الرئيسية > مقالات اليوم

الإصلاح والتطوير.. ليس انتخاباً فقط!!


عبدالله القفاري

حتى لا تستأثر فكرة اقتراع على مفهوم الإصلاح أو التطوير أو التغيير - سمها ما شئت - وتصبح هي العنوان الكبير والمؤشر الدال على توجه إصلاحي، دون سواها، علينا أن نراها حزمة أو مؤشرا أو توجها لا تعمل دون سواها من التوجهات الإصلاحية الاخرى التي لا تقل عنها شأناً، بل وقد تتراجع اهميتها إذا اهملت الوسائل الاخرى الكفيلة بالنظر إلى عملية الإصلاح كجزء من منظومة عمل وبرنامج دولة وتوجه مجتمع.

لا أعرف لماذا لم تعمل حتى اليوم تشكيلات المجالس البلدية، بعد مضي بضعة أشهر على الانتهاء من حفلة انتخاب نصف اعضائها وتعيين النصف الآخر. الاقتراع قيمة بحد ذاته لكن آلية الإصلاح لا تحتمل التعطيل. الاقتراع آلية اختيار والمعول عليه مباشرة الصلاحيات والمهام وتنفيذ ما يمكن تنفيذه من وعود وبرامج.

في تلك الانتخابات أعتقد أن البعد الأكثر أهمية في نتائجها هي تلك العلاقة التي تبدت بين مرشح وناخب، ثمة بعد نفسي مهم اغفلته كثير من القراءات للوحة الانتخابية البلدية، وهي تلك العلاقة بين صوت ناخب ودعوة مرشح.. عندما اكتشف المواطن - الناخب لأول مرة، أن صوته مطلوب وله قيمة وهناك من يبحث عنه، ويسعى إليه، واكتشف المرشح أن المواطن وحده هو القادر على حمله إلى مجلس بلدي.. وأن مشروعية الوصول عبر ورقة اقتراع أثمن من أي اعتراف يناله مرشح من أي جهة كانت.

ذلك المغزى النفسي البعيد.. هو الذي دفع الناخبين إلى اكتشاف وجوه مرشحيهم، وهو الذي أيقظ الاحساس الداخلي بمعنى أن يكون لهم صوت مؤثر في ترقية ممثل إلى مصاف مجلس بلدي.. ولا أعتقد بحال ان كان ثمة تعويل على برنامج مرشح، قدر ما كانت المسألة اكتشاف المواطن أن صوته له قيمة، ومن ثم احساسه بذاته، وأن هناك من يبحث عنه حتى لو انفق الكثير، فصوته أغلى من المال، ومن ثم هذا الشعور الجميل بأنه قادر لأول مرة على تعيين مرشح في مركز ما، وأن ورقته أصبح لها مريدون، وطلاب، وباحثون.. بالمقابل هناك راغبون بالوصول عبر اعتراف المجتمع.. ولن يكون هذا سوى عبر ورقة اقتراع.

ثمة تفسير نفسي هنا، أن لا شيء يعزز قيمة الاحساس بالمواطنة أكثر من عنصر الانتماء، والانتماء إلى وطن حتماً يتعزز حضوره باستحضار مفهوم المشاركة، وصندوق الاقتراع تعبير عن مفهوم مشاركة، مشاركة من حيث هو حق مكتسب بالنيابة والتمثيل وحق للنظام والدولة بمسؤولية ناخب عن قراره واختياره وبالتالي عن كل ما يستتبع هذا من استحقاقات.. وعليه فالنظر إلى مسألة الانتخابات بمجملها، يجب الا يتوقف عند مكتسبات ناخب باعتراف الدولة بحقه بالاختيار، بل ومكتسبات دولة ونظام بتحمل هذا الناخب م، وهي تعزز حضور الانتماء لجماعة تتوافق ضمن اهتمام عام وتكسر قوالب العزلة وتعزز الحضور الوطني في عقل منتم.

الانتماء أمر فطري، واتصورها غريزة طبيعية لا غنى عنها، واستيعاب فكرة انتماء عبر جمعية وطنية، هو خير من استيعابها عبر فكرة التدرع بجماعة اولية ذات نزعة قبلية أو أسرية أو فئوية. لا أعتقد أن ما يدفع كثيرا من شباب اليوم - الصغار والكبار - للبحث عن لون فريق كرة قدم - حتى لو لم يكن معني بالرياضة كثيراً - سوى غريزة انتماء ملحة، واستيعاب تلك الحاجة الطبيعية عبر تشكيلات مدنية ذات واجهة حضارية وذات عائد قيمي على المنتمي وعلى المجتمع الكبير، لن يكون سوى استيعاب لطاقة مجهولة تتوزع بلا تركيز عبر هوامش لا تسمن ولا تغني من جوع. لا أعتقد أن تلك النزعة لتكوين جمعيات أسرية، سوى نكسة في مفهوم الانتماء، واختصار ضيق لوجه الإنسان، واستهلاك يتدرع بعنوان أسرة بدلاً من أن يعزز حضور الانتماء عبر مؤسسات مجتمع مدني قادرة على تكثيف علاقات مجموع وربط عناصره عبر علاقات معرفية ومهنية وابداعية.. وهو في الأخير انحياز إلى فكرة العمل العام.. والعمل العام بآفاقه الرحبة استحضار لوجه الإصلاح والتطوير وتعزيز الحضور الاجتماعي والمعرفي والمهني والابداعي والثقافي بوجه عام في مشروع دولة هو هدف إصلاحي كبير.

الإصلاح يتأتى أيضاً عبر تفعيل النظام العام لمسألتي التشريع وتطوير ومراقبة الاداء، فلا يكفي أن ندعو لصندوق اقتراع وثمة ضعف كبير في بنية النظام. تطوير نظم التشريع ومراقبة الاداء جزء من مهمة إصلاحية متقدمة. وهي مهمة ممكنة وضرورية أمام التحولات التي تمر بها المجتمعات. ومن هنا يأتي الالحاح على انجاز نظم كثيرة، وتجاوز حلقات التعطيل أو التأجيل أو الدراسات التي تستغرق اعواماً طوالا، حتى إذا خرجت تلك النظم كانت امام استحقاقات جديدة ومشكلات أكثر تعقيداً.

للإصلاح عنوان لا تخطئه العين، الا وهو رفع سقف حرية التعبير وضمان حرية الرأي، ولا يجب أن نتذرع بالقلق من الانفلات ما دام ثمة نظم تحرس ثوابت الاجماع الديني والوطني.. ثمة مساحة واسعة هنا يتم محاصرتها عبر ذهنية إعلامية لا تريد أن تتجاوز عقلية إدارة إعلام قديم وقلق من اعطاء فرصة أفضل لمعالجة الشأن العام، ثمة حاجة لإصلاح إعلامي يطال وسائل الإعلام المحلية، وخاصة الإعلام المرئي، وثمة حاجة لعقلية ابداعية تملك زمام المبادرة لتقديم إعلام متقدم يليق بمرحلة، لا يمكن قبول أن تكون قضايانا المحلية هي المادة المفضلة لمناقشتها عبر وسائل إعلام خارجية، بينما ينام إعلامنا المحلي طويلاً، وعندما يحاول أن يعالج أيا من تلك القضايا، يقدمها عبر آلية قلقة وغير قادرة على الاستحواذ على عقل مشاهد، وبلغة تعمل على الضد من فكرة تعزيز الثقة بالحضور الإعلامي المحلي في الشأن الوطني.

أعتقد أن ثمة حزمة متكاملة من اجراءات ممكنة، كلها تصب في خانة الإصلاح والتطوير الذي يستطيع المجتمع قياسه وينعكس على حياته اليومية. ما نحتاجه هو عقلية ابداعية مخلصة ومقتحمة تتعامل مع تلك الملفات لا على طريقة حرق المراحل، ولكن عبر برامج عمل تضع نصب عينها انها امام استحقاقات لابد منها وامام مكتسبات وطن يجب أن يصنع الكثير من أجل الحفاظ عليها.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة