إلى مجتمع من المجتمعات إن لم يمهد ابناء هذه المجتمعات للحداثة سبيل دخولها. ولعل أول الطريق إلى الحداثة هو العمل على تأمين بيئة صحية وعلمية تنفتح على الجديد ولا تضيق به. وقد ذكر شاعر الهند الكبير طاغور أنه لا مانع عنده من ان يفتح نوافذ بيته للريح، ولكن عليه ان يحصّن ذاته كي لا تقتلعه هذه الريح وتقتلع بيته معاً.

وقد أحسن النهضويون العرب عندما رفعوا منذ مفتتح عصر النهضة شعار الأصالة والمعاصرة، وهو شعار قريب من قول طاغور، ويتوخى الانفتاح على الحضارة الحديثة، ولكن مع التمسك بكل ما في التراث من قيم وفضائل وايجابيات.

ولاشك ان التسامح فضيلة مبثوثة في تراثنا العربي الإسلامي، إن لم تكن أصلاً من أصول هذا التراث. فالإسلام في طليعة الأديان التي أقرت التسامح باعتبار ان المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه هو ان لا إكراه في الدين. وقد جاء في سورة يونس قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} صدق الله العظيم. ومن الآيات الأخرى التي يمكن الاشارة إليها للدلالة على إقرار حرية المعتقد للأفراد قوله تعالى: {فذكّر إنما انت مذكّر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية 88) وقوله تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} (النور 54)، وقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف 29).

ويجمع الفقهاء والمفسرون على ان مختلف هذه الآيات تكفل حرية العقيدة لغير المسلمين وتتيح لهم حرية التعبد على مقتضى ما يدينون، وبالتالي نشوء مناخ تعايش مع بقية الأديان. وهذا من أظهر الأدلة على سماحة الإسلام. ولعل عقد الذمة من الدلالات التي يعتبرها التاريخ نموذجاً للتسامح. ويذكر المؤرخون والفقهاء عهد نجران الذي ابرمه الرسول صلى الله عليه وسلم مع نصارى هذه المقاطعة. وكذلك عهد عمر بن الخطاب الذي اعطاه لأهل دمشق، ثم لأهل القدس وكانت غالبيتهم من النصارى، مما مكّن من المحافظة على كنائس النصارى وعلى مقدساتهم. ومن المعروف ان القرآن الكريم يعترف بالمسيحية وباليهودية، ويلزم المسلمين بإقرار واحترام الديانتين.

وفي داخل الإسلام نفسه، كانت هناك مواجهات فكرية صريحة بين أبناء المذاهب المختلفة من أشهرها المذاهب الأربعة. وقد نتج عن ذلك فقه غزير باعتبار اختلاف التأويلات الفقهية.

ورغم الانحرافات العديدة التي عرفها التاريخ السياسي ورغم الفتن والانتكاسات التي أدت احياناً إلى غلق باب الاجتهاد نفسه، فإن التسامح يبقى من أبرز المميزات في النص وفي السلوك الإسلامي عبر فترات غير قليلة من التاريخ.

إن سيادة التسامح في بلد من البلدان تعني سيادة العقل ويقظة الروح. ان التسامح نفي للدم والغريزة والعنف، وانتصار على الذات المتخلفة، وإقبال على الحضارة والحداثة. وبهذا المعنى يكون التسامح آتياً من المستقبل، كما هو آتٍ من الماضي. فهو إذن فعل ماضٍ كما هو فعل مضارع.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة