لقد كانت منة من الله تبارك وتعالى، ونعمة عظيمة من نعمه التي لا تعد ولا تحصى على عباده من أهل هذه الأرض الطيبة، وعلى المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يوم ان جعل الفتى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود همه الأوحد وشغله الشاغل ان يستعيد لهذه البلاد وحدتها ومجدها، وان يعيدها سيرتها الأولى ذات كيان سياسي صاحب رسالة وهدف، موصولة الأواصر بعقيدة الإسلام ونظام شريعته السمحة، ولينقذها من براثن الفرقة والتشرذم والظلم والجهل والعدوان.
تلك هبة الله أولاً وأخيراً.. وذلك فضله.. ان هذه المملكة المترامية الأطراف، والتي أصبحت كياناً واحداً دستوره القرآن.. ومنهجه الإسلام.. ينعم في ربوعه الجميع من مواطن ومقيم بالأمن الوارف والرخاء العميم، والاستقرار المكين والحياة الوادعة، والنماء المطرد، والسعي الدائم نحو الأفضل في كل المجالات.. في ظل دينونة لله واتباع لمنهاج شرعه القويم، ان هذه المملكة العربية السعودية.. هي هبة الملك عبدالعزيز، والملك عبدالعزيز وما قدم من خير وعمل صالح لهذه البلاد وللإسلام والمسلمين.. إنما هو هبة الله للجميع.. فالحمد لله على ما وهب وما أفضل.. وما أنعم.. وما أولى.. ولا نكذب بأي من آلاء ربنا.. تبارك اسمه وتعالى جدة.. له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن!
وكان الملك عبدالعزيز حريصاً على السير على منهج السلف الصالح، والحكم بشرع الإسلام وحريصاً على تكليف المسؤولين بالالتزام بذلك. ومن أقواله في هذا - طيب الله ثراه - ما جاء في كلمته في اجتماعه بالموظفين بالديوان الملكي بمكة المكرمة في الأول من ربيع الأول عام 1346ه ، ومن ذلك قوله: «نحن نريد ان نسير إلى الأمام ولكن باقدام ثابتة، وعلى ضوء النهار؛ إن رأينا واعتقادنا، وآمالنا في السير إلى الأمام يجب ان يكون وفق ما كان عليه السلف الصالح، فما كان موافقاً للدين في أمور الدنيا سرنا عليه، وما كان مخالفاً نبذناه.
والموظفون هم المكلفون بتبيان هذه الحقائق، بيد ان ذلك لا يكفي، وإنما يجب ان يقرن القول بالعمل، قال الله تعالى: «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم» البقرة 44- (مختارات من الخطب الملكية ص 38، أم القرى، العدد (142).
ومما جاء وفي كلمته في افتتاح مجلس الشورى في 7 ربيع الأول عام 1349ه قوله: «.. وإنكم تعلمون ان أساس أحكامنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام، وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد، على شرط الا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية؛ لأن العمل الذي يخالف الشرع لا يكون مفيداً لأحد.
والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أحتاج في هذا الموقف ان أذكركم بأن هذا البلد المقدس يتطلب النظر فيما يحفظ أهله، وما يؤمن الراحة لحجاج بيت الله الحرام، ولذلك فإنكم تتحملون مسؤولية عظيمة إزاء ما يعرض عليكم من النظم التي تحفظ راحتهم واطمئنانهم في هذا البلد المقدس. اسأل الله لكم التوفيق في سائر أعمالكم» (مختارات من الخطب الملكية ص 35- أم القرى العدد 295).
ومن نعم الله على هذه البلاد وأهلها تواصل خير الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في عقبه الصالح، والتزام أبنائه البررة من ملوك آل سعود، بمنهج والدهم المؤسس الكبير؛ ذلك المنهج القائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المطهرة، ومنهاج السلف الصالح، عبادة لله، واتباعاً لهديه المبين؛ مما ضمن لهذه البلاد مسيرتها الآمنة المطمئنة عبر السنين المتعاقبة.
لقد كانوا - بحمد الله - يضعون ذلك المنهج نصب أعينهم، ونبراس سياستهم، وهم يتقلدون ولاية الأمر ومسؤولية الحكم في هذا الوطن المبارك؛ فهذا الملك سعود - رحمه الله - يقول بمناسبة توليه مقاليد الحكم: «أما وقد قضت على البيعة الشرعية التي في عنقي، ان ارتقي الملك وأتقلد مسؤولية الحكم، فإني سأجعل نصب عيني سيرة والدنا المغفور له وآراءه ومزاياه المجيدة في إدارة البلاد وتصريف شؤونها، متبعاً أحكام الدين المبين، معتصماً بحبل الله المتين، وأعاهد الله بالتمسك بكتابه الكريم، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسأكافح دونهما بلساني وعناني، باذلاً قصارى جهدي، في اسعاد شعبي العزيز ورفاهيته، والعمل على رقي البلاد سياسياً واقتصادياً، واجتماعياً، ساهراً على مصالح البلاد وتأمين حقوق أبنائها..» (مختارات ص 172- أم القرى العدد 1489).
ويؤكد الملك فيصل رحمه الله على هذا المنهج، ومن ذلك ما جاء في خطابه بمناسبة مرور عشر سنوات على توليه مقاليد الحكم: «.. وأول ما نرغب فيه منكم تقوى الله سبحانه وتعالى، والتمسك بتعاليم دينه وأحكام شريعته، فهي أساس عزنا وهي مرد حكمنا وسر قوتنا.. «ثم يقول»: «وسنبذل جهدنا في تدعيم أساس الذي تقوم عليه هذه الدولة التي شرفها الله فجعل فيها بيته ومسجد نبيه ووضعها في ذلك في مركز قيادي خاص منذ بزغ فجر الإسلام وانطلق مشعل الهداية وركب العروبة من أرضنا الطاهرة..» (مختارات ص 415 - 416 الجزيرة السنة 11 العدد 932).
وسار الملك خالد - رحمه الله - على المنهج نفسه الذي اختطه الملك عبدالعزيز وسار عليه أبناؤه الملوك من بعده، وكذلك فعل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله، ومن كلماته في هذا السبيل قوله: «ولهذا فإن الحكم في هذا البلد بني على أسس وقواعد من مئات السنين وليس بشيء جديد، وأهم شيء من الأمور التي تفخر بها البلاد والمسؤولون فيها أنها البلد الوحيد التي تطبق فيه شريعة الله، ويؤمر فيه بالمعروف وينهي فيه عن المنكر، وهذا من القواعد التي تركز عليها العقيدة الإسلامية» (الحسبة ص2) وقوله: «لقد التزمت المملكة العربية السعودية في مختلف مراحلها منهج الإسلام، حكماً وقضاء ودعوة وتعليما، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وأداء لشعائر الله» (الحسبة ص 24).
وحين تولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله وأيده بنصره، وأعزه بطاعته أكد على هذا المنهج المرسوم في كلمته التي وجهها للمواطنين والمواطنات بمناسبة توليه مسؤولية قيادة المملكة العربية السعودية، والتي جاء فيها: «إنني إذ أتولى المسؤولية بعد الراحل العزيز، أشعر ان الحمل ثقيل وان الأمانة عظيمة استمد العون من الله - عز وجل - واسأل الله سبحانه ان يمنحني القوة على مواصلة السير في المنهج الذي سنه مؤسس المملكة العربية السعودية العظيم جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب الله ثراه - وأتبعه من بعده أبناؤه الكرام - رحمهم الله - وأعاهد الله ثم أعاهدكم ان اتخذ القرآن دستوراً والإسلام منهجاً، لأن يكون شغلي الشاغل إحقاق الحق، وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة.. ( الحسبة ص6).
ومن نعم الله على هذا الوطن الكريم، ما سار عليه أهل هذه البلاد وقادتها من اعتماد البيعة الشرعية لولاة الأمر على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسمع والطاعة بالمعروف في العسر واليسر والمنشط المكره، وتلك البيعة المقدسة التي صارت من شعائر هذا الدين، منذ ان بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين جعلها الله بيعة لله كما قال تعالى : « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله » (الفتح: 10) ويدخل في عموم هذه البيعة البيعة لولاة أمر المسلمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من مات وليس في عنقة بيعة مات ميتة الجاهلية».
ولاشك في أنها ميزة لهذه البلاد وأهلها جميعاً، وهم يعتدون بهذه الناحية الشرعية في التعاقد بين الحاكم والمحكوم وتأسيس هذا العقد على هذا المبدأ العظيم، تعظيماً لأمر الولاية، وأهمية مسؤوليتها، وتضامن الحاكم والمحكوم بالوفاء بمقتضاها، وتحريم نقضها من الطرفين، كما قال الله تعالى: « فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراِ عظيماً» ( الفتح: 10).
إنها عهد وميثاق لأهل هذا الوطن قيادة وشعباً، وياله من عهد وياله من ميثاق، موصول بالله، ومؤسس على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نعم هذا الوطن في ظلها وببركتها وبالاستقرار والاطمئنان وتحقق له بسببها تواصل المسيرة الناهضة، المعطاء، وتحقق له في كنفها الأمن والرخاء، والتقدم والنماء. فحمداً لله قيوم الأرض والسماء، صاحب الفضل والنعماء وهنيئاً لوطننا العزيز، ما هو فيه من فضل عميم، وخير مقيم، وهنيئاً له، في يوم الوطن تذكر نعمة الوحدة على التوحيد، وجمع الشمل على منهج الحكيم الحميد.
وبسبب هذا الاعتداد بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام، تمت البيعة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في سلاسة ويسر كانت- محط دهشة العالم وإعجابه- وأقبل الشعب السعودي الكريم بكل فئاته ومن كل مناطقه وانحائة، يبايعون المليك المفدى عبدالله بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي سلطان بن عبدالعزيز على السمع والطاعة، في ولاء ومحبة، يغمر قلوبهم الإيمان ويعمرها اليقين داعين لهما ولكل هذا الوطن قيادة وشعباً بالعون والتوفيق والتأييد لخدمة مصالح الوطن ونصره الإسلام وتأييد قضاياه.
هنيئاً لنا جميعاً في هذا الوطن العزيز قيادة وشعباً، بيومنا الوطني المجيد، والدعاء الدائم المخلص الصادق لله تبارك وتعالى، أن يحفظ على هذا الوطن المبارك دينه الذي هو عصمة أمره، وأن يحفظ عليه أمنه واستقراره، ورخاءه، واهتداءه بهدي الله ونوره المبين، وأن يحفظه من كل سوء ومكروه، ليواصل مسيرته الظافرة بطريق الحق والعدل والخير.. اللهم آمين.. ولك السلام يا وطني..!