
طغت الاجواء السلبية التي احدثتها محاولة اغتيال الاعلامية مي شدياق مساء الاحد الماضي على الحركة السياسية في لبنان وحجبت الاهتمام بمتابعة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي كان وصل الى مرحلة تقويم بعد الاستجوابات التي اجرتها لجنة التحقيق الدولية مع مسؤولين سوريين في دمشق. كما طغت هذه الاجواء على تداعيات امنية خطيرة نتيجة تواتر معلومات في الايام القليلة الماضية عن تسلل مسلحين واسلحة فلسطينية الى لبنان عبر الحدود السورية والتي كان من نتيجتها قرار رئيس الحكومة فؤاد السنيورة استدعاء الاجهزة الامنية للاجتماع قبل ظهر امس للبحث في الاجراءات الممكنة لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة. الا ان الانفجار الذي استهدف الزميلة شدياق جعل الاجتماع الامني برئاسة السنيورة يبدو وكأنه يعقد نتيجة هذا الحادث في حين ان محاولة الاغتيال وتسلل اسلحة ومسلحين لا يقل احدهما اهمية عن الاخر. وبدا ان تهريب الاسلحة الذي يستهدف منه خربطة الوضع في ظل عدم وجود اجوبة اخرى عن تحرك فلسطيني مفتعل لم يعد يجد سياقا له في الوضع اللبناني راهنا يقلق المسؤولين وخصوصا رئيس الحكومة الذي استدعى سفراء الدول الكبرى الدائمة العضوية فضلا عن بعض سفراء المجموعة العربية المهتمة بالوضع اللبناني لوضعهم في اجواء المخاوف اللبنانية وطلب مساعدتهم في الضغط على من يلزم الضغط عليه لمواجهة عملية تهريب الاسلحة الى لبنان الذي لا يستطيع بامكاناته المتواضعة لجم مثل هذه العمليات تماما على غرار العجز الذي تواجهه الولايات المتحدة في وضع حد لعبور المتسللين الى العراق.
مجموع هذه التطورات التي تسارعت في اعقاب مؤتمر الدعم والمساعدة الذي حظي به لبنان في نيويورك تمهيدا لانعقاد مؤتمر اخر في بيروت قبل نهاية السنة بدت وكأنها تستهدف محاولة انتزاع لبنان من الواقع السياسي الصعب الذي يعيشه من اجل الابقاء عليه في خضم دوامة امنية متواصلة يرى البعض انها تتصل بالنتائج المحتملة للتحقيق الدولي في اغتيال الحريري وان هناك سباقا بين اعلان هذه النتائج والتسبب بفوضى في البلاد على ما يرى الرئيس السنيورة. ويلفت البعض في هذا الاطار الى نتائج الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الاسد الى مصر يوم الاحد بالذات والاشارة الى ان مصر ترفض سياسة عزل سوريا واحتمال تحول سوريا الى بؤرة امنية جديدة لا تحتملها المنطقة ، وهو امر يراه هؤلاء ربطا بالتحقيق الدولي والمحاولات الحثيثة للمحافظة على استقرار النظام السوري الذي قد يتعرض لاهتزاز نتيجة لاعلان نتائجه. وما يحصل في لبنان كما ما يحصل في العراق من جهة اخرى وما يحصل في فلسطين على نحو مواز يجعل الامور تبدو بالنسبة الى متابعين ديبلوماسيين وكأنما ثمة ضرورة حاسمة لعدم توجيه اتهام الى القيادة السياسية في سوريا ولعدم اعلان نتائج حقيقية وواضحة للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري لئلا تضاف الى ازمات المنطقة ازمة اخرى في الوضع السوري الذي يستمر رغم كل ما يلحق به حتى الان ضابطا لاي سلبيات على ساحته ، مما يؤكد على ضرورة عدم المساهمة في اهتزازه تحت عنوان ان اولويات الاستقرار في المنطقة تتقدم على اولوية معرفة الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفي هذا السياق بالذت تأتي ترجمة كلام السنيورة عن سباق حقيقي بين نتائج التحقيق وما يحدث من عمليات تفجير وترهيب في لبنان يخشى الكثيرون من تفاقمها في اتجاهات متعددة في المدة الفاصلة عن صدور التقرير الدولي في اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية. اذ من جهة تستهدف مناطق مسيحية في كل عمليات التفجير التي حصلت منذ ما بعد اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط الماضي مما يشكل دلائل بالنسبة الى البعض عن نية في افتعال ازمة طائفية مجددا في لبنان. والبعض يرى صلة بين استهداف المناطق المسيحية وضرورة الحفاظ على النظام الحالي في سوريا الذي يشكل ضمانة في ذاته لاستمرار الوجود المسيحي في لبنان على ما كان يروج بعض القريبين من سوريا في الفترة الماضية قبل خروج القوات السورية من لبنان بموجب القرار 1559. وهذه الخشية من تفاقم الوضع الداخلي في محلها في ظل تواتر معلومات عن تسلل مسلحين فلسطينيين واسلحة فلسطينية تابعة لاحمد جبريل الى منطقتي دير العشائر والناعمة تثير حساسية اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا. ومن جهة اخرى تسارعت وتيرة التفجيرات الى درجة ملاحظة الجميع انه لم تفصل بين الانفجار الذي وقع في منطقة الاشرفية اخيرا واستهداف الزميلة مي شدياق اكثر من عشرة ايام في حين ان المدة كانت شهرا او اكثر في الاشهر القليلة الماضية. لذلك يسود اعتقاد ان هذه الوتيرة للاحداث ربما تعجل في اصدار رئيس لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري ديتليف ميليس تقريره قبل الموعد المحدد في 25 تشرين الاول المقبل ، علما ان وزير العدل شارل رزق كان اعلن في نهاية الاسبوع الماضي ان ميليس سينهي تقريره في اخر ايلول الجاري وينتقل الى جنيف لاعداده وصياغته قبل تقديمه الى الامانة العامة للامم المتحدة. وتقول مصادر رسمية ان على اللبنانيين التحوط لمزيد من الاغتيالات او لاغتيال كبير محدد قد يستهدف شخصية كبيرة مع انطلاق العد العكسي لصدور تقرير ميليس. لذلك يبقى التوتر كبيرا جدا خلال الشهر المقبل وربما حتى نهاية السنة الجارية تبعا للتداعيات التي ستترتب على التقرير. وامس اجتمع قادة الاجهزة الامنية برئاسة الرئيس السنيورة لدرس سبل مواجهة العاصفة الاتية على لبنان من اتجاهات متعددة ، لكن بدا واضحا وفق ما اعلن وزير الداخلية ان لبنان قد لا يكون قادرا على ردع او وقف كل ما ينتظره ما دامت البلاد كلها في وضع انتظار حتى انتهاء التقرير من اجل البناء على مقتضياته وليس قبل ذلك.