
بدأت اللجنة الوزارية المنبثقة عن الجامعة العربية لبحث المسألة العراقية اجتماعها أمس بقصر المؤتمرات بجدة.
وفي بداية الاجتماع القى صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية كلمة رحب فيها بالجميع في بلدهم الثاني المملكة العربية السعودية معبرا عن تقديره لسرعة الاستجابة لعقد اجتماع هذه اللجنة الوزارية التي تم تشكيلها تحت مظلة جامعة الدول العربية لوضع استراتيجية محددة لمعالجة الوضع في العراق الشقيق.
وقال سموه «ان مشاركة العراق معنا اليوم تضفي اهمية خاصة على مداولاتنا لان محور لقائنا هذا هو مساعدة اشقائنا في العراق على تجاوز الوضع الراهن بشكل لا يخرج عن إرادة الشعب العراقي في الحفاظ على كيان العراق الكبير وحماية مصالح ابنائه».
واضاف سموه قائلا «اننا في المملكة العربية السعودية نتابع باهتمام بالغ وبقلق شديد تطورات الوضع في العراق والذي بات يمر بمرحلة بالغة الدقة تتطلب منا جميعا تضافر الجهود في اطار من المصارحة والشفافية ومن منطلق حرصنا الشديد على حاضر ومستقبل العراق ووحدة اهدافنا الداعية إلى عراق مستقل موحد ينعم بالامن والاستقرار والرفاهية ويعيش بسلام مع جيرانه».
وابرز سموه تأكيد هذه الرؤية في جميع اللقاءات التي شاركت فيها المملكة سواء على المستوى الدولي او الاقليمي او دول الجوار مناشدا الجميع الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وبضرورة المحافظة على سلامته ووحدة أراضيه.
وقال سمو وزير الخارجية «ان اهتمام المملكة العربية السعودية يتركز في الدرجة الاولى على المصالحة الوطنية ووحدة الشعب العراقي وتكريس هويته العربية والتي كانت دائما اللحام الذي حفظ وحدة العراق ونحن نتفهم خصوصية الوضع الكردي والمعترف به منذ زمن بعيد في العراق، ولكن هذه الخصوصية الفريدة لا يمكن تعميمها على بقية مناطق العراق حرصا على وحدته وهذا الامر حيوي لانشاء المؤسسات الحكومية الشرعية والتي ستملك القدرة والوسائل لتوفير شروط الاستقرار سياسيا وأمنيا».
واضاف سموه قائلا «ومن هذا المنطلق فلا اخفي عليكم ان اكثر ما يقلقنا هو ما نلاحظه من تنامي قوة الدفع نحو تكريس الطائفية على الساحة العراقية والتي تتعارض مع الحفاظ على وحدة العراق وتؤدي إلى جره للمزيد من التشرذم والمزيد من المعاناة ولن يتحقق ذلك الا بتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الطائفية التي يجب ان تترجم إلى واقع من خلال الدستور العراقي الجديد والانتخابات القادمة والابتعاد عن كل ما من شأنه تهديد هذه الوحدة خاصة وان كل فئات الشعب العراقي لابد وان يكون من مصلحتها قيام عراق موحد قادر على تحقيق مصالح ابنائه ايا تكن طائفتهم بدلا من تجزئته إلى كيانات صغيرة ولذلك يحدونا الامل في ان يكرس قادة العراق الوحدة الوطنية في اطار يضمن المساواة في الحقوق والواجبات لجميع ابناء الشعب العراقي وان يكون عضوا فاعلا في أمته العربية وفي المجتمع الدولي».
وقال سموه «نحن نتفهم تنامي بعض المشاعر لدى الاخوة في العراق والتي تحمل العرب بعض المسئولية تجاه اوضاع بلادهم ولكن الانصاف يقتضي ان لا نلوم الدول العربية حين وقفت غالبيتها بجانب العراق لحمايته من تهديد خارجي او حين وقفت ضد النظام العراقي لغزوه دولة عربية مستقلة».
وأردف قائلا «نحن ندرك تماما ان علاقة العراق مع دول الجوار قد مرت بعقبات كثيرة وضغوط جمة وشابها الكثير من الحساسيات المفرطة ولكن لابد من العمل على تجاوز ماسي الماضي.. لابد ان نحرص على تخطي كل ذلك وبناء علاقات متينة وسليمة وقوية مع العراق من اجل مصلحة العراق العليا ومصلحة المنطقة فالعراق المستقر والمزدهر والامن يخدم المنطقة والعراق المستقر سيكون عراقا متصالحا مع نفسه مسئولا عن تصرفاته ومتوازنا ومتعاونا مع جيرانه».
وقال سموه « إننا في الوقت الذي نتفهم فيه المصالح المشتركة لدول الجوار مع العراق فاننا نؤمن كذلك بان التدخلات في العراق تنذر بصراع اوسع في المنطقة ولا بد ان يعي جيران العراق ان التاريخ سوف لن يغفر لاولئك الذين استثمروا مأساة العراق ووظفوها لخدمة اهداف قصيرة المدى ذات رؤية قاصرة ومحدودة كما اننا في الوقت الذي ندعو فيه دول الجوار إلى مساعدة العراق وعدم استغلال ظروفه الصعبة ندعوا ايضا الفرقاء في العراق إلى التمسك بالوحدة وعدم خلق المناخ الذي يستقطب اطماع الاخرين».
وأكد سمو الأمير سعود الفيصل انه لا ينبغي ان تكون الهياكل والآليات الدستورية والسياسية مثل الانتخابات والدستور هي الغاية في العملية السياسية في العراق بل يجب ان تكون وسيلة من وسائل تحقيق الوحدة الوطنية وتحت كل الظروف يجب ان لا تكون أداة لتقسيم البلاد او تكريس الطائفية او العرقية او الانعزالية بل ان تعزز الوحدة والهوية العراقية بحيث يتساوى الجميع امام القانون.
واشار سموه إلى انه ينبغي ان تمثل العملية السياسية في العراق مسارا بديلا عن مسار العنف المسلح وقال سموه «اذا اردنا ان ننتصر على الارهاب والرعب والدمار فلا بد ان نركز على ان لا نقصي اي فئة من هذه العملية».
واوضح سموه ان تزايد المخاوف من نشوب حرب اهلية طائفية في العراق ليست اضغاث احلام بل مسارا بدأت تتضح معالمه يوما بعد يوم.
وقال سموه «اننا حين نؤكد على هذه الجوانب فلا بد ان يكون واضحا اننا نقف على مسافة واحدة من جميع ابناء الشعب العراقي فجميعهم اخوة لنا وأعزاء علينا بعربهم من سنة وشيعة وباكرادهم وبمسلميهم ومسيحييهم عامة مشيرا إلى ان إيقاد نار الفتنة بين ابناء الشعب العراقي وتأجيج نار الحرب الاهلية فيه سيكون وبالا على الجميع ولن يخدم مصلحة احد.
ولفت سموه النظر إلى ان الارهاب لن يحقق سوى الدمار والفوضى ولن يكون ابدا في مصلحة اي فئة من فئات الشعب العراقي او اي بلد من دول الجوار بل ان هزيمة الارهاب فيها مصلحة للجميع ونتيجة المعركة مع الارهاب في العراق سيتوقف عليها كثير مما يتعلق بمستقبل الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط بكاملها.
وقال سمو الأمير سعود الفيصل «لقد اضحت عملية وضع استراتيجية ذات ابعاد متعددة ومستويات مختلفة للتحرك العربي لمساعدة العراق للخروج من هذا المأزق امرا اكثر الحاحا من ذي قبل ولهذا كان لابد من تكثيف الجهود والعمل بالسرعة التي يتطلبها الموقف.. لابد من رؤية جديدة لنمط جديد من التعامل مع ملف الازمة العراقية.. آن الأوان قد حان لان تنتهي حالة الغياب والتغييب للمبادرات العربية بخصوص الوضع في العراق».
وأكد سموه ان الامر جد خطير ويتطلب موقفا عربيا قويا وعمليا وسريعا وقال «ومن هذا المنطلق فاننا ندعوا إلى الاسراع في عقد اجتماع يضم كافة الفرقاء العراقيين تحت مظلة جامعة الدول العربية وذلك وصولا إلى تحقيق اجماع وطني عريض بشأن الدستور وضمان مشاركة جميع الفئات العراقية في العملية السياسية على ان يسبق ذلك قيام معالي الامين العام للجامعة بزيارة العراق للتشاور مع الاخوة فيه بهذا الخصوص».
واختتم سموه كلمته قائلا «آمل أن نخرج اليوم بنتائج فاعلة تتناسب مع حجم الاحداث والاخطار المحدقة بنا لمساعدة الشعب العراقي الشقيق في تحقيق آماله وتطلعاته بعد هذه الفترة الطويلة من المعاناة والمصاعب».
ثم القى معالي وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري كلمة اعرب فيها عن شكره وتقديره للمملكة العربية السعودية لاستضافتها هذا الاجتماع.
واوضح ان العراق يتطلع إلى اشقائه واصدقائه ليقفوا معه في هذه المرحلة الدقيقة وان يكون لهم دور مميز لاخوانهم العرب.
وعبر معاليه عن تقدير بلاده لما اتخذ من قرارات بخصوص العراق خلال القمة العربية التي عقدت في تونس والجزائر وعلى مستوى الجامعة وانشطتها المختلفة في مجالات العمل العربي المشترك.
واشار إلى ان العراق يتطلع من اجتماع هذه اللجنة إلى ان تترجم قرارات القمة العربية إلى خطوات عملية في هذه المرحلة المصيرية.
ودعا معاليه إلى اتخاذ استراتيجية عربية مشتركة لمقاومة الارهاب الذي سيعم المنطقة كلها بالفوضى.
واكد معالي وزير الخارجية العراقي ان هذا الاجتماع سيكون مؤشرا مهما في العمل العربي الذي يهدف إلى مساعدة العراق للوصول لمجتمع امن ومستقر ومزدهر ينعم فيه الجميع بخيرات بلادهم.
بعد ذلك اغلقت الجلسة واقتصر الاجتماع على الوفود الرسمية.